مشاهدة النسخة كاملة : طن الزبالة أغلى من برميل البترول تعرف على كيفية تدوير الزبالة


الامبراطور - عين دالة
10-01-2009, 06:35 PM
طن الزبالة أغلى من برميل البترول

آخر تحديث: السبت 12 سبتمبر 2009
أحمد عطية - غادة علي



أصبحت القمامة مادة إعلامية مثيرة فى الشهور الأخيرة.

بدأ المسلسل بظهور وباء الإنفلونزا والتخلص من عشرات الآلاف من الخنازير، التى كانت طريقة طبيعية للتخلص من النفايات العضوية، وانتهاء بأزمة أكوام الزبالة التى تغزو القاهرة الكبرى ومشتقاتها.

السؤال القديم أصبح أكثر إلحاحا: أين تذهب مخلفات الملايين من سكان العاصمة، وإلى أى مدى تطورت أساليب تدوير القمامة لتصبح عصرية ونظيفة وآمنة.

هذا التحقيق الميدانى يكشف عن عناصر القصور الشديد فى كيفية الاستفادة المادية من جبال القمامة اليومية بالقاهرة، وعن مخاطر نظام متعهد الزبالة العشوائى، وضحايا الفرز اليدوى لمخلفات خطيرة على الصحة والبيئة والمستقبل.

الامبراطور - عين دالة
10-01-2009, 06:37 PM
طرق تدوير القمامة المستخدمة فى مصر

آخر تحديث: السبت 12 سبتمبر 2009
أحمد عطية - غادة على




1 ـ الجمع والفرز

يجلس ناصر صديق، متعهد جمع قمامة، أمام منزله فى حى أرض اللواء مع زوجته وابنتيه وحولهم «جُنية» القمامة. والجنية، بضم الجيم، هو اللفظ الدارج بين جامعى القمامة لوصف الشوال الملئ بالمهملات، وكأن القمامة محصول يجمعونه.

«أنا ماسك زبالة 30 عمارة فى الجيزة، و3 فنادق فى المهندسين»، يقول ناصر عن مصادر القمامة التى يجمعها. يبدأ مع عائلته فى فك الأشولة وفرز ما فيها. كومة للورق وكومة للبلاستيك وأخرى للصفيح وزجاجات المياه الغازية.

التعاون العائلى فى جمع وفرز القمامة هو الأسلوب السائد بمنطقة أرض اللواء، وغيرها من مناطق تجمع عاملى القمامة، كمنشية ناصر وعزبة النخل. رب الأسرة يستعمل منزله كمخرن وورشة فرز، وأهل البيت هم العمالة المجانية. «الزبال بتاع شركات النظافة بيفرز لحساب الشركة، فمش بيهمه هو بيجمع إيه ويسيب إيه»، يقول ناصر، أما هو وعائلته فيفرزون القمامة بمنتهى الدقة والحماس، «لأن كل مليم من بيع الحاجات دى راجع لجيبنا إحنا».

أسلوب الفرز اليدوى العائلى هو أسلوب شديد الكفاءة. فى دراسة فى 2005 للدكتور وائل صلاح فهمى، الأستاذ المساعد للتخطيط العمرانى بجامعة حلوان، عن أحياء الزبالين، قالت الدراسة إن دقة الفرز فى هذه الأسر قد أوجدت ما قد يعد واحدا من أكفأ نظم فرز القمامة فى العالم.

إلا أن كفاءة نظام الفرز بهذا الشكل البدائى تأتى على حساب صحة العاملين. لا يرتدى ناصر أو أى فرد من عائلته كمامة أو قفازا وهم يمدون أيديهم داخل أكياس القمامة بحثا عن ما فيها من خيرات، رغم أنهم أكثر من يعرفون مخاطر التعامل مع القمامة بهذا الأسلوب اليدوى البدائى.

«فى مرة دخل جوة إيد بنتى إبرة كبيرة وخرجت من الناحية التانية»، يقول ناصر الذى لم يعرض ابنته على طبيب ليعالجها. «إديتها مضادات حيوية وصلت لألف جرام لحد ما خفت وبقت كويسة». ويتذكر ناصر عشرات الحوادث التى مر بها شخصيا أو حدثت لأصدقائه، «وفى مرة عامل كان بيشيل كيس زبالة، وقعت على راسه من الكيس مادة كاوية جابتله صلع».

رغم ذلك لا يعانى ناصر من أى ضيق من عمله، «إحنا وولادنا اتربينا هنا، وبقى التعامل مع الزبالة شىء عادى».

2 ـ مسارات التدوير

بعد الفرز، يذهب ناصر إلى أحد أصحاب الموازين، ليزن حصاد يومه من القمامة. «زمان كنا بنكسب من السكان اللى بنلم منهم الزبالة، ومن بيع المخلفات نفسها»، يقول ناصر، «لكن دلوقتى بعد الشركات الأجنبية ما بدأت فى جمع الزبالة، بقينا نكسب من بيع الحاجات دى بس». ما زاد خسارة ناصر هو أن الشركات الأجنبية قد قللت من فرص الزبالين فى جمع مخلفات المناطق الراقية، وهى المناطق ذات المخلفات الأغلى ثمنا حيث يكثر فيها زجاجات المياه المعدنية البلاستيكية وعلب المياه الغازية.

بعدما يعرف ناصر وزن المخلفات التى جمعها، يتجه إلى يسار المحور بأرض اللواء حيث ورش تدوير المخلفات. بعد خصم ثمن إيجار السيارة المستخدمة فى جمع القمامة وأجور العمالة التى ترفع القمامة إلى السيارة من ثمن بيع المخلفات المفروزة للورش، يتراوح ربح ناصر ما بين 20 إلى 30 جنيها يوميا.

«كل واحد هنا بيتخصص فى نوع معين من الزبالة»

يقول ميلاد توفيق، مدير ورشة لكبس الصفيح. تصطف عشرات الورش البدائية. كل ورشة تشترى نوعا بعينه من القمامة، إما الصفيح أو البلاستيك أو الورق.

ورشة ميلاد ما هى إلا أرض فضاء يكتظ فيها آلاف من علب المياه الغازية الفارغة. على يسار الأرض 3 مكابس بدائية، وحمار يتجول بجوار كومة من العلب الفارغة.

يستأجر ميلاد بعض العمالة اليومية عشوائية الأجر لتشغيلها. يقوم العمال بتجميع العلب وكبسها وتشوينها فى مكعبات متساوية الحجم. يقول ميلاد أنه يكبس تقريبا 12 طنا من علب المياه الغازية شهريا.

الورش التى تجاور ميلاد تكتفى بأنشطة بدائية مشابهة، فورشة تقوم بتطبيق وتجميع الورق الأبيض والورق المقوى،وأخرى تعمل على تكسير زجاجات البلاستيك وطحنه وغسيله.

هذه العمليات البسيطة ترفع من قيمة المخلفات إلى الضعف. فسعر طن زجاجات المياه المعدنية البلاستيك، على سبيل المثال، ثمنه 400 جنيه، وبعد كسره وغسيله فقد يصل إلى ألف جنيه. وفى دراسة أعدتها وزارة البيئة فى 2008، قدرت الدراسة قيمة القمامة فى مصر بستة مليارات جنيه، تتضاعف قيمتها إلى 12 مليار جنيه بعد تحويلها إلى مواد أولية، من خلال العمليات الوسيطة كطى الورق وكبس الصفيح.

3 ـ التصدير

«تصدير المخلفات أحسن ماديا من تصنيعها فى مصر».

يقول حسام مصطفى، نائب رئيس شركة إيجى إندسترى Egy Industry لإعادة تدوير القمامة وتصديرها. تستأجر الشركة مصنعا فى أبورواش تستخدمه فى إعداد البلاستيك للتصدير.

تشترى الشركة سنويا ما يقارب 200 طن من مخلفات البلاستيك السليمة من جامعى القمامة بأنحاء القاهرة، لتقوم بفرزها وتفتيتها بماكينات حديثة ثم غسيلها. وتشترى 300 طن من البلاستيك المفتت بالكسارات العشوائية بمنشية ناصر وأرض اللواء، لتذهب إلى الغسيل مباشرة.

شهريا تحضر الشركة 500 طن من البلاستيك تصدرها بالكامل إلى الخارج، «ومالوش سوق كويس فى مصر»، على حد قول حسام.

عملية تجهيز المخلفات للتصدير، على بساطتها مقارنة بعملية إعادة التصنيع المعقدة، تكلف الكثير. يعدد حسام تكاليف إدارة المصنع، فإيجاره يصل إلى 10 آلاف جنيه شهريا، بالإضافة إلى 4 آلاف جنيه للكهرباء، وألفين للمياه، «دا غير أجور العمال اللى بتوصل 200 ألف جنيه فى السنة».

مجهود إدارة المصنع مقارنة بهامش الربح «مش جايب همه» طبقا لحسام. لذلك فقد قرر مؤخرا أن يكتفى بالتصدير فقط، وأن يبتعد تماما عن عملية الإعداد، بحيث يتولى متعهد آخر تأجير المصنع وشراء البلاستيك جاهزا للتصدير. لذلك يربح أصحاب الورش العشوائية أكثر من أصحاب المصانع الأكثر حداثة.

«مستأجر المصنع حياخد 50 جنيها على الطن. نشترى 200 من المصنع و300 من بره والعملية تمشى».

«الهند والصين أكبر دولتين بيستوردوا مخلفات من مصر»، على حد قول حسام.

يقف حسام أمام أحد مكابس علب المياه الغازية المعدنية بحى أرض اللواء بالجيزة. ينتهى العمال من تحميل سيارات النقل بأطنان من الصفيح. يستخدم حسام كاميرا هاتفه المحمول فى تصوير السيارات والحاويات ليوثق بصوره أن السيارات مليئة بالبضاعة، قبل انطلاقها لميناء دمياط. «العملا بيطلبوا الصور دى قبل ماتوصلهم الشحنة، علشان يتأكدوا من أن الشحنة فى الطريق وأرقام الحاويات».

«مصادر الطاقة فى دول جنوب شرق آسيا غالية جدا»، يشرح حسام، «علشان كدة بتستورد مخلفات صلبة من كل الدنيا». تصدر الشركة ما يقارب 1200 طن من المخلفات الصلبة سنويا، إلى الهند وبنجلاديش والصين وتايلاند وفيتنام.

سعر طن الصفيح انخفض من 1800 إلى 300 جنيه فى النصف الأخير من 2008 بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية.

طبقا لحسام فالهند هى أكثر الدول التى تطلب المخلفات من مصر، يليها الصين. إلا أن الصين يزيد فيها الطلب على المواد البلاستيكية أكثر من أى دولة أخرى. «أمال كل الصناعات الصينى اللى بتيجى مصر من أول الشباشب لحد المنبهات، بيبقى أسعارها رخيصة ليه؟»، يتساءل حسام، ويجيب أن السبب هو استخدام الصين زجاجات المياه المعدنية القابل لإعادة التدوير لبلاستيك PET فى الصناعات الرخيصة التى تغرق بها أسواق العالم، بدلا من تحمل تكاليف إنتاج البلاستيك من النفط الخام. وطبقا لدراسة أعدتها الحكومة الإندونيسية فى 2004، فإن الصين تستورد 12 مليون طن من البلاستيك القابل لإعادة التدوير سنويا، وأنفقت فى 2002 ما يزيد على المليار ونصف مليار دولار فى استيراد البلاستيك من أنحاء العالم.

الأسعار بدأت تعود إلى طبيعتها طبقا لحسام. «حتى لما بيحصل أزمة، انت ممكن تعتمد على الناس دى إنهم يصلحوا اقتصادهم ويرجعوا الأمور لطبيعتها»، فى حين أنه يرى الاقتصاد المصرى يتأثر ولا يؤثر، ولا يمكن الثقة فى تقلبات أحواله.

4 ـ عيوب فى نظام المتعهد العشوائى

«فلوس تدوير الزبالة فى مصر ملاليم لأن مكسبها الحقيقى أكتر من المخدرات».

هكذا يعلق شرف إمام، رئيس مجلس إدارة المكتب العلمى للخدمات البيئية والبيولوجية، على كيفية إدارة المهملات فى مصر.

تخرج شريف فى قسم المايكروبيولوجى بكلية العلوم، جامعة الأزهر. بدأ عمله كموظف بهيئة المصل واللقاح إلى أن قرر أن يستقيل من الهيئة فى 1999 ويدخل فى عالم بيزنس القمامة.

«إدارة المخلفات فى مصر ما فيهاش تخطيط»، يقول شرف، «والشكل العشوائى اللى الأمور ماشيه بيه بيجيب شوية ملايين، لكن المفروض إنه يجيب شوية مليارات».

المثال الأكبر للعشوائية، فى نظر شرف، هو نظام تدوير القمامة فى أحياء الزبالين بالقاهرة والجيزة. «النظام ده بيجيب فلوس كتير، وفيه أحياء كاملة عايشة عليها»، إلا أن أضرارها الاقتصادية والصحية قد تفوق مكاسب التجارة كلها.

الطمع المادى

أول عيب فى نظام الاعتماد على المتعهدين العشوائيين، هو أن همهم الأول هو الكسب المادى، وليس نظافة المكان. «علشان كده تلاقيهم بيجمعوا الزبالة يحطوها فى بيوتهم وشوارعهم»، فأحياء الزبالين بؤر لانتشار الأوبئة والأمراض. وكان مسئولو وزارة الصحة أعربوا مرارا عن مخاوفهم من نشأة طاعون مصرى خالص وأشكال متحورة مميتة من إنفلونزا الخنازير والطيور داخل هذه الأحياء. وحتى الآن لم تقم وزارة البيئة بحل المشكلة، ففى مايو الماضى هدد زبالو منشية ناصر بالإضراب حين تردد أنباء عن نية الوزارة منع دخول المخلفات الصلبة إلى الحى.

اختفاء الخنازير

«العيب الثانى أن الزبالين كانوا بيستعملوا المخلفات العضوية فى أكل الخنازير بدل استخدامها فى السماد، ودا بيفيد الزبال لكن بيضر بالمجتمع». قبل قرارات ذبح الخنازير، كانت القمامة العضوية تقدم طعاما للخنازير. وكان الزبالون يستفيدون من تربية الخنازير على مدار حياتها من خلال بيع مخلفاتها كسماد بلدى غنى بالمواد العضوية، ويستفيدون بالطبع من ذبحها وبيع لحومها.

«لكن المخلفات العضوية اللى كان بياكلها الخنازير، بتكون عفنت من الشمس ومليانة بكتيريا»، يشرح أشرف، «وبالتالى فديدان بطنه وجراثيمها بتكون موجودة فى معدته ومخلفاته»، وبدورها تنتقل تلك الديدان والجراثيم إلى الخضراوات والفاكهة بالحقول التى تستخدم فى مخلفات الخنازير فى التسميد لتصيب آكليها بالأمراض.

بعد ذبح الخنازير صار الزبالون يهملون جمع المخلفات العضوية، أو يلقون بها فى مقالب الزبالة. «والمقالب لوحدها مشكلة، لأن كتيرا منها غير مطابق للمواصفات الصحية»، يقول شرف، شارحا أن كثيرا من المقالب غير مجهزة بأرضية خرسانية، مما يجعل بكتيريا القمامة المتعفنة تتسلل عبر الأرضية الترابية إلى المياه الجوفية.

«أنا كنت عايز أعمل محرقة فى مقلب شبرمنت»، يقول شرف، «وفوجئت بوزارة الصحة ترفض طلبى لأن المقلب غير مطابق للمواصفات»، وهو ما كان مفاجأة لشرف، فالمقلب يستخدمه جميع جامعى القمامة بأرض اللواء، إضافة إلى الشركات الأجنبية المتعهدة بنقل قمامة الجيزة والقاهرة.

البديل الجاهز للإلقاء مقالب القمامة لدى الزبالين هو الحرق، وهو أحد الأسباب الرئيسية للسحابة السوداء للقاهرة.

العشوائية والغش

«العيب الثالث هو أن المتعهدين دول مستحيل يقدروا يتوسعوا ويطوروا فى شكل نشاطهم»، فكل عامل يجمع على قدر ما يستطيع أن يدوره مع أسرته ومساعديه من العمال إن وجدوا. إضافة إلى أن أغلبهم يعمل بشكل غير رسمى وبلا شهادات ضريبية.

أما العيب الرابع، وقد يكون الأخطر، هو قيام هؤلاء المتعهدين بتدوير مواد غير قابلة للتدوير. مثل بيع مخلفات المستشفيات والعيادات لمصانع البلاستيك، فالمخلفات الطبية تصنع من بلاستيك شديدة الجودة والسمك يرفع من سعرها. ويزعم شرف أن بعض متعهدى القمامة يبيعون أعقاب السجائر ومخلفات تبغ المقاهى لمصانع المعسل.

«الناس لما اتعلمت الفرز من المنبع سابونى وبقوا يبيعوا لحسابهم»، كما يحكى أشرف، الذى مزجت شركته بين عملية الجمع والفزر والتوريد للمصادر وبعض أنواع التصنيع.

قصة نجاح

تكاليف المشروع كانت رخيصة مقارنة بالمكسب. أجور العمال والسيارة والمحصلين لا تزيد على 7 آلاف جنيه. وتصريح المحافظة بجميع مبالغ التأمين لا تتجاوز 5 آلاف جنيه. ويحصل شرف 4 جنيهات من كل شقة يجمع منها القمامة. ووصل مكسب شرف إلى مليون جنيه سنويا.

كان شرف يبيع البلاستيك والورق والصفيح للمصانع كغيره، إلى أنه زاد عن نشاط التدوير الأولى التقليدى استعمال المخلفات العضوية فى إنتاج سماد عضوى عالى الجودة يستخدمه فى مشتله الخاص. ويستخرج شرف من بقايا الطعام مخصبات حيوية للزرع ثمن اللتر الواحد منها 90 جنيها.

«حاولت أدخل فى المنطقة اللى أنا فيها ثقافة الفرز من المنبع»، يقول شرف، وهو ما نجح فيه بالفعل، إلا أن نجاحه قد أدى إلى انخفاض دخله بشدة وتوقف مشروعه فى النهاية.

«قبل دخولى البراجيل، كان بياعين الروبابيكيا يلفوا حوالين الشوارع والترع يلموا منها الزبالة»، ولكن بعد بداية شرف لنشاطه لم يعد لباعة الروبابيكيا رزق فى المنطقة. «وزعت على البيوت أكياسا لفرز القمامة، وطلبت منهم أن يوزعوا فى الأكياس مخلفات البلاستيك والورق والزجاج. «بعد 7 سنين من الشغل فى البراجيل الناس فهمت قيمة الزبالة»، يقول شرف. وكانت النتيجة أن أصبح السكان يفرزون قمامته ثم يبيعونها لحسابهم الخاص إلى باعة الروبابيكيا. «بعض البياعين كانوا بيقايضوا ستات البيوت، ياخدوا منهم زبالة، ويدوهم فى المقابل صابون سايل وسلك مواعين».

وأسباب الهروب

لأن «سعر طن الزبالة الخليجى أغلى من برميل البترول»، قرر شرف الانتقال إلى دولة الكويت، وافتتح فرعا لشركته هناك منذ سنة بعد توقف مشروعه فى مصر. «أنا دلوقتى داخل فى مناقصة كبيرة للحكومة الكويتية، وبعمل دراسة كاملة عن إدارة المخلفات الصلبة هناك».

السبب الرئيسى لهذا الانتقال هو أن قمامة دول الخليج الغنية ليها قيمة اقتصادية ضخمة، نظرا لجودة وفخامة تغليف المواد الغذائية هناك. «أنا وعدت الحكومة الكويتية بأنى لو فزت بالمناقصة حادى كل بيت أجمع منه مخلفات 20 دينارا فى الشهر، وكل عامل حياخد من ألف لألفين دينار كويتى»، وهو ما يوازى 40 ألف جنيه مصريا. «أؤكد لك أن ثمن طن الزبالة الخليجى أغلى من برميل البترول».

يقول شرف إنه على اتصال بشركات ومسئولين فى دول عربية مختلفة، كعمان وقطر ودبى. وأنه يأمل أن يتوسع فى نشاط تصنيع المخلفات. «فيه شركات صينية بتفاوض معاها عشان تعمل مصانع تدوير فى الأماكن اللى أنا فيها، بدل ما نصدر لها المواد الخام».

ويأمل أيضا أن يطبق فى الخليج التكنولوجيات التى لم يملك الإمكانات الكافية لتطبيقها فى مصر. «ورق الشجر على سبيل المثال، بيستخرج مواد تساعد على الحفاظ على نسبة المياه فى الأرض الزراعية»، يقول شرف، «حتى فروع الشجر الميت، بيتم تلوينها بمواد خاصة تحافظ عليها من التحلل، وتستخدم فى تجميل الحدائق».

يتمنى شرف أن يستطيع العمل فى مصر مجددا، إلا أن ما يمنعه هو «أن كوم الزبالة فى مصر عايش عليه كلاب ومعيز وحمير وخنازير ومتعهدين وأحياء كاملة». تشكل القمامة مصدر الدخل الوحيد لآلاف العاملين عليها، من جامعين وفرازين وعاملى تدوير. إلا أن نشاطهم العشوائى يخرب أى فرصة فى نجاح استثمار جاد وعلمى لتدوير القمامة المصرية.

الامبراطور - عين دالة
10-01-2009, 06:38 PM
الجديد الذي لا تعرفه مصر في تدوير القمامة

آخر تحديث: الاربعاء 16 سبتمبر 2009
أحمد عطية -




«إعادة التدوير فى مصر مجرد إعادة تشكيل.. شوف برة بيعملوا إيه»
هكذا يصف محمد بلال، الأستاذ بالمعهد القومى للقياس والمعايرة، حال أغلب أشكال تدوير المهملات فى مصر. د. بلال المستشار العلمى وأحد مؤسسى شركة تحوت للبحث والتطوير، والتى تعمل فى مجال الاستشارات العلمية، ومن بينها استيراد تكنولوجيا تدوير المخلفات وتنفيذها فى دول مختلفة.

يتحدث د. بلال عن تقدم علمى كبير حققته شركات يابانية وصينية فى مجال تدوير المخلفات الصلبة. يشير إلى مجموعة من الصور لقطع من الأثاث المنزلى والأرفف الملونة. «الحاجات دى كلها معمولة بتكنولوجيا شفتها فى زيارتى الأخيرة إلى الصين، كلها مصنوعة من مادة اسمها FGC».

المادة التى يتحدث عنها د. بلال تصنع فى جزئها الأكبر من المخلفات المنزلية الصلبة، مثل بلاستيك علب المياه المعدنية وألمونيوم علب المياه الغازية ومخلفات الخشب، إضافة إلى نسب من الألياف الزجاجية والأسمنت ومادة السليلوز المستخرجة من المخلفات الزراعية.

«ممكن تعتبر المادة دى نوع من الخشب البلاستيكى»، كما يشرح د. بلال. هذا النوع من الخشب مقاوم للاحتراق وتسرب المياه والتآكل. «الباب الفخم اللى انت شايفه ده ثمنه أقل من 70 جنيه، وشكله حلو وقوى ويستحمل»، يقولها وهو يشير إلى صورة أخرى من كتالوج عرض لإحدى الشركات الصينية التى تسعى شركة د. بلال الحصول على توكيل لها.

التكنولوجيات الحديثة طورت من استعمال البلاستيك والألومنيوم المدور لاستخدامه فى كل مجالات الصناعة، من الأدوات المنزلية وحتى دواخل السيارات. «بقى عندهم قدرة على استخدام المواد المدورة فى شكل اسطمبات تخدم أى نوع من الصناعة. أنا شفت مثلا مصنع فى الصين بيستخدم الصفيح المدور فى صناعة دواخل الثلاجات».

تكنولوجيات التدوير الحديثة قادرة على خدمة مشاريع قومية

كما يشرح د. بلال، فهذه التكنولوجيات لا تقتصر على صناعة مواد استهلاكية رخيصة التكلفة فمادة FGC تدخل فى صناعة الحوائط الحاملة، ويمكن استخدامها فى بناء بيوت كاملة دون أسمنت وحديد. وسعرها الرخيص يعد بإمكانية إيجاد بديل رخيص لمواد البناء المكلفة.

«التكنولوجيات الجديدة ممكن تعمل بيها مواسير صرف صحى بأقل 40% من السعر الحالى». ويتحدث محمد بلال عن طرق جديدة ابتكرتها شركات يابانية من خليط يعتمد على نسبة بسيطة من خام البلاستيك، ونسبة أساسية من البلاستيك المدور. «المواسير دى مش محتاجة حديد ولحام وأسمنت زى المستخدم دلوقتى فى مصر، وممكن توفر مليارات فى بناء البنية التحتية».

نفس التكنولوجيا تستخدم فى صناعة خراطيم الرى. «الخراطيم الحالية فى مصر كلها بولى إيثيلن بيحتاج لحام، ومليان تنفيس وبيؤدى لإهدار المياه. أما التكنولوجيات دى تنتج خراطيم قوية جدا وبأقل من نصف ثمن الخراطيم المستخدمة حاليا». يقدر د. بلال تكلفة خراطيم الرى الحديثة بأقل من 65 جنيها، فى حين أن سعر الخرطوم الحالى يصل إلى 240 جنيها.

أما عن تكلفة إنشاء مصنع قادر على استخدام هذه التكنولوجيات فيقدره د. بلال بأقل من 85 ألف دولار للمصنع الصغير، و323 ألف دولار للمصنع الكبير. «ودى أرقام بسيطة جدا فى الاستثمار، خصوصا مع الأرباح المهولة التى تنتج من هذه لمشاريع «. ربح هذا النوع من المصانع، طبقا لدراسات د. بلال يتراوح بين 90% سنويا للمصانع التى توجه نشاطها لإنشاء مشاريع إسكان متوسط، و215% سنويا للمصانع المتخصصة فى إنتاج مواد بناء للإسكان الفاخر.

يقول د. بلال: إن شركته فى مفاوضات لتطبيق تلك التكنولوجيات فى السودان والكويت، وفى طريقها إلى دول عربية أخرى. أما عن مصر، فالبيروقراطية مازالت تعيق أى تنفيذ لمثل هذه المشاريع. «مصر فيها مشاكل كتير، وكل موضوع فيه 100 موظف وكل موظف عايز 100 حاجة».

زراعة الطاقة

«نشاط الشركة هو استخدام المخلفات الزراعية لتوليد طاقة عضوية نظيفة وممكن استخدام التكنولوجيا دى لتوليد طاقة تكفى مصنع أو تكفى بلد بالكامل». كما يوضح حسام غانم، المدير الإقليمى لمنطقة شمال وجنوب أفريقيا بشركة كلينرجن Clenergen، وهى شركة متعددة الجنسيات مقرها الولايات المتحدة وفروعها فى الهند وألمانيا.

استخدام التكنولوجيا له مراحل متعددة تبدأ بالزراعة لتنتهى بكهرباء نظيفة. أجرت الشركة تعديلات جينية على أنواع معينة من البوص والأشجار التى تساعد على نموها وانتشارها فى وقت أقل من الطبيعى. بعد زراعة مساحات كافية من البوص والأشجار، تبدأ مصانع كلينرجن فى استخدام النبات كوقود حيوى صالح للتحويل إلى غاز من خلال تكنولوجيا حديثة تضع النباتات تحت ضغط وحرارة عاليتين، ومستويات منخفضة من الأوكسجين والبخار.

«هذه المصانع قادرة على استخراج الغاز من الوقود الحيوى والمخلفات الزراعية والمخلفات الصلبة المنزلية»، كما يشرح د. غانم. الغاز المستخرج يتم تنظيفه واستخدامه كوقود لأنواع خاصة من توربينات توليد الطاقة المصممة للغازات النظيفة قليلة الانبعاثات.

«الشركة سوف تبدأ مشاريع ليها قريبا فى غانا. ومضينا عقدا مع الهند لتوليد 200 ميجاوات»، وهو المشروع الذى سيتم تنفيذه على مدار 6 سنوات وبتكلفة 3 مليارات ونصف مليار دولار. «النوع ده من الطاقة رخيص جدا وأقل عشرات المرات فى تكلفته من البترول والطاقة النووية»، يقول المدير الإقليمى، «ده غير إن العملية نفسها مفيدة للبيئة».

يقول د. حسام غانم إنه لم يعرض مشاريع شركته على أى جهة فى مصر حتى الآن، والسبب الرئيسى هو أن اتجاه مصر الآن ينصب على الطاقة النووية دون غيرها. أما السبب الثانى، فهو أن العملية معقدة تتطلب مساحات للزراعة وإنشاء المصانع هى تقتضى التعامل مع الحكومة والوزارات المختلفة من أجل التصاريح وخلافه، «وانتو عارفين أد إيه بلدنا حلوة فى الحاجات دى».

الامبراطور - عين دالة
10-01-2009, 06:40 PM
الشركات والزبالون والحكومة ضد التدوير

آخر تحديث: الاربعاء 16 سبتمبر 2009
أحمد عطية وخالد عبد الرسول -

(http://www.arabegyfriends.com/vb/print.aspx?id=114448)



جامعو القمامة التقليديون أصبحوا تاريخا بعد دخول شركات النظافة على الخط، لكنهم انتظروا خارج الملعب حتى تحين فرصة العودة كما حدث مؤخرا، واتهموا الشركات بالعجز عن أداء دورها، لأن المسألة هى «الاستفادة من الزبالة، وليس مجرد نقلها من مكان إلى آخر»، كما يقول المتعهدون.

أما الشركات فتتهم الحكومة والزبالين بسرقتها وإهدار استثماراتها، وانتهى الأمر بإضراب وخلافات، كان نتيجتها المباشرة هذه التلال من القمامة، فى كل شوارع العاصمة.

1ــ الزبالون: الشركات الأجنبية تنافسنا فى أرزاقنا
الحكومة والشركات تجاهلوا دور الزبال التقليدى، ثم لجأوا إليه مرغمين

«اللى بيخلينا نشيل الزبالة مش الزبالة نفسها، إنما البلاستيك والكانز اللى بنلمه ونبيعه»، يقول متعهد جمع قمامة ــ رفض ذكر اسمه ــ المتعهد يعمل فى جمع القمامة بمحافظة الجيزة منذ أكثر من 25 سنة. قبل عام 2003، كان يقوم بجمع القمامة من شوارع رئيسية بحى المهندسين، من جامعة الدول العربية وشارع شهاب وشارع جزيرة العرب. «المناطق دى أهلها مستريحين، بيشربوا كانز كتير وأزايز مايه معدنية»، يقول المتعهد. الأمر الذى كان يشكل له مصدر رزق كبير بعد فرز البلاستيك والمعادن من القمامة وبيعها لورش التدوير الصغيرة المنتشرة فى أرض اللواء ومنشية ناصر. إضافة إلى ما يحصل عليه من السكان مقابل جمع القمامة، واعتماده على فضلات الطعام فى القمامة لتغذية الخنازير، قبل قرار ذبحها.

«بعد ما جات الشركة الإيطالية فى 2003 اضطريت أسيب الحتة كلها، وبدأت اشتغل مع الفنادق أو ألم زبالة من مناطق فقيرة زى إمبابة وبولاق»، يقول المتعهد، مهاجما الشركة الدولية للخدمات البيئية IES، المعروفة باسم الشركة الإيطالية للنظافة. وهى الشركة المسئولة بموجب عقد مع المحافظة عن جمع القمامة والقيام بجميع أعمال التنظيف فى الدقى والعجوزة والمهندسين، كما أنها تشارك فى إدارة شركة إيطالية أخرى هى «أما العرب» المسئولة عن نظافة شمال وغرب القاهرة.

ولأن الاستفادة من القمامة، وليس جمعها، هو مصدر الرزق الأساسى للزبالين، توقع المتعهد منذ البداية فشل الشركات فى القيام بمهمتها. «زبال الشركة بياخد 300 جنيه مقابل لم الزبالة، أما أنا كنت باكسب مش أقل من 1500 جنيه من فرزها وبيعها». لذلك فالمتعهدون التقليديون أكثر حرصا على تأدية مهمتهم، فى حين أن الزبال الذى لا يستفيد من القمامة ويحصل على راتب قليل، فلا يوجد ما يدفعه لأن يجتهد فى عمله، هذه وجهة نظر أصحاب المهنة. «الزبال منهم مش هايتعب نفسه ويطلع الشقق، ممكن بس يكنس الشوارع علشان يمد إيده ويشحت»، يقول المتعهد.

سبب رفض المتعهد ذكر اسمه، يرجع لأنه الآن من المتعاونين مع الشركة الإيطالية رغم أنه يتمنى توقف نشاطها ورحيلها عن مصر. «لما الشركة فشلت إنها تنضف، اضطرت إنها ترجع لنا تانى وتطلب مساعدتنا، ولولانا كانت الشركة وقعت من زمان». عمليا، تتفق الشركة مع متعهدى القمامة الأصليين من الباطن على جمع القمامة وتوصيلها إلى مدفن شبرمنت مقابل مبلغ مالى.

«الإدارة المركزية لنظافة القاهرة توسطت بينا وبين الشركات الأجنبية عشان نشتغل معاهم»، يقول شحاتة المقدس نقيب الزبالين، مؤكدا أن سبب ذلك هو فشل الشركات الأجنبية فى جمع القمامة من البيوت. الشركة اضطرت لدفع 8 جنيهات للزبالين التقليديين عن كل شقة يقومون بجمع قمامتها.

يشرح المقدس بداية الأزمة، قائلا إن تنظيف الشوارع كان مسئولية عمال وكناسى البلدية، «والعمال دول بدأوا ينقرضوا، لأن رواتبهم ضعيفة جدا». هذا كان سببا رئيسيا، من وجهة نظره، فى لجوء الحكومة للشركات الأجنبية. «الحكومة قالتلك اضرب عصفورين بحجر واحد»، يقول المقدس، «الشركة الأجنبية تجيب زبالة البيوت والشوارع والمبالغ اللى تتحصل من البيوت أصرفها على الشركة الأجنبية وأبقى أنا كدا نضفت الشارع ببلاش». فى البداية، قررت الشركات أن تقوم بجميع أعمال النظافة اعتمادا على عمالتها الخاصة، دون اللجوء للزبال أو كناس الشارع.

ومن هنا جاء الفشل وفقا لتحليل المقدس. الشركات والحكومة تجاهلوا دور الزبال التقليدى، فكان مصير خططهم الفشل. «الشركات دى غير قادرة على القيام بدورها لأن عندها معدات، لكن لا تمتلك الأيدى العاملة»، يقول المقدس، شارحا أن المعدات الحديثة للشركات كانت من المستحيل أن تستبدل خبرة الزبالين الذين توارثوا مهنتهم عبر الأجيال. «إحنا اللى عندنا المناعة، وجسمنا سد منيع زى خط بارليف، فنقدر نتعامل مع القمامة».

وطبقا لنقيب الزبالين، وجدت الشركات نفسها فى مأزق. فمن ناحية هى لا تستطيع أن تجد الأيدى العاملة لجمع القمامة بإخلاص. «الشباب مش حيقبل على المهنة دى حتى لو اديته 1000 جنيه»، يقول المقدس، مفسرا أن مهنة الزبال ينظر إليها كمهنة لا تقل عن أهمية عن مهنة الطب والهندسة فى الدول الأوروبية، فى حين يأنف غالبية المصريين من العمل فيها.

ومن ناحية أخرى، لم يكن الزبالون التقليدون مقبلين على العمل مع الشركات الأجنبية. «إحنا رجال أعمال ومبنتأجرش»، يقول المقدس، «إيه اللى يخلينى أسيب شغل ملكى واشتغل عند غيرى؟».

وصل الأمر فى النهاية لطريق مسدود، فالحكومة مرتبطة بشروط جزائية تمنعها من فسخ عقودها مع الشركات، فى حين أن هذه الأخيرة قد استثمرت الملايين فى شراء المعدات وتريد تعويض خسائرها وتحقيق أرباح. والزبال يعمل بشكل مستقل غير عابئ بالاثنين. « مسئولين النظافة مفكروش فينا ومفكروش إنهم ميقدروش ينجحوا من غيرنا»، يقول المقدس، «ولو حاولت الشركات دى إنها تاخد الزبالة ليها بس، الزبالين حيقاتلوا عليها لأن ده أكل عيشهم».

2ــ الشركة الإيطالية: الحكومة لم تحمِ استثماراتنا

مشروعات التدوير معلقة حتى نحصل على مستحقاتنا

«كان عندنا مشروع لعمل مصنع حديث لفرز القمامة وتدوير البلاستيك»، يقول إسلام حجازى، المدير التنفيذى للشركة الدولية للخدمات البيئية. العقد المبرم بين محافظة الجيزة والشركة الدولية ينص على أن الشركة تمتلك القمامة التى تقوم بجمعها، ما يعنى أن للشركة الحق فى فرز القمامة وتدويرها كجزء أساسى من مكسبها. «لكن أنا كنت باتسرق رسمى من الحكومة، وباتسرق بعد كده من الزبالين»، يقول إسلام.

مسئول الشركة ينفى أن يكون قرار التعاون مع الزبالين كان اختيارا للشركات. «المحافظة هى اللى قالتلنا نأجر زبالين من الباطن لأسباب اجتماعية عشان ده رزقهم، وأسباب أمنية علشان ميحصلش فتنة طائفية»، يقول إسلام.. كان هذا أحد أسباب الخسائر المادية للشركة، كما يقول. فإذا امتنع الزبالون عن جمع القمامة أو جمعوها فى وقت متأخر وأدى ذلك لتراكم القمامة، فمن حق المحافظة فرض غرامة على الشركة جزاء تقصيرها.

«أنا كنت بحاسب المتعهدين من الباطن زى زبالين الشركة بالظبط، لكن لما يقصروا فى عملهم، مش من حقى أحاسبهم وباضطر أدفع الغرامات لأن المحافظة ملهاش دعوة».

رغم ذلك، فإن الزبالين، طبقا لإسلام، مارسوا أنشطتهم القديمة فى الفرز لحسابهم الخاص بعيدا عن الشركة. «الزبالين كانوا بيسرقونى، الزبالة كانت بتيجى المقلب مفروزة»، وهذه واحدة من أساليب عديدة مارسها الزبالون لمحاربة الشركة، طبقا لإسلام.

«ده غير أن الأغطية الحديد بتاعة سلل الزبالة كانت بتتسرق وتتسيح». وفى الأماكن التى قررت الشركة جمع القمامة منها دون الاستعانة بمتعهدين من الباطن، «كان الزبالين بيلفوا على أماكن تجمع الزبالة ويلموا البلاستيك وكل حاجة غالية قبل مواعيد عربيات الشركة»، يقول إسلام مؤكدا أن المحافظة لم تبذل أى جهد فى حماية استثمارات الشركة من الزبالين العشوائيين المنافسين للشركة.

«كنا عارفين إن الزبالين والفريزة حيلموا البلاستيك والصفيح من الزبالة لحسابهم»، يقول إسلام «وكنا متوقعين فى دراسة الجدوى سرقة 20% من المخلفات». لكن النسبة تجاوزت ما توقعته الشركة بكثير. النتيجة أن الكميات المفروزة من البلاستيك والصفيح كانت «كميات صغيرة جدا ماتحققش أى ربح».، فاكتفت الشركة ببيعها لشركات البلاستيك أو ورش إعادة التدوير، دون أمل فى تنفيذ مشروع للتدوير.

« مصانع تدوير المخلفات العضوية
كانت متهالكة ومتنفعش»

ينص البند الخامس من العقد على أن يتم تسليم الشركة مصنعين فى منطقة أبورواش لتحويل المخلفات العضوية إلى سماد طبيعى. وتوضح الجداول البيانية فى العقد أن تكلفة صيانة وتشغيل مراكز المعالجة وأجور عمالها تبلغ مليونى و393 ألف جنيه سنويا.

«مصنع منهم موديل 86 والتانى موديل 90»، هذا ما يقوله إسلام عن حالة المصانع التى تسلمتها الشركة من الحكومة، «وبنعملهم اصلاح من وقت ماستلمناهم لحد دلوقتى». إضافة لتهالك حالة المصانع، فإن الزبالين العشوائيين كانوا منافسين للشركة فى الحصول على المخلفات العضوية. «الزبالين كانوا بيراضوا أصحاب محلات الأكل 100 أو 200 جنيه، مقابل إنهم يلموا الزبالة قبل مواعيد وصول عربيات الشركة»، يقول إسلام. ذلك وقت كان الزبالون يستخدمون فضلات المطاعم فى تسمين الخنازير قبل قرار ذبحها.

يفرض العقد على الشركة أن تقوم بتدوير 80 طنا يوميا، «ورغم أن المصانع قديمة ومستحيل تعمل الكمية دى، كانت المحافظة بتفرض علينا غرامات لأننا لم ندور الكمية المطلوبة».

الشركات تقول إنها تكبدت خسائر مهولة وإن مشاكلها مع الحكومة لا تنتهى». «مشاكلنا مع المحافظة بدأت من أول تطبيق العقد فى 2003. من أول مابدأنا، مخدناش أرض للدفن الصحى»، يقول إسلام عن ما يصفه بأولى مخالفات المحافظة للعقد. ينص البند الخامس بالعقد على تخصيص 100 فدان داخل المدفن الصحى بشبرامنت بالجيزة لكى تستخدمه الشركة فى فرز القمامة ودفنها وإنشاء محرقة للمخلفات الصحية.

«لما جينا نبنى المحرقة، ليقينا إن فيه نزاع على قطعة الأرض دى بين المحافظة وهيئة الآثار»، يقول إسلام. اضطرت الشركة أن تستمر فى دفن المخلفات بمقلب شبرامنت دون تجهيزه، «وده مدفن غير صحى وغير آمن» طبقا لإسلام، فما هو إلا قطعة أرض أعلى جبل يتم رمى القمامة فيها ودفنها بالعربات الكاسحة وغير مجهز بخلايا خرسانية وفخارية تمنع اختلاط إفرازات القمامة بالمياه الجوفية، ويشهد العديد من الحرائق المتكررة.

إضافة إلى ذلك تقوم محافظة الجيزة بتأجير مساحات من مقلب شبرمنت إلى متعهد قمامة مقابل 90 ألف جنيه شهريا، طبقا لمستأجر سابق رفض ذكر اسمه.

يقوم المستأجر بفرز القمامة وبيعها. هذا النظام قلل من قدرة الشركة على القيام بعملية الفرز بشكل يحقق لها أى ربح معقول من القمامة التى تجمعها. «لكن وعود أحمد نصار، رئيس هيئة النظافة والتجميل بالجيزة، بحل المشكلة، خلتنا نكمل شغل بالطريقة دى مؤقتا». ولم يتم إصلاح الوضع حتى الآن. «رغم كده، المحافظة كانت بتغرمنا مقابل عدم حرق المخلفات الصحية، ومقابل عدم الدفن الصحى، طب أدفن صحى إزاى وأنا معنديش أرض؟»، يتساءل إسلام بعصبية شديد.

«تعسف الحكومة فى الغرامات كان غير عادى
والخسائر أجلت مشروعات التدوير لأجل غير مسمى»

يقول عمرو عبدالمجيد، مدير الحسابات بالشركة الدولية للخدمات البيئية. غرامات تفرضها المحافظة على الشركة عقابا لها على عدم القيام بتدوير المخلفات العضوية، وعدم دفن المخلفات بمدفن صحى، وعدم حرق المخلفات الصحية فى محرقة خاصة بالشركة. «وصل الأمر لدرجة إن أحيانا كانت قيمة الغرامات أكبر من قيمة الفاتورة». ففى 2004، كانت الشركة تحصل مليون جنيه شهريا من المحافظة، وفى خلال 3 أشهر كانت الشركة تدفع غرامة قدرها 4 ملايين ونصف المليون جنيه، أى أن الشركة تخسر كل مكسبها وتدفع فوق ذلك مليونا ونصف المليون.

ويؤكد عمرو أن الشركة تمر بضائقة مالية كبيرة نتيجة لخسارتها أكثر من 25 مليون جنيه منذ عام 2007 بسبب ما وصفه بالغرامات التعسفية والتقديرات المبالغ فيها من الضرائب والتأمينات.

ويقول «معنديش فلوس أصلح بيها المعدات وأعمل صيانة، أجيب فلوسى الأول وبعد كدة أفكر فى موضوع التدوير».

«ليس من مصلحتنا ولا من مصلحة
الحكومة فسخ العقد»

يعلنها مسئول الشركة الذى يؤكد أن الشركة رأسمالها 50 مليون جنيه، أنفقتها فى شراء المعدات اللازمة لإدارة المشروع.
كانت محافظة الجيزة أعلنت أنها عازمة على فسخ عقدها مع الشركة الدولية المسئولة عن نظافة شمال المحافظة، تحديدا أحياء الدقى والعجوزة وإمبابة، والتى تعاقدت معها فى مناقصة أوائل 2003. النسبة المصرية من الشركة تصل إلى 35% . وجاء اتجاه المحافظة لفسخ العقد مع الشركة كرد فعل على «الإهمال الجسيم» للشركة وعدم قيامها بأعمالها مما أدى لتراكم القمامة بشوارع الجيزة، على حد قول د.مصطفى الخطيب، رئيس المجلس الشعبى المحلى لمحافظة الجيزة فى تصريح سابق لـ«الشروق».

وينبه عمرو إلى أن من ضمن المساهمين فى رأسمال الشركة الدولية للخدمات البيئية شركات حكومية إيطالية، مثل شركة جيزينو GESENU. ويرى عمرو أن التفكير فى فسخ العقد معناه إفشال استثمارات حكومية إيطالية فى مصر، وهو ما قد يؤثر على صورة مصر ليس فى إيطاليا فقط، بل فى الاتحاد الأوروبى كله.

«طب ليه تخسر بلد زى إيطاليا عندها إمكانيات تستثمر فى مصر؟» يتساءل عمرو.

ويختتم عمرو كلامه قائلا إن القرض الذى حصلت عليه الشركة من المحافظة مؤخرا، وقيمته مليونا جنيه، هو حل مؤقت جاء تحت ضغط أزمة انتشار القمامة فى شوارع الجيزة، وأن الشركة تستخدم هذه الأموال فى صيانة المعدات وتأجير أوناش ومعدات لرفع أطنان القمامة التى تراكمت على مر الأسابيع الأخيرة.

لكن المشاكل الأصلية مع المحافظة مازالت قائمة. «سمعنا كلام عن أن المحافظة هاتحل المشاكل بإنها هتخصص مدفن صحى للشركة فى الواحات، لكن لحد دلوقتى الكلام ده متأكدش». وأكد عمرو أنه يثق فى قدرة الشركة على الحصول على حقوقها المادية من خلال 9 دعاوى قضائية رفعتها الشركة ضد المحافظة ومنظورة الآن أمام القضاء. وهى دعاوى تطالب المحافظة بأكثر من 50 مليون جنيه قيمة ما وصفته الشركة بغرامات تعسفية وضرائب وقيم تأمينات مبالغ فيها.

3ــ الحكومة: التعاقد مع الشركات الأجنبية كان خطأ
الشركات لا يهمها سوى الربح فقط

لو رجع الزمن 6 سنوات إلى الوراء ما كانت الهيئة لتُقدم على خطوة التعاقد مع شركات النظافة الأجنبية لتولى مهام جمع القمامة ونظافة الشوارع فى القاهرة هذا ما يعلنه اليوم المهندس نبيل إسماعيل على، رئيس الإدارة المركزية للنظافة بالهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة. وهو يعتقد أن هيئة النظافة بإمكانيتها المحدودة كان يمكن أن تحقق نتائج أفضل.

يقول المسئول بالهيئة إن من أسباب فشل شركات النظافة سعيها فى المقام الأول إلى الربح قبل تأدية الخدمة، وعدم قيامها بدراسات كافية وحديثة عن الواقع المصرى والمناطق التى يقومون بالعمل بها لمعرفة احتياجات هذه المناطق، فضلا عن عدم وجود فرق إشراف مُدربة للعمل بعد رفض كثير من العاملين بالهيئة الحصول على إجازات للعمل مع هذه الشركات.

السبب الثانى للفشل فى رأى نبيل هو السلوكيات الخاطئة للمواطنين لأن معظم الصناديق التى وضعتها هذه الشركات فى الشوارع تعرضت للسرقة أو الكسر، فمن أصل 3600 صندوق وضعتها هذه الشركات فى بداية عملها لما يتبق بعد ستة شهور سوى 108 صناديق فقط.

وفى تفسيره لعدم قيام هيئة النظافة ومحافظة القاهرة بفسخ عقودها مع هذه الشركات رغم فشلها، قال إن العقد المبرم بين الهيئة وبين هذه الشركات ينطوى على شرط جزائى ينص على أن من يقم بفسخ العقد قبل انتهاء مدته وهى 15 سنة، سيتكبد خسائر مالية فادحة قد تصل إلى إجمالى ما ستتقاضاه هذه الشركات طوال المدة المتبقية للعقد وهى 9 سنوات.

وقال نبيل إن الهيئة تضطر لعمل ما سماه «حملات مكثفة» عن طريق «الإنقاذ المركزى» التابع للهيئة أو عن طريق ما أصبح يعرف باسم «مقاولى التراكمات» الذين تعاقدت معهم الهيئة لرفع القمامة ومخلفات الهدم والبناء التى تتراكم فى الشوارع، بما فى ذلك حتى فى المناطق التى يفترض أنها تدخل فى نطاق عمل شركات النظافة الأجنبية.

ومن ناحية أخرى كشف مسئول كبير آخر بالهيئة ــ طلب عدم ذكر اسمه ــ أن شركات النظافة الأجنبية تتقاضى 258 مليون جنيه سنويا يفترض أن تأتى من وعاء «صندوق النظافة» بالهيئة، وفى حين أن إجمالى دخل الصندوق 200 مليون جنيه سنويا والعجز فيما يجب دفعه لهذه الشركات يتم تغطيته من خلال وزارة المالية التى تقوم بتسديد هذا العجز على دفعات ربع سنوية.

وأرجع هذا المسئول إبرام هذه التعاقدات، التى وصفها بالمجحفة، مع هذه الشركات إلى موضة الخصخصة التى انتشرت فى عهد رئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد حيث كان الاتجاه العام خصخصة كل شى وبأى شروط آنذاك، وهو ما جعل الأمر يبدو وكأن كل من محافظ القاهرة ورئيس الهيئة العامة للنظافة وقتها مجبرين على التعاقد مع هذه الشركات بسرعة وبأية شروط.

ومن جانبه، رفض أحمد نصار، رئيس هيئة النظافة والتجميل بمحافظة الجيزة، التعليق تفصيليا على اتهامات الشركة الدولية للخدمات البيئية، التى قالت إن الهيئة قد خالفت العقد بتخصيص أرض لإقامة مدفن صحى. اكتفى نصار بالقول إن المحافظة قد خصصت بالفعل أرضا للشركة لإقامة مدفن صحى، وأن «مشكلة الشركة الآن مع هيئة الآثار ولا علاقة للمحافظة بها». نصار أغفل حقيقة أن المحافظة هى من قامت بتحديد هذا الموقع وتخصيصه للشركة.

وأضاف أن مصر كلها ليس بها مدفنا صحيا واحدا، لأن إقامته تتطلب تقنيات عالية تتكلف الملايين فى إنشاء وحدات خرسانية مجهزة بأنابيب لتسريب الغازات المنبعثة من الغازات، وغيرها من المتطلبات المكلفة لإنشاء مدافن مطابقة للمواصفات العالمية.

كما نفى نصار تعسف الشركة فى تطبيق الغرامات ضد الشركة، مدللا على كلامه بالقرض الذى منحته المحافظة للشركة بقيمة مليونى جنيه من أجل تيسير عمليات الصيانة. وختم نصار حواره المقتضب مع الشروق قائلا «الوقت دلوقتى مش مناسب للحروب الكلامية مع الشركات. المهم دلوقتى هو صحة الناس فى مصر اللى فيها مرض قاتل زى إنفلونزا الخنازير

الامبراطور - عين دالة
10-01-2009, 06:41 PM
التدوير أسلوب حياة فى منشية ناصر

آخر تحديث: السبت 19 سبتمبر 2009
أحمد عطية -




«لما كانت الزبالة بتتفرز هنا كان الحال أحسن كتير»

يقولها جرجس صاحب كسارة بلاستيك بمنشية ناصر، رفض صاحب الكسارة، كأغلب سكان المنطقة، ذكر اسمه الحقيقى، فذكريات معارك المولوتوف والحجارة بين أهالى المنشية وجنود الأمن المركزى الذين اصطفوا أمام مدخل المنشية لإجبار الأهالى على تسليم خنازيرهم فى أبريل الماضى، مازالت حاضرة فى ذهن الجميع.

هنا الحديث بحساب.

يدخل جرجس إلى غرفة واسعة، أمام منزله، تحوى مئات الأشولة المليئة بزجاجات المياه المعدنية الفارغة. يساعد بيديه 3 من العمال يستأجرهم باليومية، فيدفع لكل منهم 35 جنيها لفرز وتكسير الزجاجات الخضراء التى يبيعها لمصانع مصرية. أما الزجاجات المعدنية فللتصدير فقط.

«زمان كانت الزبالة بتيجى بخيرها كله، مافيش حاجة منها بتروح»، يقول صاحب الكسارة، إلا أنه بعد ذبح الخنازير، منعت محافظة القاهرة زبالى منشية ناصر من إدخال المخلفات العضوية إلى الحى. يضطر الزبالون الآن إلى جمع القمامة ونقلها إلى المدفن الصحى فى الوفاء والأمل. والفرز يتم هناك.

الفريزة يرسلون المخلفات الصلبة إلى منشية ناصر، ويتركون وراءهم المخلفات العضوية.

يؤكد صاحب الكسارة أنه لا يشعر بأن المنطقة القابعة فى حضن جبل المقطم، قد أصبحت أكثر نظافة بعد منع دخول المخلفات العضوية إليها. «إحنا اتعودنا على الريحة ومبقناش نحس بيها، ومكانتش فارقة معانا فى حاجة.» لكن ما يضايقه حقا هو أن «كميات البلاستيك اللى بتيجى من ساعة القرار قلت كتير» لأن الفرز فى المقلب أصعب والناس مش بتشتغل هناك بضمير، ولو فيه حاجة مش ظاهرة قدام عينيه بيسيبها».

يعرف جرجس أن بعض الزبالين يجلبون القمامة خفية فى الأزقة الجانبية والحارات، توفيرا لأجرة نقل المخلفات إلى المقلب. «لكن النسبة دى متعديش 1% » على حد قوله.

إلا أن هذه النسبة، إن كانت صادقة، يستطيع الزائر لمنشية ناصر الإحساس بوجودها فور دخوله. رائحة القمامة المحترقة تلف المكان. فبعد الفرز يتخلص الزبالون من الفائض بإشعال النار فيه.

رغم أن جرجس لم يكن من مربى الخنازير،فإنه تأثر بغيابها، وهو ما يعكس، فى رأيه، الترابط بين مصادر دخل سكان منشية ناصر.كلهم يعتمدون على الزبالة بشكل أو بآخر فى اختلاق مهنة يتكسبون منها، «الناس كلها هنا، حتى اللى معاهم مؤهلات، عايشين على مهنة متعلقة بالزبالة»، كما يقول.

يؤيد كلامه جولة سريعة داخل المنطقة. فى الصباح، تبدو منشية ناصر أشبه بمصنع ضخم، لا منطقة سكنية. الورش تتخذ من بدرومات وساحات البيوت مقار لها. لا يكاد يخلو بيت من كسارة أو مصنع صغير أو غرفة للفرز.

النساء والأطفال أمام البيوت وعند كل باب نوع معين من المخلفات أو ما تم فرزه منها. أما الرجال فهم إما يعملون فى جمع القمامة أو فى ورش التدوير.

«الحارس هو الله، والحل عند الله»

يقول أبانوب، 52 سنة، معلقا على حال مخزن فرز الورق الذى يملكه. فى الدور الأرضى لمنزل أبانوب غرفتان واسعتان يستخدمهما أبانوب فى تخزين الورق المفروز من المخلفات التى يشتريها، ثم يبدأ فى إعادة فرزها مرة ثانية.

«فىه تخصصات». فبعد فرز المخلفات إلى صلبة وعضوية، وفرز الصلبة إلى ورق وزجاج وبلاستيك ومعادن، يتخصص تجار فى فصل العناصر المختلفة داخل كل نوع. تجار فريزة لفصل البلاستيك إلى أخضر ومياه معدنية وعلب زبادى وأكياس. آخرون لفصل المعادن من الصفيح والألمونيوم. ومجموعة أخرى من بينها أبانوب، لفصل الورق إلى علب ألبان وكارتون وورق أبيض، وهكذا.

يستأجر أبانوب عمالة يومية أحيانا، ولكن فى أغلب الأيام يكتفى بالاستعانة بزوجته وبناته الأربع وولديه.

يمارس أبانوب اعتقاده أن «الحارس عند الله» فى عدم وجود أى طفاية حريق داخل مخزنه المكتظ بأطنان الورق. فى حين يدفعه اعتقاده بأن الحل عند الله، بالصبر على تدهور حالته المادية بعد رحيل الخنازير. «زمان لو اتزنقت فى فلوس، كنت آخد حلوف أبيعه، لكن دلوقتى خلاص، ماليش غير ربنا».

أكثر ما يضايق أبانوب هو زيارات مفتشى وزارة البيئة التى باغتته منذ أسبوعين. «ساعات بيعملولى محضر بيئة بألفين جنيه، رغم إن معنديش مكنة واحدة فى المخزن. كل الفرز والطى بيتعمل يدوى». رغم عدم معرفة أبانوب بسبب دقيق لدفع المخالفة، إلا أنه دفعها على أى حال. «ماهو لو أنا إديته حاجة فى إيده، رشوة يعنى، علشان ميعمليش محضر، حلاقيه بينطلى كل يوم عايز فلوس».

سمع أبانوب مؤخرا «معلومات» عن خطط لوزارة البيئة لمنع دخول المخلفات الصلبة إلى منشية ناصر من أجل تطوير المنطقة. «وزارة البيئة متقدرش تمنع الزبالة من الدخول هنا»، يقول أبانوب، «ولو ده حصل إحنا والزبالين وكل الناس هانعمل إضراب ومظاهرات زى أيام ذبح الخنازير».

«أما أنا فبظبط المندوب بعشرين جنيه فى جيبه»

يقول محمد، صاحب ورشة لتصنيع الشماعات. مكبسين يدويين بدائيين هما قوام ورشة محمد، التى تصنع ما يقارب من 300 شماعة يوميا. فتحة صغير لوضع البلاستيك المفروم، وذراع كبيرة تضغط البلاستيك على «اسطمبة» الشماعة، هذا هو المكبس. ويوميا، يجمع محمد حصيلة اليوم من الشماعات ليبيعها لمحال الملابس الجاهزة.

«المكن ده شغال بسخانات، مافيهوش أى دخان أو حاجة بتلوث الجو»، يقول محمد، «لكن مندوب الوزارة قاللى إنه شايف فيها مخالفات، إديته 20 جنيه والحكاية خلصت».

رغم بساطة الورشة التى يملكها محمد، إلا أنها تشكل أحد الأنشطة الاقتصادية الأكثر تطورا فى منشية ناصر، فهو نشاط يتجاوز جمع القمامة وفرزها وتحضيرها للتصنيع، ليدخل فى مرحلة التصنيع نفسها واستخدامها فى إخراج منتج كامل قابل للبيع. «كله هنا بيعتمد على بعضه»، يقول محمد، «أصحاب ورش التصنيع بيجيبوا البضاعة من فريزة البلاستيك، وفريزة البلاستيك يجيبوها من الزبالين، والزبالون بيلموا الزبالة علشان المواد دى وعلشان أكل الخنازير أيام ما كانت عايشة».

فلا عجب إذن أن يشعر محمد أن هناك كميات أقل من البلاستيك الذى يتم تدويره، «من ساعة الخنازير والبلاستيك اللى جه المنطقة بيقل، وبالوضع ده حيفضل يقل أكتر وأكتر».

لم يعمل محمد يوما فى تربية الخنازير، إلا أنه يشعر بتبعات ذبحها، تضيق عليه رزقه، فاقتصاد منشية ناصر أشبه بقطع الدومينو،، إذا سقط منه قطعة واحدة، تداعت باقى الأجزاء.

Adsense Management by Losha