مشاهدة النسخة كاملة : أديان و فرق و مذاهب


زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 04:54 PM
مناقشة ردود النصارى حول تحريف الإنجيل









يدافع النصارى بشدة عن سلامة إنجيلهم من التحريف، ويرون أن القائلين بذلك من مسلمين وغيرهم ما هم إلا معتدون على كتابهم دون وجه حق، ويرون أن على القائلين بالتحريف أن يجيبوا عن عدة أسئلة ليثبتوا بها دعوى التحريف، ويتناسون كل الأدلة التي أثبتت التحريف، وهو ما اعترف به الكثير منهم مما نقلناه في موضوع " اختلاف النصارى في كتابهم" .





ومع ذلك سوف نذكر أسئلتهم ونجيب عنها واحداً واحداً، وأول سؤال يورده هؤلاء سؤالهم لخصومهم عن الآيات التي أصابها التحريف، وماذا كانت قبل تحريفها ؟ وما هي أسماء الذين قاموا بالتحريف ؟ وفي أي وقت قاموا به ؟ وما هي غايتهم من تصرفهم هذا ؟ والجواب عن هذا لا يتم إلا لمن يملك النسخة الأصلية التي كتب بها الإنجيل، والتي كتبت بين عامي 60 و 120م، ولا يملك أحد هذه النسخ لا النصارى ولا المسلمون ولا غيرهم، فكيف ستتم المقابلة إذا بين النسخ المحرفة والنسخ الأصلية، وكيف ستعرف الآيات التي حرفت وما هو وضعها قبل التحريف، فضلاً عن أن يعرف من قام بالتحريف وغايته من ذلك .





فإن قيل: إن غياب الأصل ينفي التحريف ؟ قلنا: ليس الأمر كما قلتم, لأن التحريف هو التغيير الواقع في الأناجيل سواء وقع بسبب الزيادة أو النقصان أو تبديل بعض الألفاظ ببعض آخر، أياً كان سبب ذلك التغيير عن سوء قصد، أم عن حسن قصد، أم عن سهو وغفلة، ونحن ندعي أن التحريف بهذا المعنى واقع في الأناجيل التي بين أيدي النصارى اليوم بغض النظر عمن قام به وغايته منه وبغض النظر عن وجود النسخ الأصلية أو اختفائها .





هذا بالنسبة للتحريف من جهة المتن أو النص، أما من جهة السند فلا يوجد سند يصل بين الأناجيل الموجودة الآن وبين أصحابها الذين كتبوها بأنفسهم، علما أن أقدم نسخة وجدت لهذه الأناجيل هي في القرن الثالث سنة 225م أي أن بين كاتبيها وزمن العثور عليها ما يربو على القرنين من الزمان !! فكيف يوثق بكتاب هذا حاله ؟!!





أما قول النصارى: إن الإنجيل انتشر في عهد التلاميذ، ولم ينكره أحد منهم، فكلام خارج عن موضع النزاع، لأن البحث ليس فيما كان عند التلاميذ من إنجيل، وإنما البحث في نسبة هذه الوثيقة التي بين أيدي النصارى اليوم إلى ما عند التلاميذ وسندها المتصل إليهم .



ثم سألوا سؤالا آخر، فقالوا: كيف استطاع المحرفون أن يقوموا بالتحريف مع أنه كان يوجد منذ القرن الثاني الميلادي آلاف النسخ من الإنجيل في بلاد متفرقة وبلغات متعددة، الأمر الذي يتعذّر معه إجراء تحريف فيها جميعاً . والجواب عن ذلك: أننا لو سلمنا أن التحريف لم يجر فيما قبل القرن الثاني، فماذا عن القرن الأول ؟ هل عندهم ما يثبت عدم وقوع التحريف . هذا والنسخ التي بين أيديهم لم تصلهم إلا بعد القرن الثاني. ماذا عن تلك الفترة التي امتدت من رفع المسيح إلى نهاية القرن الثاني، وافترقت فيها النصارى فرقاً ومذاهب متعددة، هل كان النصارى فيها موحدين على إنجيل واحد ؟ هذه أسئلة يجب على النصارى الإجابة عنها قبل أن يوجهوا أسئلتهم إلى غيرهم .

وأضاف هؤلاء أيضاً إن من يدعي تحريف الإنجيل عليه أن يذكر الطريقة التي لجأ إليها الأشخاص المذكورون لإخفاء التحريف المزعوم، حتى لم يستطع اكتشافه إلا المعترضون، وذلك بعد مئات السنين من حدوثه! والجواب عن ذلك: أن الإجابة عنه غير لازمة لما سبق من أن النسخ الأصلية التي يمكن مقابلتها مع النسخ التي بأيدي النصارى اليوم غير موجودة، والنصارى أنفسهم لا يعرفون الكتبة الذين كتبوا هذه الأناجيل على وجه القطع، فكيف يطالبوننا بأن نعرف المحرفين ؟ وهم يتوزعون بين نساخ ومترجمين ومغرضين، يقول "ول ديورانت" في "قصة الحضارة" : " وترجع أقدم النسخ التي لدينا من الأناجيل الأربعة إلى القرن الثالث. أما النسخ الأصلية فيبدو أنها كتبت بين عامي 60، 120م، ثم تعرضت بعد كتابتها مدى قرنين من الزمان لأخطاء في النقل، ولعلها تعرضت أيضاً لتحريف مقصود يراد به التوفيق بينها وبين الطائفة التي ينتمي إليها الناسخ أو أغراضها ".

ثم إن التحريف كما قلنا هو التغيير وهذا موجود، ومن أمثلته اختلافهم في نسب المسيح – عليه السلام - فإنجيل "متى" نسب المسيح إلى يوسف بن يعقوب وجعله في النهاية من نسل سليمان بن داود. أما إنجيل "لوقا" فنسبه إلى يوسف بن هالي، وجعله في النهاية من نسل ناثان بن داود عليه السلام، ومن ذلك اختلافهم في عدد آباء المسيح فذكر إنجيل "متى" أنهم سبعة وعشرون أباً، في حين أن إنجيل "لوقا" جعلهم اثنين وأربعين أباً، إلى غير ذلك من اختلافات تجدها مفصلة في موضوع "الأناجيل ليست كلام الله".

هذه بعض الأسئلة التي يوردها بعض من يظن أنه بإيراد مثل هذه الأسئلة سوف يفحم القائلين بالتحريف، وما علم أنه بأسئلته تلك قد كشف جهله بحقيقة التحريف الذي يدعيه مخالفوه، فهو يظن أن التحريف ما هو إلا مخالفة نسخة لنسخة أخرى، ولم يعلم أن التحريف هو التغيير، فلو أتى رجل برسالة مرسلة من شخص واحد في زمن واحد لغرض واحد، وكانت إحدى الرسالتين تخالف أحدها الأخرى مخالفة لا يمكن الجمع بينها، لعلم أن إحدى النسختين محرفة من غير أن يكون ملزماً بتعيين النسخة المحرفة عن النسخة الأصلية .

وما مثل من يجادل في تحريف الأناجيل بدعوى جهلنا وجهله بمن قام بالتحريف إلا كمن رأى قتيلا أمامه فأنكر قتله، لأنه لم ير أو لم يعلم قاتله .ولا شك أن تلك الأسئلة تنم عن جهل بالغ، لكن الإجابة عنها تكشف حقيقة ساطعة اكتشفها الكثيرون فمتى يكتشفها غيرهم ؟

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 04:56 PM
إبطال شبهات النصارى حول وراثة الخطيئة











جاء في التوراة المنسوبة لموسى- عليه السلام - في سفر التكوين (2/15-3/24): " وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم, وقال له – وهو أعلم -: أين أنت ؟ فقال سمعت صوتك في الجنة، فخشيت لأني عريان فاختبأت، فقال – وهو أعلم -: من أعلمك أنك عريان ؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها, فقال آدم:المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت . فقال الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: الحية غرتني فأكلتُ. فقال الرب الإله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم. ومن جميع وحوش البرية، على بطنك تسعين, وترابًا تأكلين كل أيام حياتك, وأضع عداوة بينكِ وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها, هو يسحق رأسك, وأنت تسحقين عقبه. وقال للمرأة: تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك, بالوجع تلدين أولادًا, وإلى رجلك يكون اشتياقك, وهو يسود عليك. وقال لآدم: لأنك سمعت لقول امرأتك, وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلاً: لا تأكل منها. ملعونة الأرض بسببك, بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك, وشوكًا وحسكًا تنبت لك, وتأكل عشب الحقل, بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها, لأنك تراب, وإلى تراب تعود .. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها ".
تلك هي القصة كما نسبت للتوراة والتي بنى عليها النصارى معتقدهم في وراثة الخطيئة، على الرغم من خلوها عن أي إشارة لتوريث آدم وحواء الخطيئة لذريتهما، بل على العكس من ذلك فالقصة تذكر أن الجميع عوقبوا جراء هذه الخطيئة، آدم وحواء بل والحية أيضاً، ومن المعلوم أن العقوبة إن لم تمح الذنب فلا أقل من أن لا يعاقب عليها مرة أخرى .
غير أن النصارى لهم رأي آخر حيث يزعمون أن هذه الخطيئة التي وقع فيها آدم وحواء – عليهما السلام – بقيت معهما، وورَّثاها ذريتهما من بعدهما، وأن الناس كل الناس يولدون في الخطيئة، وأن الرب تكرّم فأرسل ابنه الوحيد ( المسيح ) ليقتل ويصلب، وليكون صلبه وقتله كفارة لهذه الخطيئة، وهو منطق أقرب إلى الخرافة منه إلى العلم والعقل، وتتوارد عليه أسئلة كثيرة منها: هل كان الرب عاجزاً عن غفران الخطايا دون أن يرسل ابنه – كما يزعمون - ليقتله اليهود والرومان ؟ وما هو حال الإنسانية قبل هذه التضحية الإلهية بابنه هل ماتوا في الخطيئة ؟ وما مصيرهم في الآخرة ؟ وماذا عن العقوبة التي نالها أبوانا – آدم وحواء - هل كانت كافية ؟ أم أنهما ماتا أيضا في الخطيئة ؟ ثم كيف انتقلت هذه الخطيئة من الأبوين إلى أبناءهم ثم إلى البشرية جمعاء ؟ ولماذا لم يرث المسيح الخطيئة أيضاً ؟ ألم يولد من أم ورثت الخطيئة بدورها من أبويها ؟ أسئلة لا يستطيع النصارى الإجابة عنها إلا بتكلف لا يقبله عاقل.
ومع ذلك نذكر بعض أقوالهم ليطلع عليها القارئ يقول عوض سمعان في كتابه " فلسفة الغفران في المسيحية ": وبما أن آدم الذي ولد منه البشر جميعاً كان قد فقد بعصيانه حياة الاستقامة التي خلقه الله عليها، وأصبح خاطئاً قبل أن ينجب نسلاً، إذن كان أمراً بدهياً أن يولد أبناؤه جميعاً خطاة بطبيعتهم نظيره، لأننا مهما جلنا بأبصارنا في الكون لا نجد لسنة الله تبديلاً أو تحويلاً، ولذلك قال الوحي: " بإنسان واحد دَخَلَتْ الخطيئة إلى العالم " ( رومية 5/12 - 21 ).
ويشبه "كالوني" أحد علماء البروتستانت انتقال الخطيئة لبني آدم بانتقال الوباء، فيقول " حينما يقال: إننا استحققنا العذاب الإلهي من أجل خطيئة آدم، فليس يعني ذلك أننا بدورنا كنا معصومين أبرياء، وقد حملنا ظلماً ذنب آدم.. الحقيقة أننا لم نتوارث من آدم العقاب فقط، بل الحق أن وباء الخطيئة مستقر في أعماقنا، على سبيل الإنصاف الكامل، وكذلك الطفل الرضيع تضعه أمه مستحقاً للعقاب، وهذا العقاب يرجع إلى ذنبه هو، وليس من ذنب أحد غيره ".
ويقول ندرة اليازجي: " آدم هو مثال الإنسان، الإنسان الذي وجد في حالة النعمة وسقط، إذن سقوط آدم من النعمة هو سقوط كل إنسان، إذن خطيئة آدم هي خطيئة كل إنسان، فليس المقصود أن الخطيئة تنتقل بالتوارث والتسلسل لأنها ليست تركة أو ميراثاً. إنما المقصود أن آدم الإنسان قد أخطأ، فأخطأ آدم الجميع إذن، كل واحد قد أخطأ، وذلك لأنه إنسان ".
ولا ندري أين البداهة في أن يولد الطفل متحملاً خطأ أبيه ؟ متمنطقا بأوزار لم يرتكبها، ولا ندري كيف يصح من "كالوني" تشبيه الخطيئة بالوباء الذي يعمّ ؟ والخطيئة لا تعدوا أن تكون حدثاً ( الأكل من الشجرة ) وقد وقع في زمن ما، وانقضى الحدث وزمنه، وعوقب فاعلوه، فأي شيء ينتقل بعد ذلك ؟ أما قول اليازجي: إن سقوط آدم هو سقوط كل إنسان، فلا ندري وجه ذلك ؟ وهل إذا سقط إنسان فوقع في الخطأ تتحمل البشرية جميعا تبعات خطأه ؟ إن منطق العقل ونصوص الشرائع السماوية لتبين بما لا يدع مجالا للشك أن الإنسان إنما يتحمل وزر ذنبه وتبعات أعماله، ولا علاقة له بأعمال غيره إن لم يكن متسببا فيها، هذا ما تدل عليه التوراة والإنجيل والقرآن حيث جاء في سفر حزقيال ( إصحاح 18/2-4): ( ما لكم أنتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل قائلين: الآباء أكلوا الحصرم، وأسنان الأبناء ضرست، حيٌّ أنا يقول السيد الرب، لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل، ها كل النفوس هي لي، نفس الأب كنفس الابن كلاهما لي، النفس التي تخطئ هي تموت " وفي حزقيال أيضاً ( إصحاح: 18/20) : " الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون " وفي سفر التثنية (إصحاح: 24/16) " لا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل " وأوضح "الكتاب المقدس" أن الإنسان إنما يجازى على حسب عمله هو لا عمل آبائه، جاء في "إرميا"( 32/19):" الذي عيناك مفتوحتان على كل طرق بني آدم، لتعطي كل واحد حسب طرقه، وحسب ثمرة أعماله ".
وقد بين "الكتاب المقدس" أن الإنسان إنما يموت لأجل خطيئته لا خطايا غيره، ففي سفر الأيام الثاني: (إصحاح 25/4): " لا تموت الآباء لأجل البنين، ولا البنون يموتون لأجل الآباء، بل كل واحد يموت لأجل خطيته " فهذه نصوص صريحة في انتفاء أن يؤاخذ الإنسان بذنب غيره، وهو ما جاء به المسيح – عليه السلام - وقرره حيث كان يوبخ كل أحد على خطيئته من غير أن يذكر شيئا عن وراثة الخطيئة، بل على العكس من ذلك كان يوصي أتباعه أن يكونوا مثل الأطفال في طهارتهم وبراءتهم، حيث جاء في متى(18/3-4):" الحق أقول لكم، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات، فمن وضع نفسه مثل هذا الولد، فهو الأعظم في ملكوت السماوات " وفي إنجيل متى أيضا (19/14) عندما نهر تلاميذه أطفالاً قال: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات " فلو كان الأطفال يولدون في الخطيئة كما تقوله النصرانية لما صح تشبيههم بالملائكة في براءتهم وطهارتهم ؟.
وبهذا يظهر ألا منطق ولا عقل ولا شرع يشهد لهذه الفكرة المبتدعة في المسيحية نفسها، وأن القائلين بها لم يقولوا بها إلا لأجل إضفاء نوع من التبرير لقضية صلب المسيح، وهو الإله القادر – وفق معتقدهم –، فهم عندما يُسْألون كيف للإله أن يصلب ويقتل ويهان ؟ يقولون: إنه فعل ذلك من أجل تخليص العالم من خطاياه، حيث لم يولد أحد إلا وهو متدنس بالخطيئة، في حين أنه الوحيد الذي لم يولد بها ؟ ولا ندري كيف لم يولد بها وأمه قد ولدت بها – وفق معتقدهم – ؟ إنه منطق غريب حقا، وليست غرابته في القول به فحسب، ولكن في التمسك والإصرار عليه طيلة هذه القرون الطويلة، رغم وضوح الحق وضوحاً لا لبس فيه، ولكنه التقليد والتعصب الأعمى الذي يجعل من أقوال كهذه ديناً يتمسك به ويدافع عنه .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 04:57 PM
هل أرسل المسيح إلى الناس كافة ؟



من الخصائص التي اختص بها نبي الإسلام - صلى الله عليه وسلم – دون سائر الأنبياء – عليهم السلام - عموم بعثته إلى الناس كافة، قال تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } وقال - صلى الله عليه وسلم - في بيان هذه الخصوصية: ( وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس كافة ). وهو دليل صريح على أن جميع الأنبياء السابقين لم تكن دعواتهم عالمية، وإنما دعوات خاصة بأقوامهم، وهذا الأمر خالف فيه النصارى وادعوا أن دعوة المسيح – عليه السلام – دعوة عالمية للبشرية جمعاء .


أدلة النصارى على عالمية دعوى عيسى
واستندوا في تقرير هذا على شواهد متعددة من الإنجيل، من هذه الشواهد ما جاء في إنجيل "مرقس" (إصحاح: 16: 15- 16) من قول المسيح – عليه السلام - لتلاميذه: " اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا – وادعوا – بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خَلُص، ومن لم يؤمن يدن " قالوا: وهذا دليل صريح على عالمية دعوة المسيح، وعموم بعثته إلى البشرية جمعاء .


واستدلوا كذلك بقول المسيح – عليه السلام - كما في سفر (أعمال الرسل: الإصحاح:1: 8 ):"‎ لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً في أورشليم، وفي كل اليهودية، والسامرة، وإلى أقصى الأرض" قالوا: وهذا أيضاً دليل صريح على عالمية دعوته إذ لم يخصها باليهود فقط، بل بكل الناس، حتى أقاصي الأرض وأطرافها .


أدلة من يقولون بقصر دعوة المسيح على اليهود خاصة
ويستدل المعترضون على عموم دعوة المسيح بأدلة من الإنجيل نفسه، تدل على أن المسيح لم يرسل إلا لبني إسرائيل وحدهم، دون سائر الأمم، ويقولون: إن هذا الأمر قرره المسيح قولاً وعملاً فطيلة حياته كلها لم يدع إلا في مجامع اليهود، ولم يدخل تجمعا آخر لغيرهم، بل كان يؤكد انحصار رسالته فيهم، ويوصي تلامذته بألا يخرجوا من مدن اليهود ولا يتعدوها، وإليك أخي القاريء النصوص الصريحة في ذلك، ففي إنجيل متى ( إصحاح4: 23):" وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلّم في مجامعهم – أي مجامع اليهود – ويكرز – يدعوا - ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض، وكل ضعف في الشعب – أي اليهودي – " . وفي إنجيل لوقا (إصحاح 4: 15): ( وكان – أي المسيح - يعلم في مجامعهم – أي مجامع اليهود – ممجداً من الجميع )، وقد يقول قائل إن دعوته في مجامع اليهود لا يعني أنه لا يدعوا في غيرها، فالجواب أن على من يقول ذلك أن يثبت أنه دعا غير اليهود، وأنى له ذلك ؟ والمسيح يصرّح أنه لم يبعث إلا لخراف بيت إسرائيل الضالة، كما جاء في إنجيل متى ( إصحاح 15/24): " لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ". بل إنه – عليه السلام – أمر تلاميذه ألا يخرجوا في دعوتهم عن مدن إسرائيل، ففي إنجيل متى – إصحاح: 10/ 5-6 ) ( هؤلاء الاثنى عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً: إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ) وفي إنجيل متى: إصحاح:10/ 23):( ومتى طردوكم في هذه المدينة، فاهربوا إلى الأخرى، فإني الحق أقول لكم لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان ) فهذه أدلة صريحة من أقوال المسيح وعمله تؤيد وتوافق ما جاء به القرآن والسنة من اختصاص نبي الإسلام بالدعوة العالمية دون سائر إخوانه الأنبياء .


ويبقى على النصارى – إن تمسكوا بأقوالهم - أن يجيبوا عما أوردناه من نصوص تبين خصوصية دعوة المسيح، وإجابة البعض على ذلك بمرحلية الدعوة، وأن دعوة المسيح في بداياتها كانت دعوة مختصة باليهود، ثم شملت العالم أجمع، فقول مردود عليه، وذلك أن المرحلية في دعوة الشخص إنما تأتي ضمن فترات حياته، لا بعد وفاته ومماته، والنص الذي يذكرونه للاستدلال به على عموم دعوة المسيح – عليه السلام – إنما قاله المسيح بعد قيامته من الأموات – وفق معتقد النصارى – وهو أمر تثار حوله الشكوك والشبهات، وفي كلام المسيح ما ينقضه ويبطله، حيث صرح المسيح بالرفع إلى السماء، ففي إنجيل (يوحنا: إصحاح: 7/ 33 -34): ( فقال لهم يسوع: أنا معكم زماناً يسيراً بعدُ، ثم أمضي إلى الذي أرسلني، ستطلبونني ولا تجدونني، وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ) فإذا كان المسيح - وفق نص كلامه - قد رفع إلى السماء ولم يصلب، فلا شك أن من جاءهم بعد حادثة الصلب والدفن لم يكن المسيح !! بل شخصاً آخر يشبهه أو شيطاناً أراد فتنتهم .


ومن أقوى المطاعن الواردة في نص – الأمر بتعميد جميع الأمم - أن كثيرا من تلامذة المسيح لم يعملوا به، ففي سفر أعمال الرسل إصحاح 11: 19: ( أما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس فاجتازوا إلى فينيقية وقبرس وأنطاكية وهم لا يكلمون أحداً بالكلمة إلا اليهود فقط ) فهذا فعل تلامذة المسيح لم يعلموا أحدا إلا اليهود فقط فلو كان نص التعميم صحيحا لكانوا عملوا به وطبقوه . بل إن بطرس وهو من كبار تلامذة المسيح عندما دخل على غير اليهود أُنكر عليه، فلم يحتج على فعله بما نسبوه للمسيح من قوله بتعميد جميع الأمم، وإنما احتج بأن روح القدس حل عليهم، وقال معللا موقفه: ( فإن كان الله قد أعطاهم الموهبة – حلول روح القدس عليهم - كما لنا أيضاً بالسوية مؤمنين بالرب يسوع المسيح فمن أنا . أقادر أن أمنع الله ؟!!)(أعمال الرسل – إصحاح 17:11) ولا شك أن تعليل موقفه بهذا الشعور - حلول روح القدس عليهم - أضعف من اعتماده على نص صريح كالذي ذكروه لو وجد .


أما النص الآخر الذي يستدلون به فهو ما ورد في سفر أعمال الرسل: الإصحاح:1: 8:"‎ لكنكم ستنالون قوة متى حل "الروح القدس" عليكم، وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة والى أقصى الأرض ". فالرد عليه أن الشهادة شيء، وعالمية الدعوة شيء آخر، والنص إنما دل على أن تلاميذ المسيح – عليه السلام – وأتباعه سيشهدون له في أقاصي الأرض وأطرافها، والمرء إنما يحتاج للشهادة لإزالة تهمة قيلت في حقه، وهذا ينطبق على السيد المسيح – عليه السلام - الذي قيل في حقه ما لا يجوز غلواً وجفاء، وهذا الغلو والجفاء بلغ العالمين شرقاً وغرباً، فلا غرو أن يحتاج للشهادة في حقه بالحق، ليبرأ مما ألصقه به محبوه ومبغضوه، وهذا ما قام به النبي - صلى الله عليه وسلم – وأتباعه، إذ شهدوا للمسيح بالرسالة والنبوة على خلاف ما تقوله اليهود الجفاة، ونفوا عنه الألوهية والربوبية على خلاف ما تقوله النصارى الغلاة، وفي ذلك أعظم الشهادة له في العالم أجمع .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 04:58 PM
"ألوهية المسيح".. عقيدة تحت المجهر






"المسيح ليس خالقاً، بل هو مخلوق لله، ونبي عظيم" تلك بعض آراء "أريوس" العالم النصراني المصري، والتي أخافت أسقف الإسكندرية "ألكسندر"، وزاد من مخاوفه أكثر سرعة انتشارها بين رجال الدين أنفسهم .
ولهذا دعا مجلساً من الأساقفة المصريين إلى الاجتماع في الإسكندرية، وأقنع أعضاءه بأن يحكموا بتجريد "أريوس" وأتباعه من رتبتهم الكنسية؛ وأبلغ باقي الأساقفة بالإجراءات التي اتخذها، فاعترض عليها بعضهم، وأظهر البعض الآخر عطفاً على "أريوس"، واختلفت الآراء في هذه القضية اختلافاً كبيراً.
ووصلت أصداء هذا الخلاف إلى الإمبراطور الروماني "قسطنطين" - الذي جعل من النصرانية ديناً رسمياً للدولة الرومانية -، فأرسل إلى "الإسكندر" وإلى "أريوس" رسالة ينصحهما فيها أن يتحليا بهدوء الفلاسفة في مناقشة قضاياهم، وألا يشركوا العامة في مجادلاتهم، وقلل الإمبراطور في رسالته من قيمة المسألة المثارة، ورأى أنها غير جديرة بالمناقشة، ولا يثيرها إلا من ليس لديهم عمل يشغلون به أنفسهم!!.
وبالطبع لم يكن لهذه الرسالة أثر ما في تخفيف حدة التوتر بين الطرفين، فمسألة ألوهية المسيح كانت في نظر الكنيسة مسألة حيوية من الوجهتين الدينية والسياسية، وكانت ترى أنه إذا لم يكن المسيح إلهاً، فإن كيان العقيدة المسيحية كلها يبدأ في التصدع، وإذا ما سمحت الكنيسة باختلاف الرأي في هذا الموضوع فإن فوضى العقائد قد تقضي على وحدة الكنيسة وسلطانها .
وعندما فشلت رسالة الإمبراطور في إطفاء جذوة الخلاف اضطر إلى أن يحسمه بالدعوة إلى أول مجلس عام للكنيسة . فعقد مجلساً من الأساقفة عام 325م في نيقية البيثينية ( شمال شرق تركيا حالياً )، وحضر الاجتماع ما لا يقل عن 318 يصحبهم كما يقول واحد منهم: "حشد كبير من رجال الدين الأقل منهم درجة"، وكان معظم من حضر من الولايات الرومانية الشرقية .
واجتمع المجلس في بهو أحد القصور الإمبراطوريّة تحت رياسة قسطنطين، وافتتح المناقشات بدعوة وجهها إلى الأساقفة يطلب إليهم فيها أن يعيدوا إلى الكنيسة وحدتها. وأكدَّ "أريوس" من جديد رأيه القائل بأن المسيح مخلوق، لا يرقى إلى منزلة الأب، ولكنه "مقدس" وخالفه أثناسيوس Athanasiua، رئيس الشمامسة، الذي رأى أنه إذا لم يكن المسيح والروح القدس كلاهما إلهين، فإن الشرك لابد أن ينتصر!!. ومع تسليم "أثناسيوس" بصعوبة تصور تشكل إله واحد من ثلاثة أشخاص إلا أنه قال: بأن العقل يجب أن يخضع لما فيه الثالوث من خفاء وغموض !!. ووافقه جمع من الأساقفة على قوله شكلوا الأغلبية التي أصدرت بموافقة الإمبراطور الروماني القرار الآتي: " نؤمن بإلهٍ واحد، آبٍ قادر على كل شيء، صانع كل الأشياء المرئيّة واللامرئيّة . وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله، مولود الآب الوحيد، أي: من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إلهٌ حق من إلهٍ حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي بواسطتهِ كل الأشياء وُجِدَت، تلك التي في السماء، وتلك التي في الأرض . الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزلَ وتجسَّد، تأنَّس، تألَّم وقام في اليوم الثالث ".
وحكم المجمع على "أريوس" وموافقيه وأتباعه باللعنة والحرمان، ونفاهم الإمبراطور من البلاد. وصدر مرسوم إمبراطوري يأمر بإحراق كتب "أريوس" جميعها، وجعل إخفاء أيّ كتاب منها جريمة يعاقب عليها بالإعدام .
وبذلك يكون هذا القرار قد رسخ فكرة ألوهية المسيح، واستبعد كل قول مخالف يعترف ببشرية المسيح، وأنه نبي من عند الله، !! لكن السؤال الذي نودُّ معالجته هنا، ماذا كان المسيح قبل مجمع نيقية ؟ وماذا يقول الإنجيل عنه ؟ وهل حقاً أن أدلة ألوهية المسيح مبثوثة في الإنجيل ؟
إن الإنجيل مليء بإظهار وإبراز الجوانب الإنسانية للمسيح - عليه السلام – فهو يظهر حياة المسيح حياة عادية يأكل ويشرب ويجوع وينام ويتعب كسائر الناس .
وحتى عندما بشر الملك أمه بولادته أخبرها أنها ستلد ابناً كما في إنجيل متى (1/31) ولم يقل لها إنك ستلدين إلهاً !! وكانت أمه تعامله كصبي، وليس كإله، فحين بلغ المسيح اليوم الثامن قامت أمه بختانه، كما يختن الصبيان ( متى: 2/21) .
وعندما بلغ الثلاثين عاماً وجاءته الرسالة الإلهية قام بتبليغها للناس، ولم يقل لهم: إني إلهكم وخالقكم، ولم يدعهم إلى عبادته والتقرب إليه، بل أوضح لهم أنه ابن إنسان، وليس إلهاً، بل حينما ناداه أحدهم بقوله: أيها المعلم الصالح، غضب - عليه السلام –وقال: " لماذا تدعوني صالحاً، ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله " ( متى 19/17 ).
وكان - عليه السلام - حريصاً على إبداء حقيقة نفسه، فصرّح بأنه إنسان يوحى إليه، كما في يوحنا: 8/40: ( وأنا إنسان قد كلّمكم بالحق الذي سمعه من الله )، وصرّح بأنه ابن إنسان في أكثر من ثمانين موضعاً. وأوضح - عليه السلام - أنه رسول الله، فقال: ( من قبلني فليس يقبلني أنا بل الذي أرسلني )(مرقس: 9/37)، وقال كما في يوحنا ( 5/36):( أن الأب قد أرسلني )، وعندما سأله أهل بلده أن يشفي مرضاهم، قال: ( الحق أقول لكم إنه ليس نبي مقبولاً في وطنه ) (لوقا: 4/24) إذا فهو - وفق قوله وشهادته – إنسان كرمه الله بالوحي والنبوة والرسالة .
ولم تكن حقيقة نبوته غائبة عن أهل عصره ممن آمن به وصدقه، فكان بعض المؤمنين به يراه نبياً جديداً (متى: 21/46 )، وكان البعض يراه "إيليا" ( أحد أنبياء بني إسرائيل )، وآخرون يرونه: يوحنا المعمدان – يحيى بن زكريا – الذي سبق مجيئه المسيح ( مرقص: 6/14-16) . أما غير المؤمنين به فكانوا يرونه مجرد إنسان ( يوحنا: 10/23)، إذا فعقيدة ألوهية المسيح لم تكن معروفة أبداً في زمن عيسى لا عند المؤمنين به، ولا عند غيرهم.
وكان عندما يُسأل عن أمرٍ لا سلطان له عليه يرده إلى الله، فقد جاءته إحدى النسوة بابنيها، طالبة منه أن يجلسهما عن يمينه وشماله في ملكوته، فردَّ الأمر إلى الله، قائلاً لها: ( وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أُعدَّ لهم من أبي )(متى: 20/23).
وحين ذكر الساعة أخبر أنه لا يعلم وقت وقوعها إلا الله، ففي إنجيل متى: 20/23 ( وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا ملائكة السموات إلا أبي وحده ) .
وأوضح - عليه السلام - عقيدة التوحيد صافية نقية - عندما سئل عن أول الوصايا فأجاب: ( أن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد )(مرقس: 12/29) .
وحين وسوس له الشيطان قائلاً له: اسجد لي: امتنع وعلل ذلك بقوله: ( لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد )(متى: 4/10)، وكان يخاطب تلاميذه وجميع الناس بالتوحيد قائلاً: ( أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ) (يوحنا: 20/17) إذا فهو يستوي وتلاميذه وسائر الناس بأن أباهم واحد، وإلههم واحد .
وأبطل عليه السلام الشرك بأوضح مثل فقال: ( لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر ) .
وأمر - عليه السلام - أتباعه بعبادة الله وحده ودعائه والالتجاء إليه، وقال أعظم المواعظ في ذلك ففي إنجيل ( متى: 7/7-11) "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم، لأن كلَّ من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يفتح له، أم أيُّ إنسان منكم إذا سأله ابنُه خبزاً يعطيه حجراً، وإن سأله سمكة يعطيه حية، فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه ".
وكان قدوتهم في ذلك، فقد كان شديد التعبد لله، فعندما شعر بتآمر اليهود عليه، قام الليل يصلي لله، ويدعوه أن يدفع عنه شرهم، ويبعد كيدهم، ففي إنجيل متى: ( 26/39) ( وخرَّ على وجهه، وكان يصلي قائلاً: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت ) وكان يكثر من حمد الله ( متى:11/ 25)، وشكره ( يوحنا: 6/11) ويتعبد له بأنواع العبادات، ولو كان المسيح إلهاً – كما تعتقد النصارى - فإلى من يتوجه بالعبادة والشكر والحمد ؟ هل يعبد نفسه، ويصلي لها ؟ وهل الإله بحاجة إلى أن يعبد نفسه ؟!
فإذا كانت مظاهر بشرية المسيح، وافتقاره وعبوديته لربه، بهذا الوضوح وهذا الجلاء، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو على ماذا استند النصارى في تأليه عيسى ؟ والجواب أنهم استندوا على بعض النصوص المتشابهة، وتركوا تلك النصوص الواضحة والجلية والتي أوردنا بعضها .
فمما استدلوا به إطلاق وصف "ابن الله" عليه، ففي إنجيل ( لوقا: 3/ 22): ( وكان صوت من السماء قائلاً: أنت ابني الحبيب بك سررت )، وهذا الوصف لا دليل فيه إطلاقاً على ألوهية المسيح، لأنه كان يطلق في "العهد القديم" و"العهد الجديد" على الأنبياء والصالحين، ومن أمثلة ذلك وصف المسيح لأهل الجنة بأنهم أبناء الله، كما في (لوقا: 20/36 ): حيث قال: ( لا يستطيعون أن يموتوا أيضاً لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله )، وأُطلق وصف "ابن الله" على آدم عليه السلام كما في لوقا (3/38)، وكذلك وصف به داود كما في المزامير (2/7) قال الله لداود: ( أنت اليوم ابني )، ولو كان إطلاق وصف "ابن الله" على مخلوق يرفعه لمرتبة الألوهية لكان كل من أطلق عليه هذا الوصف إلهاً، ولما اختص المسيح وحده بذلك .
ومما يجدر ذكره أن وصف "ابن الله" لم يطلقه المسيح على نفسه في أغلب نصوص الإنجيل، وإنما أطلقه عليه آخرون، حيث أطلقه عليه الشيطان ( متى: 4/3)، وأطلقه عليه اليهود على وجه الاستهزاء والتحدي (متى: 27/40)، وأطلقه عليه إنسان متلبس به جني ( مرقص: 5/7)، وأطلقته عليه المرأة السومرية (يوحنا: 11/27)، وأطلقه عليه تلميذه سمعان (متى:16/ 16 )، أما هو - عليه السلام - فأكثر ما كان يطلق على نفسه لقب "ابن الإنسان"، حيث أطلق المسيح على نفسه هذا اللقب أكثر من 80 مرة، كقوله في متى: إصحاح 8/20: ( للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له، أين يسند رأسه ؟ ) .
ومما استدلوا به على ألوهية المسيح قول المسيح - عليه السلام -: ( أنا والأب واحد ) يوحنا:(10/30)، وهو نص اقتطع من سياقه ففهم على غير وجهه، وبالرجوع إلى سياق النص يتضح معناه جلياً، وذلك أن اليهود أحاطوا بالمسيح – عليه السلام - قائلين له: ( إلى متى تعلق أنفسنا ؟ إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهراً ؟ أجابهم يسوع: إني قلت لكم، ولستم تؤمنون . الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي، ولكنكم لستم تؤمنون، لأنكم لستم من خرافي كما قلت لكم, خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحدٌ من يدي، أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي، أنا والأب واحد، فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه، أجابهم يسوع: أعمالا كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي بسبب أي عمل منها ترجمونني ؟ أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً !! أجابهم يسوع: أليس مكتوباً في ناموسكم، أنا قلت: ( إنكم آلهة ) إن قال: آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن ينقض المكتوب، فالذي قدسه الأب وأرسله إلى العالم أتقولون له إنك تجدف لأني قلت: إني ابن الله )( يوحنا: 10/24-36)، فالمسيح – عليه السلام - أراد أن يخبر اليهود أن له أتباعاً ( خرافي )، وهو يعرفهم، ويعطيهم – بإذن الله - حياة أبدية ( الخلود في الجنة )، وهؤلاء الأتباع قد كتب الله لهم الهداية والاستقامة، فلن يستطيع أحد أن يضلهم ( يخطفهم ) عن الله، لأن الله أعظم من الكل، وقدره نافذ على الجميع، ولن يستطيع أحد أن يضلهم ( يخطفهم ) عني، لأني والأب واحد، فالدين أدعو إليه هو دين الله، يجعل الإيمان بي جزءا أصيلا فيه، فمن يضل عني يضل عن الله، ومن يضل عن الله يضل عني، فأنا والأب واحد، وهو تعبير مجازي يراد به وحدة الموقف، أو وحدة الغاية والهدف، أو قوة العلاقة، وذلك كقول الرجل لخصمه: إن تعادي صديقي زيد فأنت تعاديني فأنا وزيد واحد، وهو معنى يستعمله الناس قديماً وحديثاً، لكن اليهود لم يفهموا لغة المجاز التي يتحدث بها المسيح، فقد اعتادوا على فهم النصوص بحرفية حادة، فنظروا إلى قول المسيح: ( أنا والأب واحد ) على أنه تجديف على الله أي كفر وإلحاد به، وكانوا يتصيدون له العبارات والمواقف، فبين لهم - عليه السلام - أن قوله هذا لا يحمل كفرا ولا جحودا لحق الله وعظيم مكانته، حيث استشهد لهم من ناموسهم ( كتابهم المقدس ) بأن فيه أن الله خاطب أنبياءه بقوله: ( إنكم آلهة )، وأراد – عليه السلام - باستشهاده هذا أن يقول لهم: إن ما أنكرتم علي من قولي: ( أنا والأب واحد )، أو من قولي في موضع آخر ( إني ابن الله ) لا يصح، لأن في كتابكم ما هو أعظم بالإنكار حيث أطلق على الأنبياء آلهة !! حينئذ سكت عنه اليهود، ولم ينبتوا ببنت شفه، ولو كان قصد المسيح ما فهمه النصارى اليوم من هذه اللفظة لكان في ذلك أعظم الحجة لليهود على قتله والتخلص منه فقد كانوا يتحينون ذلك وينتظرونه .
على أن المسيح – عليه السلام – قد بين في نفس النص الذي ذكرناه أوجه الفرق بينه وبين الله، - والذي يعبر عنه بالأب وهو في لغتهم يعنى الرب أو المربي -، وذلك في موضعين:
الموضع الأول: في قول المسيح ( أبي أعظم من الكل )، وإذا كان الله أعظم من الكل بمن فيهم المسيح نفسه، فكيف يصبح المسيح مساوياً ومماثلاً له .
الموضع الثاني: أن المسيح قال: " فالذي قدّسه الأب وأرسله إلى العالم " وهذا تأكيد أن الله هو الذي قدس المسيح أي: طهره وزكاه وأرسله إلى الله، فكيف يصبح بعد ذلك مساويا لله مماثلاً له ؟!!
واستدلوا على إلوهية المسيح بأنه ولد من غير أب، وهذا الاستدلال مردود لأنه لو صح أن يكون عيسى إلهاً لكونه ولد من غير أب، فإن آدم عليه السلام أولى بذلك منه لأنه خلق من غير أب ولا أم، وأولى منه كذلك "كاهن ساليم" الذي وجد بلا أب ولا أم، ولا نسب، وليس لوجوده بداية ولا نهاية، كما هو مذكور في "الرسالة إلى العبرانيين" ( 7/3 ) . فلم اتخذ النصارى عيسى إلهاً ؟ ولم يتخذوا آدم، ولا كاهن ساليم.
واستدلوا كذلك بمعجزات - المسيح عليه السلام - كإحياء الموتى وشفاء الأمراض المستعصية كالبرص والعمى على أنها أدلة على ألوهيته وتصرفه في الكون، وهذا سوء فهم لا شك فيه، أوضحه وبينه المسيح نفسه، حيث بيّن - عليه السلام - أنه لا يفعل هذه المعجزت بنفسه، وإنما بإعانة من الله، فقال: ( أنا بروح الله أخرج الشياطين )( متى:12/28)، وروح الله هو الملك الذي يعينه – عليه السلام - وهذا أمر يعرفه تلاميذه جيداً، فهذا بطرس يخاطب اليهود بقوله: ( أيها الرجال الإسرائيليون: اسمعوا هذه الأقوال يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضاً تعلمون ) فصرّح بطرس أن المسيح إنما صنع تلك العجائب والمعجزات بتأييد الله سبحانه وإعانته لا بنفسه وذاته .
وبهذا يتضح كم كان المسيح عيسى ابن مريم - عليه السلام - حريصاً كسائر الأنبياء على تجريد التوحيد لله رب العالمين، ونفي أي التباس بين مقام الإلوهية ومقام الرسالة، وكل هذا منشور في الإنجيل لا تكاد تخلو منه فقرة، وهو ما كانت عليه الأجيال الأولى من أتباع المسيح - عليه السلام - تقول دائرة المعارف الأمريكية: " لقد بدأت عقيدة التوحيد كحركة لاهوتية بداية مبكرة جداً في التاريخ، أو في حقيقة الأمر فإنها تسبق عقيدة التثليث بالكثير من عشرات السنين "، وتقول "دائرة معارف لاوس الفرنسية" : "عقيدة التثليث .. لم تكن موجودة في كتب العهد الجديد، ولا في عمل الآباء الرسوليين، ولا عند تلاميذهم المقربين .. إن عقيدة إنسانية عيسى كانت غالبة طيلة مدة تكون الكنيسة الأولى من اليهود المتنصرين، فإن الناصريين سكان مدينة الناصرة، وجميع الفرق النصرانية التي تكونت عن اليهودية اعتقدت بأن عيسى إنسان بحت مؤيد بالروح القدس،.. وحدث بعد ذلك أنه كلما نما عدد من تنصر من الوثنيين ظهرت عقائد لم تكن موجودة من قبل". وكُشِفَ مؤخراً عن وثيقة مسيحية قديمة نشرت في جريدة "التايمز" في 15 يوليو 1966م تقول: "إن مؤرخي الكنيسة يسلمون أن أكثر أتباع المسيح في السنوات التالية لوفاته اعتبروه مجرد نبي آخر لبني إسرائيل.

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 04:59 PM
" الروح القدس" هل هو إله حقاً ؟





في سنة 381م دعا الإمبراطور الروماني "ثيودوسيوس الأول" علماء النصرانية إلى عقد مؤتمر عام في القسطنطينية لمناقشة حقيقة "الروح القدس"، وذلك إثر تصريح أسقف القسطنطينية "مكدونيوس" بأن "الروح القدس" مخلوق مثل الملائكة، وهو ما أثار جدلا واسعاً بين علماء النصرانية، فخشي الإمبراطور من تطور الخلاف وتهديده لوحدة الكنيسة الخاضعة لسلطانه، فدعا إلى عقد ذلك المؤتمر، والذي عرف تاريخيا باسم: ( مجمع القسطنطينية الأول ) وكان من أبرز ما خرج به المؤتمر تتويج "الروح القدس" إلهاً، حيث جاء في نص قرار المجمع:( ونؤمن بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق مـن الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق في الأنبـياء ) وبهذا القرار اكتملت أقانيم الإله عند النصارى، وأصدر الامبراطور ثودوسيوس الكبير مرسوماً أعلن فيه: (( حسب تعليم الرسل وحق الإنجيل، يجب علينا أن نؤمن بلاهوت الأب والابن والروح القدس، المتساوي في السلطان، وكل من يخالف ذلك يجب عليه أن ينتظر منا العقوبات الصارمة التي تقتضي سلطتنا بإرشاد الحكمة السماوية أن نوقعها به ، علاوة على دينونة الله العادل )) .


هذا ما قرره مجمع القسطنطينية في اجتماعه ذاك، فما هو الروح القدس ؟ وما هي حقيقته ؟ وكيف أصبح إلهاً ؟ وما الدلائل التي اعتمد عليها النصارى في تأليهه ؟ ولم خلا قانون الإيمان النيقاوي – نسبة إلى مجمع نيقية الذي أُلِّه فيه السيد المسيح - من القول بألوهيته ؟ هذه الأسئلة وغيرها هي ما نحاول الإجابة عنه .


معنى الروح القدس في الكتاب المقدس
ورد لفظ "الروح القدس" في "الكتاب المقدس" في نصوص كثيرة ومتعددة إلا أنه ليس فيها ما يدل على معناه والمراد منه صراحة، وإنما يفهم معناه من خلال سياق النص الوارد فيه، فمن النصوص ما يدل السياق فيها على أن معنى " الروح القدس " ملك من الملائكة كما في إنجيل لوقا إصحاح 12 فقرة 10:( وكل من قال: كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من جدّف على الروح القدس فلا يغفر له ) فالمراد بروح القدس هنا هو أحد الملائكة، ويدل على ذلك أن اليهود اتهموا المسيح - عليه السلام – بأنه يصنع المعجزات بمعونة رئيس الشياطين " بعلزبول"، كما في إنجيل لوقا ( إصحاح 3: 22- ) : ( وأما الكتبة الذين نزلوا من أورشليم فقالوا: إن معه "بعلزبول" وأنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين ) فبين لهم - عليه السلام - بطلان قولهم، وأن الشيطان لا يمكن أن يعين من يعاديه، ثم حذرهم بقوله: ( الحق أقول لكم: إن جميع الخطايا تغفر لبني البشر، والتجاديف التي يجدفونها، و لكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد، بل هو مستوجب دينونة أبدية، لأنهم قالوا إن معه روحا نجساً ) ومن هنا يتضح أن المراد ب"الروح القدس" في النص أحد الملائكة .


ومنها نصوص تدل على أن المراد من "الروح القدس" هو القوة الإيمانية التي تساعد العبد على الثبات على الدين، والصبر في مواقف البلاء، وهو بهذا المعنى لا يختص بالأنبياء بل يشمل كل صالح، كما في لوقا (إصحاح 2 فقرة 25): ( وكان رجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان باراً تقياً، ينتظر تعزية إسرائيل، والروح القدس كان عليه ) وكما في لوقا أيضا (إصحاح 11 فقرة 13) (الأب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه )، وفي إنجيل لوقا ( إصحاح 4 فقرة 1):( أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئاً من الروح القدس ) . ومما يدل على ذلك أيضاً قول المسيح – عليه السلام - كما في الإصحاح الأول من أعمال الرسل:" تنالون قوة متى حلَّ الروح القدس عليكم ".


ويأتي "الروح القدس" بمعنى وحي الله لأنبيائه، وإلهامه لأوليائه، كما في لوقا إصحاح 1 فقرة 67 ( وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس وتنبأ قائلاً ) وهذا وحي الأنبياء، وأما إلهام الأولياء عن طريق الروح القدس فكما في إنجيل لوقا: (إصحاح 12 فقرة 12):" لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه " وتعليم "روح القدس" إياهم عن طريق إلهامهم ما يقولونه للناس .


ويأتي "الروح القدس" بمعنى الرسول الآتي بعد المسيح، كما في إنجيل يوحنا: ( إصحاح 14 فقرة 26): " وأما المعزي "الروح القدس" الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم " وكما في يوحنا إصحاح (16 فقرة 13): " وأما متى جاء ذاك "روح الحق" فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه؛ لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية" .


وهذه النصوص جميعها لا يمكن حملها على أن "الروح القدس" إله، بل هي نصوص صريحة تتحدث عن نبي بشري، يأتي بعد ذهاب السيد المسيح - عليه السلام -، يعلّم أتباعه، ولا يتكلم من قبل نفسه، بل بما يوحيه الله إليه، ويتنبأ بما يحدث في المستقبل، وهذا أوصاف لنبي بشري لا أوصاف إله كما تقول النصارى عن الروح القدس، فالإله الحق يتكلم من قبل نفسه، وليس مرسلاً من قبل المسيح، ولا يأتي بعده، بل هو موجود منذ الأزل !!


ويأتي "الروح القدس" أيضاً بمعنى القوة التي يمنحها الله لعباده، والتي يحصل لهم بسببها أمر خارق للعادة، كما حصل لتلاميذ المسيح، الذين نطقوا بألسنة مختلفة عندما امتلؤوا من الروح القدس، كما في سفر أعمال الرسل:( إصحاح 2 فقرة 4): " وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا " والتعبير ب"الامتلاء" هو تعبير عن الشعور الوجداني الداخلي بهذه القوة .


هذه بعض معاني "الروح القدس" في الكتاب المقدس، وليس فيها ولا في غيرها من النصوص ما يصرح بألوهية "الروح القدس"، وهو أمر لا ينكره النصارى، إذن فمن أين جاؤوا بدلائل ألوهيته ؟
وقبل الجواب: لابد من التذكير بأن النصارى الأوائل، وحتى مجمع القسطنطينية، لم تكن قضية الإيمان ب"الروح القدس" كإله واضحة لديهم، بل إننا لو قلنا: إن هذه القضية لم تكن موجودة عندهم لم نبعد عن الصواب، بدليل خلو نص الإيمان النيقاوي منها، حيث جاء في نص قرار المجمع: " نؤمن بإلهٍ واحد، آبٍ قادر على كل شيء، صانع كل الأشياء المرئيّة واللامرئيّة . وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله، مولود الآب الوحيد، أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إلهٌ حق من إلهٍ حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي بواسطتهِ كل الأشياء وُجِدَت، تلك التي في السماء، وتلك التي في الأرض .. وبالروح القدس " هكذا دون إطلاق وصف الألوهية عليه، وهو ما قرره كثير من الباحثين في علم اللاهوت المسيحي، ومنهم المؤرخ آرثر ويغول حيث يقول: " لم يذكر يسوع المسيح مثل هذه الظاهرة ( الثالوث ) ولا تظهر في أي مكان في العهد الجديد كلمة ثالوث، غير أن الكنيسة تبنت الفكرة بعد ثلاثمائة سنة من موت ربنا "يسوع " . وجاء في "القاموس الأممي الجديد للاهوت العهد الجديد": "لم تكن لدى المسيحية الأولى عقيدة واضحة للثالوث كالتي تطورت في ما بعد في الدساتير" ، وجاء في "دائرة معارف الدين والأخلاق": " في بادئ الأمر لم يكن الإيمان المسيحي ثالوثياً، ولم يكن كذلك في العصر الرسولي، وبعده مباشرة, كما يظهر في العهد الجديد، والكتابات المسيحية الباكرة الأخرى" .


لماذا قال النصارى بألوهية الروح القدس
أما من أين جاء القول بألوهية الروح القدس ؟ فمن بعض النصوص التي حاول البعض أن يدلل بها – ولو على إكراه – على صحة عقيدته، ومن ذلك اعتمادهم على ما نسب إلى "الروح القدس" من أعمال معجزة كما جاء في قاموس كتابهم المقدس:" ويعلمنا الكتاب المقدس بكل وضوح عن ذاتية الروح القدس، وعن ألوهيته، فنسب إليه أسماء الله كالحي، ونسب إليه الصفات الإلهية كالعلم، ونسب إليه الأعمال الإلهية كالخلق، ونسب إليه العبادة الواجبة لله، وحبلت السيدة العذراء بالمسيح عن طريق الروح القدس، ولما كتب الأنبياء والرسل أسفار الكتاب المقدس، كانوا مسوقين من الروح القدس، الذي أرشدهم فيما كتبوا، وعضدهم وحفظهم من الخطأ، وفتح بصائرهم في بعـض الحـالات ليكتبوا عـن أمور مستقبلة ".
كما أنهم استدلوا ببعض النصوص المنسوبة إلى المسيح وإلى بولس، كقول المسيح: " اذهبوا وعمدوا الأمم باسم الآب والابن والروح القدس " وقوله الآخر كما في يوحنا: (إصحاح 5 فقرة 7) " فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد " وقول بولس كما في رسالته إلى أهل كورنثوس (13/14):" نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم آمين ".


الرد على أدلة النصارى في تأليه الروح القدس
وللرد على هذه الاستدلالات نقول: أما قول المسيح عليه السلام: ( اذهبوا وعمدوا الأمم باسم الآب والابن والروح القدس ) إذا صح عنه، فلا دليل فيه على تأليه "الروح القدس"، وذلك أن كون المسيح أوصى تلاميذه أن يعمِّدوا الناس باسم ( الأب، الابن، الروح القدس)، والتعميد - كما هو معروف - غسل الطفل والداخل في النصرانية بالماء مع بعض الطقوس، فلا يدل ذلك على تأليههم، إذ لم يقل المسيح - عليه السلام - عمدوهم باسم هؤلاء الآلهة، ولم يقل: عمدوهم باسم الأب الإله، والابن الإله، والروح القدس الإله، فمن أين يفهم أن ذكر اسم "الروح القدس" عند التعميد دليل على أنه إله !! هذا مع العلم أن كثيراً من الناس يبدؤون الأمور المهمة في حياتهم بأسماء معينة، كمن يبدأ بذكر اسم الشعب مثلاً، فهل يمكن أن يقال: إنه يعتقد ألوهية الشعب !! علماً أن جملة ( اذهبوا وعمدوا الأمم باسم الآب والابن والروح القدس ) يمكن حملها على معنى صحيح يتفق مع دلائل توحيد الله وتفرده في الكتاب المقدس، وهو أن يكون المراد: اذهبوا وطهروا الأمم: بالإيمان بالله، ورسله، وملائكته، فيحمل لفظ "الابن" على الإشارة إلى الإيمان بالأنبياء، ولفظ "الروح القدس" على الإشارة إلى الإيمان بالملائكة، وهو معنى له شواهد كثيرة، فالروح القدس أطلق على الملائكة كما مر معنا، و"ابن الله" قد أطلق في الإنجيل على كل صالح، كقول المسيح - عليه السلام - في إنجيل متى: (5/9) ( طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون ).


أما القول الآخر المنقول عن المسيح - عليه السلام - وهو: ( فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب، والكلمة، والروح القدس، و هؤلاء الثلاثة: هم واحد ) فلا دليل فيه أيضاً على تأليه الكلمة ( المسيح ) ولا الروح القدس، إذ كون هؤلاء يشهدون في السماء لا يدل على أنهم آلهة !! فالرسل تشهد يوم القيامة، وكذلك الملائكة، والمعنى القريب الواضح لهذه الفقرة هو أن الله والمسيح وروح القدس، يشهدون يوم القيامة، فيشهد الرسل على كفر الكافرين، وإيمان المؤمنين، وتؤكد الملائكة شهادتهم . واتفاق شهادة الله وملائكته ورسله هو المشار إليه بقوله:( وهؤلاء الثلاثة هم واحد )، أي: في شهادتهم، فليس في النص أي إشارة إلى أن كلاً من المسيح والروح القدس إله.!!


على أن من علماء النصارى من اعترف بأن عبارة ( فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد ) عبارة ملحقة بالإنجيل، وليست عبارة أصلية، يقول رحمة الله الهندي في "إظهار الحق": " وقد كان أصل العبارة على ما قال محققوهم هكذا: ( فإن الذين يشهدون هم ثلاثة: الروح والماء والدم، والثلاثة هم في الواحد )، وهذا نص طبعة سنة 1865م للإنجيل. أي بدون الزيادة التي بين القوسين المعقوفتين [ فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم: واحد ]، أما نص طبعة سنة 1825م و1826م فهكذا: ( لأن الشهود الذين يشهدون ثلاثة وهم: الروح والماء والدم، وهؤلاء الثلاثة تتحد في واحد ). والنصان متقاربان ، فزاد معتقدوا التثليث في المتن فيما بين أصل العبارة، العبارة التالية: ( في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد، والذين يشهدون في الأرض ) فهذه العبارة إلحاقية يقيناً، أي من التحريف بالزيادة . وممن قال بذلك من علماءهم: كريسباخ، وشولز، وهورن، وآدم كلارك، وجامعو تفسير هنري وإسكات . بل إن العالم "أكستاين" الذي هو أعلم علماء النصارى في القرن الرابع الميلادي وعمدة أهل التثليث، كتب عشر رسائل في شرح رسالة يوحنا الأولى، ولم ينقل هذه العبارة في رسالة من رسائله العشر، ولم يستدل بها على منكري التثليث، وراح يرتكب التكلف البعيد، فكتب في الحاشية أن المراد بالماء: الآب، وبالدم: الابن، وبالروح: الروح القدس، ولو كانت هذه العبارة الإلحاقية موجودة في عهده، لتمسك بها ولنقلها في رسائله للاستدلال بها ضد المنكرين للتثليث، ولكن يظهر أن معتقدي التثليث بعد "أكستاين" اخترعوا هذه العبارة التي هي مفيدة لعقيدتهم الباطلة، وأدخلوها في رسالة يوحنا الأولى، وجعلوها جزءا من المتن ".


أما قول بولس: ( نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم آمين ) فلا دلالة فيه على ألوهية "الروح القدس"، لأن بولس إنما كان يدعو الله أن يكون يسوع ومحبة الله والروح القدس مع المؤمنين تعينهم وتؤيدهم . وليس في ذلك أي دلالة على ألوهية الروح القدس !! ويلزم من استدل بهذا النص على ألوهية "الروح القدس" أن يقول بألوهية محبة الله وهو ما لا تعتقده النصارى ولا تجوّزه، على أننا نقول: إن بولس - ولو سلمنا أنه من أتباع المسيح على الحقيقة - فإن أقواله لا حجة فيها، ولا يجوز الاستدلال بها، ولا سيما مع معارضتها للنصوص الصريحة من كلام السيد المسيح - عليه السلام - .


أما إطلاق "روح الحق" على "الروح القدس"، فلا يدل على ألوهيته، لأن روح الحق يطلق ويراد به الملك، فالملائكة أرواح، وهي مخلوقة لله، فيصح إضافتها لربها من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، كما يقال: ناقة الله، وأمة الله، وبيت الله، وتفسير النصارى "روح الله" بحياته باطل ومردود، وذلك أن "روح الشيء" غير حياته، فالحياة في البشر تحصل باجتماع الروح بالجسد، فإذا فارقت الروح الجسد فارقته الحياة، لكن تبقى الروح روحاً، والجسد جسداً، وعليه فلا تطابق في المعنى بين الروح والحياة، إضافة إلى أن حياة الله صفة ذاتية لا تنفك عنه في حين يعتقد النصارى أن الروح القدس ( حياة الله ) شخصية مستقلة عن الله، فكيف تنفك الصفة عن الموصوف، وكيف تألهت هذه الصفة مستقلة عن المتصف بها، على أنهم يلزمهم من تأليه الروح القدس – حياة الله – أن يؤلهوا جعلوا جميع صفاته سبحانه، كقدرة الله، وعلم الله، وإرادته وبهذا لن يكون لدى النصارى ثلاثة أقانيم مؤلهه بل سيكون هناك العشرات !!


وأما القول: بأن الرسل ( التلاميذ ) كتبوا ما كتبوا بواسطة الروح القدس، فلا دليل فيه أيضاً على ألوهية الروح القدس، لأن ذلك قد يكون من قبيل الإلهام والتسديد والتصويب وهو ما يقوم به الملائكة إعانة لبني آدم ، ولا يمكن الاستدلال به على ألوهية فهم موكلون من الله بذلك .


وبهذا تظهر حقيقة ما وقع فيه النصارى حيث اعتقدوا أولاً ألوهية "الروح القدس" وفق مقررات مجمع القسطنطينية، ثم راحوا يستدلون لهذا الاعتقاد ببعض النصوص والشبهات، فكانوا كالغريق يتمسك بكل قشة يرى فيها نجاته، وهي لا تغني عنه شيئاً .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:00 PM
هل اتفق النصارى على عدم تحريف كتابهم









بينما يؤكد غالبية النصارى اليوم سلامة كتابهم " العهد القديم" من تهمة التحريف والتزوير، ويعتبرونه كتاب الله الخالد الذي كتبه أنبياؤهم بإلهام من الروح القدس، يخالف الكثير منهم هذا الاعتقاد ويعلن بكل صراحة أن "الكتاب المقدس" محرف بالزيادة والنقص والتغيير ، وأن قسما كبيراً منه قد فقد وضاع .


وهناك العديد من النقولات التي تؤكد هذه القضية منها ما جاء في مدخل التوراة الكاثوليكية: " ما من عالم كاثوليكي في عصرنا يعتقد أن موسى ذاته كتب كل التوراة منذ قصة الخليقة، أو أنه أشرف على وضع النص الذي كتبه عديدون بعده، بل يجب القول بأن هناك ازدياداً تدريجياً سببته مناسبات العصور التالية الاجتماعية والدينية " ، ومثل هذا الاعتراف موجود أيضاً في المدخل الفرنسي للكتاب المقدس.


وجاء في موضع آخر: " صدرت جميع هذه الكتب عن أناس مقتنعين بأن الله دعاهم لتكوين شعب يحتل مكاناً في التاريخ.. ظل عدد كبير منهم مجهولاً .. معظم عملهم مستوفى من تقاليد الجماعة، وقبل أن تتخذ كتبهم صيغتها النهائية انتشرت زمناً طويلاً بين الشعب، وهي تحمل آثار ردود فعل القراء في شكل تنقيحات وتعليقات، وحتى في شكل إعادة صيغة بعض النصوص إلى حد هام أو قليل الأهمية، لا بل أحدث الأسفار ما هي إلا تفسير وتحديث لكتب قديمة ".


وتقول دائرة معارف "القرن التاسع عشر": " العلم العصري، ولاسيما النقد الألماني قد أثبت بعد أبحاث مستفيضة في الآثار القديمة، والتاريخ وعلم اللغات أن التوراة لم يكتبها موسى عليه السلام، وإنما هي من عمل أحبار لم يذكروا أسماءهم عليها، وألفوها على التعاقب معتمدين في تأليفها على روايات سماعية سمعوها قبل أسر بابل ".


ويقول "موريس فورن": " .. الملخص أن المذاهب العلمية الجديدة ترفض أغلب أقوال علماء النقل التي هي أساس اعتقاد النصارى واليهود، وتقوض بنيان ادعاء السابقين، وتبرئ الأنبياء من تلك الكتابات " .
ويواصل فيقول: " ما الحيلة ونحن من مائة سنة حيارى بين أسانيد يمحو بعضها بعضاً، فالحديث يناقض سابقه، والسابق ينافي الأسبق، وقد تتناقض أجزاء الدليل الواحد.. ويئسنا من الوصول إلى معرفة صاحب الكتاب الحقيقي ".


ويقول "كيرت": " الكتاب المقدس المتداول حالياً لا يحتوي على التوراة والإنجيل المنـزلين من الله، ولقد اعترف علماء باحثون باللمسات البشرية في إعداد هذا الكتاب المقدس ".


ويقول القس "نورتن": "التوراة جعلية يقيناً، ليست من تصنيف موسى".




أدلة من قال بتحريف الكتاب المقدس
استند ناقدوا الكتاب المقدس في قولهم بالتحريف، على أسس وأدلة يمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: نقده من الناحية التاريخية .
القسم الثاني: نقده من ناحية المحتوى والمضمون .

أما نقده من الناحية التاريخية فأرجعوه إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن جميع نسخ ومخطوطات "الكتاب المقدس" التي بين أيدينا لا يعرف كاتبها، جاء في دائرة المعارف الأمريكية: " لم يصلنا أي نسخة بخط المؤلف الأصلي لكتب العهد القديم ". ويقول "موريس فورن": " لو سألنا في أي وقت جمع كل كتاب من كتب التوراة، وفي أي حال، وظروف ؟ وبأقلام من كتب ؟ لا نجد أحداً يجيبنا عن تلك الأسئلة وما شابهها إلا بأجوبة متباينة متخالفة جداً .. "


الأمر الثاني: أن مخطوطات الكتاب المقدس قد تدخل فيها النساخ بالزيادة والنقص والتغيير . تقول جماعة " شهود يَهْوَه ": " في أثناء نسخ المخطوطات الأصلية باليد تدخّل عنصر الضعف الإنساني، ولذلك فلا توجد من بين آلاف النسخ الموجودة اليوم باللغة الأصلية نسختان متطابقتان ".


ويقول "فريدريك جرانت" في كتابه " الأناجيل أصلها، ونموها ": " إن نصوص جميع هذه المخطوطات تختلف اختلافاً كبيراً، ولا يمكننا الاعتقاد بأن أياً منها نجا من الخطأ ... إن أغلب النسخ الموجودة من جميع الأحجام قد تعرضت لتغييرات أخرى على أيدي المصححين ".

وجاء في "دائرة المعارف الأمريكية" : " لم يصلنا أي نسخة بخط المؤلف الأصلي لكتب العهد القديم، أما النصوص التي بين أيدينا، فقد نقلتها إلينا أجيال عديدة من الكتبة والنساخ، ولدينا شواهد وفيرة تبين أن الكتبة قد غيروا - بقصد أو دون قصد منهم - في الوثائق والأسفار، التي كان عملهم الرئيسي هو كتابتها ونقلها ".


وقد قام مجموعة من العلماء وكبار القسس في ألمانيا في القرن التاسع عشر بجمع كل المخطوطات اليونانية في العالم كله، وقارنوا بينها سطراً سطراً، فوجدوا فيها مائتي ألف اختلاف، كما أعلن مدير المعهد المختص بذلك في جامعة "ميونيخ" الأستاذ "بريستل".


ومن أمثلة التي ذكروها لبيان تصرف النساخ:
أ - ما جاء في سفر صموئيل الأول (9/8-12) : " هلم نذهب إلى الرائي - لأن النبي اليوم كان يدعى سابقاً: الرائي - " . فقالوا: إن توضيح معنى "الرائي" ليس من كاتب السفر صموئيل، بل هو من توضيح الناسخ الذي أدرك الغموض الذي سيواجهه قارئ السفر بعد أن اندثر استخدام كلمة (الرائي) منذ زمن بعيد.


ب – ما جاء في سفر القضاة (3/8): " كوشان رشعتايم ملك أرام النهرين"، قال الناقدون: إن الملك كوشان لم يكن ملكاً على "أرام النهرين" الواقعة في العراق، بل كان ملكاً على مملكة "أدوم" الواقعة في الأردن جنوب البحر الميت، قالوا: وقد تنبه محققوا الرهبانية اليسوعية للخطأ، فصححوه "كوشان رشعتايم ملك أدوم"، وكتبوا في الحاشية: "في النص العبري "ملك أرام النهرين" والراجح أنه قد وقع التباس بين أرام وأدوم ".


الأمر الثالث: أن هناك فجوة زمنية كبيرة جداً بين أقدم مخطوط وُجِد للكتاب المقدس وبين الكتّاب الأصليين المفترضين، إذ أن أقدم المخطوطات الكتابية تعود كتابته إلى القرن الثاني بعد ميلاد المسيح عليه السلام، في حين أن الفترة الزمنية الفاصلة بين موسى وعيسى هي خمسة عشر قرنا، وعليه فالفترة الزمنية بين أقدم مخطوط وبين موسى هي سبعة عشر قرناً .!! وهي فترة زمنية كبيرة جدا تتغير فيها أمم وأجيال فضلا عن كتب وأسفار !!.


هذا هو ملخص ما علّق به المنتقدون على تاريخية الكتاب المقدس وأزمة السند، أما ما يتعلق بالمحتوى، فقد وجه المنتقدون انتقادات عدة في هذا الصدد، من أهمها:


1- تناقض نصوصه: حيث ذكروا أن نصوص العهد القديم يناقض بعضها بعضاً، وما كان من عند الله لا يمكن أن يتناقض؛ ومن الأمثلة على ذلك:


أ‌- ما جاء في سفر الملوك الثاني ( 8/26 ) من أن "أخزيا" كان: " ابن اثنتين وعشرين سنة حين ملك، وملك سنة واحدة " في حين جاء في سفر الأيام الثاني ( 22/2 ): أنه كان : " ابن اثنتين وأربعين سنة حين ملك، وملك سنة واحدة " .
ب‌- ما جاء في سفر الملوك الثاني ( 24/8) من أن "يهوياكين" كان: " ابن ثماني عشرة سنة حين ملك، وملك ثلاثة أشهر في أورشليم " . في حين جاء في سفر الأيام أنه كان: " ابن ثمان سنين حين ملك، وملك ثلاثة أشهر وعشرة أيام في أورشليم" .
ت‌- ما جاء في سفر الملوك الأول (9/28) أن وزن الهدايا التي أرسلها الملك حيرام لسليمان كانت "420" وزنة ذهب، في حين جاء في سفر أخبار الأيام الثاني (8/ 18 ) أنها كانت: "450" وزنة ذهب.


فقالوا: إن مثل هذه الأخطاء كان يمكن قبولها، لو أن اليهود والنصارى اعترفوا ببشرية كتابهم، وأنه كتب من قبل أناس اجتهدوا في هذا الشأن فأخطئوا، لكن أن يقولوا: إنه كتب من قبل أنبياء الله بإلهام من الروح القدس، وأنه معصوم من الخطأ فهذا ما لا يمكن قبوله والتسليم به .


2- نسبة النقص لله عز وجل، حيث ورد في كثير من نصوصه القدح والطعن في الله تبارك وتعالى، ووصفه بصفات لا تليق به، ومن أمثلة ذلك:


أ‌- مصارعة الرب لنبيه يعقوب: جاء في سفر ( التكوين 32/22- 30 )" فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب فخذه .. وقال: أطلقني لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني، فقال له: ما اسمك ؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يُدْعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت.. وباركه هناك، فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل. قائلاً: لأني نظرت الله وجها لوجه ونجّيت نفسي ".
ب‌- نسبة التعب إلى الله سبحانه، جاء في سفر التكوين 2/1:" وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح ".


3- ذم الأنبياء وانتقاصهم، ومن أمثلة ذلك:
أ- اتهام هارون - عليه السلام - بأنه هو من صنع العجل لبني إسرائيل ليعبدوه، جاء في "سفر الخروج" (32/2-4): " قال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم، وأتوني بها. فنـزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم، وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم، وصوّره بالإزميل، وصنعه عجلا مسبوكاً، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر".


ب - اتهام موسى وهارون بعدم الإيمان، جاء في سفر العدد (20/12) : " فقال الرب لموسى وهارون: من أجل أنكما لم تؤمنا بي، حتى تقدساني أمام أعين بني إسرائيل، لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها ".


ج- اتهام سليمان بالكفر والردة، جاء في سفر الملوك الأول (11/3-11): " فأمالت نساؤه قلبه .. ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه .
فذهب سليمان وراء عشتورث إلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين، وعمل سليمان الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه " .


وهنا يتساءل المنتقدون إذا كان هذا حال أنبياء الله – وحاشاهم - فكيف يكونون محلاً للقدوة ؟ ولملحد أن يطعن في الرسالات كلها بالقول إذا جاز على الأنبياء الكفر والردة والزنا أفلا يجوز الكذب عليهم، وبذلك يبطل جميع الرسالات !!


4- شهادة التوراة نفسها بالتحريف:
ساق القائلون بتحريف الكتاب المقدس نقولاً من الكتاب المقدس نفسه تدل على إمكانية التحريف، ففي سفر (الرؤيا 22/18-19): " لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب، إن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب، وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوّة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة " قالوا: فهذه الفقرة تحذر من تحريف الكتاب، وتتوعد فاعله، مما يدل على إمكانية وقوع التحريف، إذ لو كان التحريف مستحيلاً لما كانت هناك أي فائدة من التوعد بالعقوبة .


إضافة إلى أن هناك أنبياء قد تنبؤوا بضياع الكتاب المقدس وفقده، ففي سفر عاموس ( 8/11- 12): " هو ذا أيام تأتي، يقول السيد الرب: أرسل جوعاً في الأرض، لا جوعاً للخبز، ولا عطشاً للماء، بل لاستماع كلمات الرب، فيجولون من بحر إلى بحر، ومن الشمال إلى المشرق، يتطوّحون ليطلبوا كلمة الرب، فلا يجدونها ".


هذا عدا عن الشواهد المتعددة من الكتاب المقدس نفسه التي تدل على وقوع الحذف من أسفاره، فهناك إحالات كثيرة على مصادر لا وجود لها ضمن أسفار الكتاب المقدس الذي بين أيديهم، من ذلك:
ضياع سفر "حروب الرب" المذكور في سفر العدد، حيث يقول: " لذلك يقال في كتاب حروب الرب واهب في سوفة وأودية أرنون" ( العدد 21/14 )، ولا يوجد ما يسمى " سفر حروب الرب" بين أسفار الكتاب المقدس .


كذلك ضياع "سفر ياشر" فقد قال يشوع: " أليس هذا مكتوباً في سفر ياشر: فوقفت الشمس في كبد السماء، ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل" ( يشوع:10/13)، وسفر ياشر ليس موجودا بين أسفار الكتاب المقدس الحالي .
ومثله ضياع سفر أخبار صموئيل الرائي، وسفر أخبار ناثان النبي، وأخبار جاد الرائي الذين ذُكِروا في سفر الأيام، حيث يقول كاتب سفر الأيام: "وأمور داود الملك الأولى والأخيرة هي مكتوبة في أخبار صموئيل الرائي وأخبار ناثان النبي وأخبار جاد الرائي" ( الأيام (1) 29/29).


وهو ما أورث الباحثين قلقاً عظيماً جراء هذا الحذف والنقص في أسفار الكتاب المقدس، يقول طامس أنكلس الكاثوليكي: " اتفق العالم على أن الكتب المفقودة من الكتب المقدسة ليست بأقل من عشرين ".


5- شهادة الأناجيل بالتحريف : فهناك عدد من الإحالات التي أحالها السيد المسيح - عليه السلام – إلى ( العهد القديم ) ولا توجد فيه، ففي سفر "متى": " ثم أتى وسكن في بلد تسمى ناصرة، ليكمل قول الأنبياء: أنه سيدعى ناصرياً " (متى 2/23).


ولا يوجد ذلك في شيء من كتب العهد القديم. قال "ممفرد الكاثوليكي" في كتابه " سؤالات السؤال" :" الكتب التي كان فيها هذا انمحت، لأن كتب الأنبياء الموجودة الآن لا يوجد في واحد منها أن عيسى يدعى ناصرياً ".

ومن ذلك أيضاً أن المسيح قال: " أو ما قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنسون السبت وهم أبرياء" (متى 12/5)، ولا يوجد مثل هذا الكلام في التوراة، مما يدل على ضياعه أو فقده أو أن الإنجيل قد زيد فيه .


ونحو ذلك ما جاء في قول المسيح أيضاً: " من آمن بي - كما قال الكتاب - تجري من بطنه أنهار ماء حيّ" (يوحنا 7/37)، وهذه الإحالة مفقودة من العهد القديم.

6- اختلاف النصارى واليهود أنفسهم في أسفار وكتب العهد القديم التي يؤمنون بها، فبينما يؤمن السامريون اليهود بالكتب الخمسة فقط، المنسوبة لموسى وهي: سفر التكوين، سفر الخروج، سفر اللاويين، سفر العدد، سفر التثنية، ويضيفون لها كتاب "يوشع بن نون"، وكتاب "القضاة". - مع مخالفة نسخة التوراة التي بين أيديهم لنسخة التوراة التي بين يدي اليهود والنصارى - ، ويؤمن الكاثوليك والأرثوذكس إضافة إلى أسفار موسى بعدد من الأسفار الأخرى وهي :-
أ‌- الأسفار التاريخية، وهي أسفار منسوبة لعدد من أنبياء بني إسرائيل، وعددها اثنا عشر سفراً، وهي: سفر يشوع، سفر القضاة، سفر راعوث، سفر صموئيل الأول، سفر صموئيل الثاني، سفر الملوك الأول، سفر الملوك الثاني، سفر أخبار الأيام الأول، سفر أخبار الأيام الثاني، سفر عزرا، سفر نحميا، سفر أستير.

ب‌- أسفار الشعر والحكمة، وهي خمسة أسفار: سفر أيوب، سفر المزامير، سفر الأمثال، سفر الجامعة، سفر نشيد الإنشاد .


ت‌- الأسفار النبوية وهي: سفر إشعيا، سفر إرميا، سفر مراثي إرميا، سفر حزقيال، سفر دانيال، سفر هوشع، سفر يؤئيل، سفر عاموس، سفر عوبديا، سفر يونان، سفر ميخا، سفر ناحوم، سفر حبقوق، سفر صفينا، سفر زكريا، سفر حجي، سفر ملاخي . ويسمون الستة الأولى بأسفار الأنبياء الكبار، والبقية أسفار الأنبياء الصغار.


ث‌- الأسفار "الأبوكريفا" السبعة، وهي: باروخ، طوبيا، يهوديت، الحكمة، يشوع بن سيراخ، المكابيين الأول، المكابيين الثاني .




في حين يؤمن البروتستانت تبعا لليهود بجميع الأسفار السابقة ما عدا أسفار الأبوكريفا .


فهذا الخلاف بين النصارى واليهود أنفسهم في أسفار الكتب المقدسة دليل على وقوع التحريف في الجملة، إضافة إلى أن مجموع هذه الأسفار والتي يطلق عليها الكتاب المقدس ( العهد القديم ) لم يحصل الإيمان بها جملة واحدة من العهد الأول للمسيحية، وإنما تدرج الإيمان بها على مراحل تاريخية متباعدة، فما كان مشكوكا فيه في زمن صار واجب الإيمان في زمن لاحق !!

فهل يبقى الكتاب المقدس ( العهد القديم ) بعد كل هذه الانتقادات كتاب الله حقاً ؟


مصادر البحث
إظهار الحق لرحمة الله الهندي .
هل العهد القديم كلمة الله ؟ للدكتور منذر السقار .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:01 PM
البهائية ...تاريخها وأفكارها










التعريف : دين مُخْتَرعٌ، أنشأه وأظهره حسين علي الملقب " البهاء "، والذي ادعى النبوة، وزعم أن شريعة الإسلام قد نسخت بمبعثه.
المؤسسون :
الميرزا حسين علي الملقب "البهاء" ولد في قرية "نور" بنواحي "مازندران" بإيران ، سنة 1233هـ .

التقى البهاء بأحد مدعي النبوة، واسمه " الباب " وأصبح البهاء من أتباعه إلى أن مات، وتنازع هو وأخوه "صبح الأزل" خلافة الباب بعد موته حتى افترقا جسدا وفكرا .

ثم ادعى البهاء النبوة، ولم يكتف بها بل تجاوزها إلى ادعاء الألوهية، وأنه القيوم الذي سيبقى ويخلد، وأنه روح الله، وأنه هو من بعث الأنبياء والرسل، وأوحى بالأديان، وزعم أن "الباب"لم يكن إلا نبيا مهمته التبشير بظهوره .
نبذة تاريخية عن البابية ووليدتها البهائية
ظهرت البابية أول ما ظهرت في إيران، وبدأت دعوتها سرا، غير أن أمرها شاع، وبلغ السلطات في إيران، فقامت بالقبض على زعيمها "الباب" وسجنته سنة 1263هـ - 1847م، إلا أن أتباعه وجدوا طريقة للالتقاء به في السجن، والتشاور معه حول سير دعوتهم.
ثم تحوّل البابية في أسلوب دعوتهم – بعد انكشاف أمرهم- من السر إلى الجهر، فدعوا إلى عقد مؤتمر يجمع أقطابهم، فاجتمعوا في صحراء "بدشت" بإيران في رجب سنة 1264هـ، وقرروا نسخ الشريعة الإسلامية، لأن "الباب" قد أبطل العمل بها .

وكان من أشد أنصار هذه الفكرة - إلغاء الشريعة- والمتحمسين لها، حسين علي نوري، والذي استطاع أن يتميز في ذلك المؤتمر ويخرج بلقب " بهاء الله " تمهيدا لما يخطط إعلانه من أنه خليفة "الباب".

واشترك "البهاء" في محاولة اغتيال الملك " ناصر الدين" شاه إيران، إلا أن المحاولة باءت بالفشل، وكشف الفاعلون، ففر "البهاء" إلى سفارة روسيا التي قدمت له الحماية الكاملة، ولم تسلمه إلى السلطات الإيرانية إلا بعد أن أخذت وعدا منها بعدم إعدامه .

ولم تكتف بذلك بل ساعدت على إخراجه من إيران، فنفي " البهاء " وأخوه "صبح الأزل" إلى بغداد في جمادى الآخرة 1269هـ الموافق إبريل 1853م، ومن بغداد إلى إستانبول في ذي القعدة 1279هـ الموافق إبريل 1863م، ومن اسطنبول نقلا إلى أدرنة، ومكثا هناك نحو أربع سنوات ونصف، اختلف خلالها الأَخَوَان، وتنافسا المناصب والألقاب، وقام "البهاء" خلالها بنشر دعوته بين عامة الناس، فتبعه طائفة سموا "البهائية" وتبع طائفة أخرى أخاه فسموا "الأزلية" أو "البابية" .

أدركت الدولة العثمانية خطر "البهاء" وأخيه "صبح الأزل" على الناس فقامت بنفيهما مرة أخرى وفرقت بينهما، فنفت "صبح الأزل" إلى قبرص وظل بها حتى مات، في حين نفت " البهاء " إلى عكا، ومعه بعض أتباعه، فنزل بها سنة 1285هـ الموافق 1868م، حيث لقي حفاوة بالغة من اليهود الذين أحاطوه بالرعاية، وأضحت عكا منذ ذلك التاريخ مقرا دائما للبهائية ومكانا مقدسا لهم.


عقائد البهائية وأفكارها وشعائرها :

1. الإيمان بحلول الله في بعض خلقه، وأن الله قد حلَّ في "الباب" و"البهاء".

2. الإيمان بتناسخ الكائنات، وأن الثواب والعقاب يقع على الأرواح فقط.

3. الاعتقاد بأن جميع الأديان صحيحة، وأن التوراة والإنجيل غير محرَّفين، ويرون ضرورة توحيد جميع الأديان في دين واحد هو البهائية.

4. يقولون بنبوة بوذا وكنفوشيوس وبراهما وزرادشت وأمثالهم من حكماء الهند والصين والفرس.

5. يؤمنون - موافقة للنصارى - بصلب المسيح.

6. ينكرون معجزات الأنبياء وحقيقة الملائكة والجن كما ينكرون الجنة والنار .

7. يحرمون الحجاب على المرأة، ويحللون المتعة، ويدعون إلى شيوعية النساء والأموال.

8. يقولون إن دين الباب ناسخ لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

9. يؤولون القيامة بظهور البهاء، أما قبلتهم فهي إلى البهجة بعكا بفلسطين بدلاً من المسجد الحرام.

10. الصلاة عندهم تؤدى في اليوم ثلاث مرات في اليوم، كل صلاة ثلاث ركعات، صبحا وظهرا ومساء، والوضوء لها بماء الورد، وإن لم يوجد فيكتفون بالبسملة "بسم الله الأطهر الأطهر" خمس مرات .

11. لا يجوزون الصلاة جماعة إلا عند الصلاة على الميت.

12. يقدّس البهائيون العدد تسعة عشر، ويجعلون عدد أشهر السنة تسعة عشر شهرا، عدد كل شهر تسعة عشر يوما.

13. يصوم البهائيون شهرا بهائيا واحدا هو شهر العلا ويبدأ من 2 إلى 21 مارس وهو آخر الشهور البهائية، وفيه يجب الامتناع عن تناول الطعام من الشروق إلى الغروب، ويعقب شهر صومهم عيد النيروز.

14. يحرم البهائيون الجهاد وحمل السلاح وإشهاره ضد الكفار الأعداء خدمة للمصالح الاستعمارية .

15. ينكرون أن محمداً - خاتم النبيين - مدعين استمرار الوحي بعده.

16. يبطلون الحج إلى مكة، ولهذا كان حجهم إلى حيث دفن "بهاء الله" في البهجة بعكا بفلسطين.
نماذج من كلام البهاء

هذه نماذج من أقوال البهاء، نقلناها ليُعلم قيمة قائلها وثقافته، يقول البهاء " انتهت قيامة الإسلام بموت علي محمد الباب، وبدأت قيامة البيان ودين الباب بظهور من يظهره الله – يعني نفسه - فإذا مات أنتهت قيامته، وقامت قيامة الأقدس ودين البهاء ببعثة النبي الجديد "كتاب الإيقان ص 71.

ويقول في كتاب البديع ص 113: " كان المشركون أنفسهم يرون أن يوم القيامة خمسون ألف سنة!! فانقضت في ساعة واحدة !! أفتصدقون يا من عميت بصائركم ذلك ؟! وتعترضون أن تنقضي ألفا سنة بوهمكم في سنين معدودة".

ويقول كما في كتابه الأقدس ص 34 " ليس لأحد أن يحرك لسانه ويلهج بذكر الله أمام الناس حين يمشى في الطرقات والشوارع".

ويقول في ص 41 " كتب عليكم تجديد أثاث البيت في كل تسعة عشر عاماً ". ويقول: " أُحِلُ للرجل لبس الحرير لقد رفع الله حكم التحديد في اللباس واللحى".

ويقول:" قد منعتم من إرتقاء المنابر فمن أراد أن يتلو عليكم آيات ربه فليجلس على الكرسي " .


خاتمة

تلك هي البهائية، وتلك بعض عقائدها، خليط غير متجانس من العقائد السماوية والأفكار الوثنية، أخرجها "البهاء" في قالب غريب، سماه وحياً وكتاباً مقدساً، فيالله أين عقول الخلق حين اتبعوه، وأين بصيرتهم حين قلدوه ؟!

هذا وقد صدرت فتاوى من مراجع معتمدة في العالم الإسلامي أفتت بكفر البهائية وردتها عن الإسلام، ننقل منها ما صدر عن الأزهر، وعن مفتي السعودية السابق الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله :


أولاً : فتوى دار الإفتاء بالأزهر :
" بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

فالبهائية فرقة مرتدة عن الإسلام، لا يجوز الإيمان بها، ولا الاشتراك فيها، و لا السماح لها بإنشاء جمعيات أو مؤسسات، وذلك لأنها تقوم على عقيدة الحلول، وتشريع غير ما أنزل الله، وادعاء النبوة، بل والألوهية، وهذا ما أفتى به مجمع البحوث الإسلامية في عهد الشيخ جاد الحق، وأقره المجمع الحالي .

يقول فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق – رحمه الله :
.. والبابية أو البهائية فكر خليط من فلسفات وأديان متعددة، ليس فيها جديد تحتاجه الأمة الإسلامية لإصلاح شأنها وجمع شملها، بل وضُح أنها تعمل لخدمة الصهيونية والاستعمار، فهي سليلة أفكار ونحل ابتليت بها الأمة الإسلامية حربا على الإسلام وباسم الدين " ا.هـ .


ثانيا: فتوى الشيخ ابن باز في البهائية :
سئل فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله - مفتي المملكة السعودية سابقا عن: الذين اعتنقوا مذهب ( بهاء الله) الذي ادعى النبوة، وادعى أيضا حلول الله فيه، هل يسوغ للمسلمين دفن هؤلاء الكفرة في مقابر المسلمين ؟

فأجاب: إذا كانت عقيدة البهائية كما ذكرتم فلا شك في كفرهم وأنه لا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين؛ لأن من ادعى النبوة بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كاذب وكافر بالنص وإجماع المسلمين ؛ لأن ذلك تكذيب لقوله تعالى:{ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } ، ولما تواترت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خاتم الأنبياء لا نبي بعده، وهكذا من ادعى أن الله سبحانه حال فيه، أو في أحد من الخلق فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن الله سبحانه لا يحل في أحد من خلقه بل هو أجل وأعظم من ذلك، ومن قال ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين، مكذب للآيات والأحاديث الدالة على أن الله سبحانه فوق العرش، قد علا وارتفع فوق جميع خلقه، وهو سبحانه العلي الكبير الذي لا مثيل له، ولا شبيه له، وقد تعرَّف إلى عباده بقوله سبحانه: { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } ( الأعراف: 54 ) .. وهذا الذي أوضحه لك في حق الباري سبحانه، هو عقيدة أهل السنة والجماعة التي درج عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام، ودرج عليها خاتمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودرج عليها خلفاؤه الراشدون وصحابته المرضيون والتابعون لهم بإحسان إلى يومنا هذا.

واعلم - يا أخي - أنني لم أقرأ شيئا من كتب البهائية إلى حين التاريخ، ولكن قد علمت بالاستفاضة أنها طائفة ضالة كافرة خارجة عن دائرة الإسلام، وعلى مقتضى ما ذكر في السؤال حصل الجواب.

ثم إني اطلعت بعد تحرير الجواب على محاورة بين سني وبهائي نشرتها مجلة (الهدي النبوي) لأنصار السنة في القاهرة، في أعداد أربعة، قرأت منها ثلاثة أعداد صادرة في رمضان وذي القعدة اثنان منها صدرا في عام 1368هـ، والثالث في ربيع الثاني من عام 1369هـ، وقد صرح البهائي في هذه المحاورة أن بهاء الله رسول الطائفة البهائية، يزعم أنه رسول ناسخ للشرائع التي قبله، نسخ تعديل وتلطيف، وأن كل عصر يحتاج إلى رسول، وصرح أيضا بإنكار الملائكة، وأن حقيقة الملائكة هي أرواح المؤمنين العالية، وظاهر كلامه أيضا إنكار المعاد الجثماني، وإنكار ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الدجال، ولا شك أن دعوى البهائي (الرسالة)، وزعمه أن كل عصر يحتاج إلى رسول كفر صريح .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:02 PM
القاديانية .... أفكارها وعقائدها





التعريف :
القاديانية دين مُخْتَرَعٌ جديد، ظهر أواخر القرن التاسع عشر الميلادي بقاديان، إحدى قرى البنجاب الهندية، وحظي بمباركة ورعاية الاحتلال الإنجليزي.
المؤسس : ميرزا غلام أحمد القادياني المولود سنة 1265هـ بقاديان.
وقد بدأ ميرزا نشاطه كداعية إسلامي، ثم ادعى أنه مجدد ومُلْهَم من الله، ثم تدرج درجة أخرى فادعى أنه المهدي المنتظر والمسيح الموعود، يقول في ذلك: " إن المسلمين والنصارى يعتقدون باختلاف يسير أن المسيح ابن مريم قد رفع إلى السماء بجسده العنصري، وأنه سينزل من السماء في عصر من العصور، وقد أثبتُّ في كتابي أنها عقيدة خاطئة، وقد شرحت أنه ليس المراد من النزول هو نزول المسيح بل هو إعلام عن طريق الاستعارة بقدوم مثيل المسيح، وأن هذا العاجز - يعني نفسه - هو مصداق هذا الخبر حسب الإعلام والإلهام"!!.
ثم انتقل من دعوى المثيل والشبيه بالمسيح عليه السلام إلى دعوى أنه المسيح نفسه، فقال :" وهذا هو عيسى المرتقب ،وليس المراد بمريم وعيسى في العبارات الإلهامية إلا أنا " ، ولما كان المسيح نبيا يوحى إليه، فقد ادعى ميرزا أنه يوحى إليه، وكتب قرآنا لنفسه سماه " الكتاب المبين " يقول : " أنا على بصيرة من رب وهّاب، بعثني الله على رأس المائة، لأجدد الدين وأنور وجه الملة وأكسر الصليب وأطفيء نار النصرانية، وأقيم سنة خير البرية، وأصلح ما فسد، وأروج ما كسد، وأنا المسيح الموعود والمهدي المعهود، منَّ الله علي بالوحي والإلهام، وكلمني كما كلم الرسل الكرام".
ويبدو أن دعوى أنه المسيح لم تلق القبول المرجو، ولم تحقق الغرض المؤمل منها، فانتقل من دعوى أنه المسيح النبي إلى دعوى أنه محمد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الحقيقة المحمدية قد تجسدت فيه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بُعث مرة أخرى في شخص ميرزا غلام، يقول ميرزا : " إن الله أنزل محمدا صلى الله عليه وسلم مرة أخرى في قاديان لينجز وعده "، وقال :" المسيح الموعود هو محمد رسول الله وقد جاء إلى الدنيا مرة أخرى لنشر الإسلام " ثم ادعى أن نبوته أعلى وأرقى من نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاتبعه من اتبعه من الدهماء والغوغاء وأهل الجهل والمصالح الدنيوية.
نماذج من تخليطه :
رغم تلك الدعاوى العريضة التي ادعاءها ميرزا لنفسه إلا أنه كان ساذجا فاحشا بذي اللسان، يكيل لخصومه أقذع الشتم والسب !!
أما وحيه الذي ادعاه لنفسه فقد كان خليطا من الآيات المتناثرة التي جمعها في مقاطع غير متجانسة تدل على قلة فقهه وفهمه للقرآن، وإليك نماذج من وحيه المزعوم، قال:" لقد ألهمت آنفا وأنا أعلق على هذه الحاشية، وذلك في شهر مارس 1882م ما نصه حرفيا : " يا أحمد بارك الله فيك، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى . الرحمن علم القرآن، لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم، ولتستبين سبيل المجرمين، قل إني أمرت وأنا أول المؤمنين ، قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا .. إلخ " ويقول أيضا :" ووالله إنه ظل فصاحة القرآن ليكون آية لقوم يتدبرون . أتقولون سارق فأتوا بصفحات مسروقة كمثلها في التزام الحق والحكمة إن كنتم تصدقون " !!
وأما نبوءاته فما أكثرها وما أسرع تحققها لكن بخلاف ما أنبأ وأخبر، فمن ذلك أنه ناظر نصرانيا فأفحمه النصراني، ولما لم يستطع ميرزا إجابته غضب على النصراني، وأراد أن يمحو عار هزيمته، فادعى أن النصراني يموت - إن لم يتب - بعد خمسة عشر شهرا حسب ما أوحى الله إليه، وجاء الموعد المضروب ولم يمت النصراني، فادعى القاديانيون أن النصراني تاب وأناب إلا أن النصراني عندما سمع تلك الدعوى كتب يكذبهم ويفتخر بمسيحيته!!
ومن ذلك زعمه: أن الطاعون لا يدخل بلده قاديان ما دام فيها، ولو دام الطاعون سبعين سنة، فكذبه الله فدخل الطاعون قاديان وفتك بأهلها وكانت وفاته به، وهو الذي قال " وآية له أن الله بشره بأن الطاعون لا يدخل داره، وأن الزلازل لا تهلكه وأنصاره، ويدفع الله عن بيته شرهما ".
عقائد القاديانية :
1. يعتقد القاديانية بتناسخ الأرواح: حيث زعم ميرزا أن إبراهيم عليه السلام ولد بعد ألفين وخمسين سنة في بيت عبدالله بن عبدالمطلب متجسدا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم بُعث النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أخريين أحدهما عندما حلت الحقيقة المحمدية في المتبع الكامل يعني نفسه.
2. يعتقدون أن الله يصوم ويصلي وينام ويخطيء، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، يقول ميرزا: " قال لي الله : إني أصلي وأصوم وأصحو وأنام " وقال :" قال الله : إني مع الرسول أجيب أخطيء وأصيب إني مع الرسول محيط ".
3. يعتقدون أن النبوة لم تختم بمحمد صلى الله عليه وسلم بل هي جارية، وأن الله يرسل الرسول حسب الضرورة، وأن غلام أحمد هو أفضل الأنبياء جميعاً!! وأن جبريل عليه السلام كان ينزل على غلام أحمد بالوحي، وأن إلهاماته كالقرآن .
4. يقولون: لا قرآن إلا الذي قدمه المسيح الموعود ( الغلام )، ولا حديث إلا ما يكون في ضوء تعليماته، ولا نبي إلا تحت سيادة "غلام أحمد"، ويعتقدون أن كتابهم منزل واسمه الكتاب المبين، وهو غير القرآن الكريم !!
5. يعتقدون أنهم أصحاب دين جديد مستقل، وشريعة مستقلة، وأن رفاق الغلام كالصحابة،كما جاء في صحيفتهم "الفضل، عدد 92 " : " لم يكن فرق بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتلاميذ الميرزا غلام أحمد، إن أولئك رجال البعثة الأولى وهؤلاء رجال البعثة الثانية ".
6. يعتقدون أن الحج الأكبر هو الحج إلى قاديان وزيارة قبر القادياني، ونصوا على أن الأماكن المقدسة ثلاثة مكة والمدينة وقاديان ، فقد جاء في صحيفتهم:" أن الحج إلى مكة بغير الحج إلى قاديان حج جاف خشيب، لأن الحج إلى مكة لا يؤدي رسالته ولا يفي بغرضه " .
7. يبيحون الخمر والأفيون والمخدرات !!
8. كل مسلم عندهم كافر حتى يدخل القاديانية: كما أن من تزوج أو زوَّج لغير القاديانيين فهو كافر !!.
9. ينادون بإلغاء الجهاد، ووجوب الطاعة العمياء للحكومة الإنجليزية التي كانت تحتل الهند آنذاك، لأنها - وفق زعمهم - ولي أمر المسلمين!!
10 يعتقد القادياني بأن إلهه إنجليزي لأنه يخاطبه بالإنجليزية !!
بعض زعماء القاديانية :
• الحكيم نور الدين البهريري : وهو أبرز شخصية بعد (الغلام) والخليفة من بعده ، ولد سنة 1258هـ تعلم الفارسية ومباديء العربية .
• محمود أحمد بن غلام أحمد: الخليفة الثاني للقاديانيين، تولى الزعامة بعد وفاة الحكيم نور الدين، وأعلن أنه خليفة لجميع أهل الأرض، حيث قال: " أنا لست فقط خليفة القاديانية، ولا خليفة الهند، بل أنا خليفة المسيح الموعود، فإذا أنا خليفة لأفغانستان والعالم العربي وإيران والصين واليابان وأوربا وأمريكا وأفريقيا وسماترا وجاوا، وحتى أنا خليفة لبريطانيا أيضا وسلطاني محيط جميع قارات العالم ".
• الخواجة كمال الدين: كان يدّعي أنه مثل غلام أحمد في التجديد والإصلاح، وقد جمع كثيرا من الأموال، وذهب إلى إنجلترا للدعوة إلى القاديانية، ولكنه مال للَّذات والشهوات وبناء البيوت الفاخرة.
موقف علماء الإسلام من القاديانية :
لقد تصدى علماء الإسلام لهذه الحركة، وممن تصدى لهم الشيخ أبو الوفاء ثناء الله أمير جمعية أهل الحديث في عموم الهند، حيث ناظر "ميرزا غلام" وأفحمه بالحجة، وكشف خبث طويته، وكُفْر وانحراف نحلته. ولما لم يرجع غلام أحمد إلى رشده باهله الشيخ أبو الوفا على أن يموت الكاذب منهما في حياة الصادق، ولم تمر سوى أيام قلائل حتى هلك "الميرزا غلام أحمد القادياني" في عام 1908م، مخلفاً أكثر من خمسين كتاباً ونشرة ومقالاً كلها تدعوا إلى ضلالاته وانحرافاته.
وقام مجلس الأمة في باكستان ( البرلمان المركزي ) بمناقشة أحد زعماء هذه الطائفة "ميرزا ناصر أحمد" والرد عليه من قبل الشيخ مفتي محمود رحمه الله . وقد استمرت هذه المناقشة قرابة الثلاثين ساعة عجز فيها "ناصر أحمد" عن الجواب وانكشف النقاب عن كفر هذه الطائفة، فأصدر المجلس قراراً باعتبار القاديانية أقلية غير مسلمة.
وفي شهر ربيع الأول عام 1394هـ الموافق إبريل 1974م انعقد مؤتمر برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وحضره ممثلون للمنظمات الإسلامية العالمية من جميع أنحاء العالم، وأعلن المؤتمر كفر هذه الطائفة وخروجها عن الإسلام، وطالب المسلمين بمقاومة خطرها وعدم التعامل معها، وعدم دفن موتاهم في قبور المسلمين .
وقد صدرت فتاوى متعددة من عدد من المجامع والهيئات الشرعية في العالم الإسلامي، تقضي بكفر القاديانية، منها المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، هذا عدا ما صدر من فتاوى علماء مصر والشام والمغرب والهند وغيرها .
وقفة مع القاديانية
كثيرة هي الأشياء التي تستدعي الانتباه في ظاهرة القاديانية، لكن ما نراه جديرا بالملاحظة وحريا بالاهتمام هو البحث في جذور نشأة تلك الحركات، وكيف وجدت في البيئة الإسلامية تربة خصبة لنشر أفكارها، مع أنها حركة في لبِّها وحقيقتها وفي ظاهرها وعلانيتها مناقضة لثوابت الدين، مصادمة لحقيقته، فالأمة مجمعة إجماعا قطعيا يقينيا على أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وكل دعوى النبوة بعده فهي ضلال وهوى، هذا غير بدعهم الكفرية الأخرى .
والسؤال الذي يرد هنا، هو كيف أصبح لهؤلاء أتباعاً من المسلمين ؟ ولعل الجواب على هذا السؤال - رغم أهميته - لا يحتاج إلى كبير عناء، فالجهل هو السبب الرئيس وراء اتباع مثل هذه الحركات، ووراءه كذلك تقصير مرير من علماء الأمة وطلبة العلم فيها عن واجب البلاغ، حفظا للدين وقمعا لدعوات البدع والضلال والردة .
وعليه فالعلاج – كما هو واضح - يتركز في نشر العلم وتبليغ الدين، وعدم إهمال أي بقعة من بقاع العالم الإسلامي، ولو كانت في أطراف الدنيا، حفظا للدين وحتى تسلم الأمة من أمثال هذه البدع المهلكة .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:04 PM
الكنفوشسية دين الصين وفلسفتها










تبوأ كنفوشيوس منزلة عالية في تاريخ الصين منذ ما يزيد على خمسة وعشرين قرنا، وحل في سويداء قلوب الصينيين وعقولهم، وغدت فلسفته هي الظاهر الباطن في تحديد سلوكيات الصينيين ونمط تفكيرهم .
فمن هو كنفوشيوس ؟ وكيف نشأ ؟ وما هو دينه أو فلسفته ؟ وما هو تراثه ونتاجه العلمي ؟ هذه الأسئلة وغيرها هي ما نحاول الإجابة عليه في هذه السطور التي كتبناها تسليطا للضوء على هذه الديانة أو الفلسفة التي بسطت سيطرتها على تلك الرقعة الكبيرة من العالم " الصين " .
أولا : من هو كنفوشيوس : اسمه كونج - فو - دزه أو كونج المعلم كما كان تلاميذه يسمونه، ولد سنة 551 ق. م في مدينة "تشو - فو" إحدى مدن "لو lu " الصينية .
وكعادة الصينيين في خصوبة خيالهم، فقد نسجوا قصصا خرافيا حول مولد كنفوشيوس فزعموا: أن الأشباح أخبرت أمه الشابة بمولده، وأن الأرواح الإناث كانت تمدها بالهواء وهي تلده في أحد الكهوف. وتقول تلك الأقاصيص أيضاً : أنه كان له ظهر كظهر التنين، وشفتا ثور، وفم في سعة البحر .
عاش كونج - فو - دزه أو كما ينطقها الغربيون كنفوشيوس فقيرا، حيث مات والده وهو ابن ثلاث سنين فربته والدته، فكان يدرس ويعمل بعد الفراغ من المدرسة ليساعد على إعالة والدته .
وعندما بلغ التاسعة عشرة من عمره تزوج، ولم تمض عليه خمس سنوات حتى طلق زوجته بعد أن رزق منها بابن، ويقال إنه لم يتزوج بعدها قط.
واشتغل في سن الثالثة والعشرين بالتعليم، واتخذ داره مدرسة له، وكان التعليم آنذاك مختصا بالطبقة الارستقراطية، فكسر ذلكم القانون بتعليمه أولاد الفقراء أيضاً، وكان يتقاضى من تلاميذه ما يستطيعون أداءه من الرسوم مهما كانت قليلة .
ولم يكن له في بادئ الأمر إلا عدد قليل من التلاميذ، ولكن سرعان ما تواترت الإشاعات
بسعة علمه، ومبلغ ذكائه، فالتف الناس حوله، حتى استطاع في آخر أيام حياته أن يفخر بأنه قد تخرج على يديه ثلاثة آلاف شاب غادروا منزله ليشغلوا مراكز خطيرة في العالم .
تعرض كنفوشيوس في أثناء حياته للتشرد والإبعاد نتيجة اشتغاله بالسياسة، وطلبه المناصب، حيث رأى حروباً وفوضى سياسية اعتقد أنه لا حل لها إلا من خلال حكومة صالحة تطبق مبادئ الفلسفة لتسيير دفة الحكم، حتى أثر عنه قوله " لو وجد من الأمراء من يوليني عملا لقمت في اثنى عشر شهرا بأعمال جليلة ولبلغت (الحكومة) درجة الكمال في ثلاث سنين ".
إلا أنه لم يكن يقبل بأي ولاية تعرض عليه إذا رأى في مباديء أصحابها ما يتناقض مع مبادئه .
ويقال : إنه تولى بعض الولايات في بعض مراحل عمره فعم العدل، ونعمت المدينة بالأمن والأمان، وتقول الرواية الصينية أن المدينة في أيامه قد اجتاحتها موجة جارفة من الشرف والأمانة فكان إذا سقط شئ في الطريق بقي حيث هو أو أعيد إلى صاحبه.
وبقدر ما تولى كنفوشيوس من مناصب بقدر ما تعرض لنكبات السياسة وتقلب أحوال أهلها، حيث اضطر في فترة ما أن يهرب مع عدد قليل من مريديه المخلصين مغضوبا عليهم في وطنهم، فأخذوا يتنقلون من إقليم إلى إقليم يلقون في بعضها مجاملة وترحابا، ويتعرضون في بعضها الآخر لضروب من الحرمان والأذى.
ولما بلغ كنفوشيوس التاسعة والستين من عمره، أكرمه بعض الحكام فجعله مستشارا عنده فكان الولاة يأتونه مستنصحين ومسترشدين به، وقضى كنفوشيوس الأعوام الخمسة الباقية من حياته، يعيش حياة بسيطة معززا مكرما، قضى معظم وقته في عزلة أدبية، منصرفا إلى نشر الكتب الصينية وكتابة تاريخ الصينيين.
مات كنفوشيوس في الثانية والسبعين من عمره وواراه تلاميذه التراب باحتفال مهيب، وبنوا حول قبره أكواخا لهم، أقاموا فيها ثلاث سنين يبكونه كما يبكي الأبناء آباءهم. وبعد أن مضت تلك المدة غادروا جميعا أكواخهم إلاّ دزه - كونج وهو أخلص تلاميذه، فقد كان حبه إياه يفوق حبهم جميعا، فبقي بجوار قبر أستاذه ثلاث سنين أخرى واجما حزينا على موت معلمه.
تراث كنفوشيوس :
مات كنفوشيوس وخلف وراءه خمسة مجلدات يقال إنه كتبها بنفسه، وتعرف في الصين باسم " الجنجات الخمسة" أو "كتب القانون الخمسة"، وهذه الكتب هي :
1- اللي - جي أو سجل المراسم وهو كتاب يشتمل على القواعد القديمة من آداب اللياقة، والأسس الدقيقة لتكوين الأخلاق ونضجها، بما يساعد على استقرار النظام الاجتماعي .
2- كتب ذيولا وتعليقات على كتاب "إلاي - جنج" أو "كتاب التغيرات" وموضوعه علم ما وراء الطبيعة، رغم حرصه على ألا يلج بفلسفته إلى هذا المجال المستعصي على عقل الإنسان وحسه .
3- كتاب "الشي - جنج" وهو كتاب أناشيد قام بترتيبه وتبويبه، كما شرح فيه كنه الحياة ومبادئ الأخلاق الفاضلة .
4- كتاب "التشو - شيو" وهو كتاب تاريخ سجل فيه أهم الأحداث التي وقعت في مدينته "لو" .
5- "الشو - جنج" وهو كتاب تاريخ آخر ولكنه أشمل، حيث جمع فيه أهم وأرقى ما وجده في حكم الملوك الأولين من الحوادث والقصص .
ولم يكن وهو يعمل في هذه الكتب يرى أن وظيفته هي وظيفة المؤرخ بل كان فيها كلها معلما ومهذبا للشباب ، فقد أضاف إلى الحوادث الواقعية خطبا وقصصا من عنده صب فيها أكثر ما يستطيع من الحض على الأخلاق الكريمة والإعجاب بالحكمة.
ويضيف الصينيون إلى هذه الكتب الخمسة أربعة كتب أخرى، هي مما ألفها مريدوا مريديه، إلا أنها سجلت في إيجاز ووضوح منقطعي النظير آراء وأقوال كنفوشيوس كما ذكرها أتباعه، وقد جمعت تلك الكتب بعد عشرات السنين من وفاته .
وأول هذه الكتب : كتاب "لوق يو" أو "الأحاديث والمحاورات" المعروف عند قرّاء اللغة الانجليزية بإسم " مجموعة الشذرات " أي شذرات كنفوشيوس .
وثانيها : ما جاء في الفقرتين الرابعة والخامسة من الشو الثاني وهو المؤلف المعروف عند الصينيين بإسم "الداشوه أو التعليم الأكبر"، ويعزو الفيلسوف والناشر الكنفوشي جوشي هاتين الفقرتين إلى كنفوشيوس نفسه، كما يعزو باقي الرسالة إلى دزنج - تسان أحد أتباعه .
وثالثها : كتاب "جونج يونج" أو "عقيدة الوسط" وهو الكتاب الفلسفي من كتب الصين .
وآخر هذه الكتب هو "كتاب منشيس" وهذا الكتاب هو خاتمة الآداب الصينية القديمة.
أفكار كنفوشيوس :
لم يكن كنفوشيوس رجل عقيدة ودين مثلما كان فيلسوفا وسياسيا، فقد كانت النزعة المسيطرة عليه هي تطبيق مبادئ الفلسفة على السلوك والحكم.
وقد سخر حياته لتطبيق نظريته في الحكم قولا وعملا، حتى كان يتمنى لو تتاح له الفرصة لتولي الحكم ليرى الناس حقيقة ما يدعوا إليه، ولا بأس أن نذكر شيئا من أفكاره في الحكم والأخلاق ما دمنا نترجم له، لنثني بعدها بذكر موقفه من الإلهيات والشعائر والعبادات .
ترتكز فلسفة كنفوشيوس في إصلاح المجتمع على إصلاح الفرد، فهو يرى أن في صلاح الفرد صلاح لأسرته، وصلاح الأسرة صلاح للمجتمع قاطبة، ويرى أن وظيفة الحاكم أن يحكم الناس بالعدل، ولتحقيق العدل يوجب على الحاكم أن يمثل القدوة الصالحة لشعبه في الأخلاق والسلوك الحسن، ويوجب عليه أن أيضا أن يولي ولاياتهم وأن يوكل أعمال الحكم للصالحين لتستقيم الأمور، ويحذر كنفوشيوس الحاكم من احتكار الثروة في أيدي المتسلطين، فيوجب عليه أن يوزعها ففي توزيع الثروة جمع شتات الشعب، ويوجب على الحكام كذلك أن ينشطوا في نشر العلم لأن التعليم إذا انتشر انعدمت الفروق بين الطبقات .
ويوجب على الحكومة أيضاً أن تغرس الأخلاق الطيبة بين الناس، ذلك أن الاخلاق إذا فسدت فسدت الأمة معها. وآداب اللياقة هي التي تكون على الأقل المظهر الخارجي لأخلاق الأمة .
ويوجب على الحكومة كذلك توفير الأمن الغذائي والأمن القومي لشعبها وأن تزرع الثقة فيها في نفوس شعبها حتى تحصل الموائمة بينها وبينه، فيعم النظام ويشيع الوئام .
وأما نظريته في الأخلاق فلا تقل أهمية عنده عن السياسية وشئون الحكم، بل إن بينهما تداخلا لا يخفى، فالسياسة في المحصلة هي وظيفة أخلاقية يكون فيها الحاكم هو المثال الخلقي لشعبه، وقد ألّف كنفوشيوس كتبا في الأخلاق، وحتى كتب التاريخ كان يذكر فيها قصصا يحض فيها على الأخلاق الكريمة .
هذا ما يتعلق بجانب الأخلاق والسياسة أما جانب الطقوس والعقائد فلم يأت بشيء من عنده إلا أنه كان حريضا على تقليد أهل عصره في ذلك، وكان يحث تلاميذه ألا يغفلوا عن الطقوس والمراسم التقليدية في عبادة الأسلاف وتقديم القرابين لمعبوداتهم، إلا أنه كان يتجنب البحث فيما وراء الطبيعة، ويحاول أن يصرف عقول أتباعه عن أمور الغيب، فكان إذا وجه إليه سؤال في أمور الدين أجاب إجابة سلبية، فعندما سأله بعض تلامذته قائلا : هل لدى الأموات علم بشيء أو هل هم بغير علم " أبى أن يجيب جوابا صريحا . وعندما سأله آخر عن " خدمة الأرواح " ( أرواح الموتى ) أجابه " إذا كنت عاجزاً عن خدمة الناس فكيف تستطيع أن تخدم أرواحهم ". وسأله آخر قائلا : "هل أجرؤ على أن أسألك عن الموت" فأجابه:" إذا كنت لا تعرف الحياة فكيف يتسنى لك أن تعرف شيئا عن الموت".
دين الصينيين
لعل القاريء لاحظ أن كنفوشيوس لم يكن يُعنى كثيرا بمسائل الغيب والطقوس والشعائر، ولكنه لم يكن يعارض ما يمارسه الصينيون من تلك الشعائر والطقوس، بل كان يحث عليها على اعتبار أنها تشكل الوحدة الثقافية للصينيين قاطبة.
ولعل من المناسب أن نذكر شيئا من اعتقادات الصينيين تعريفا بها لتكمتل صورة الدين في ذلكم البلد الواسع الأطراف، لعله أن يكون مجال دعوة جادة من أهل الحق ودعاة الإسلام :
1- يعتقد الصينيون بالإله الأعظم إله السماء، ويسمونه بالشانج - تي أي القوة العليا المسيطرة على العالم، ويقيم له الإمبراطور احتفالاً سنوياً تقدم فيه القرابين.
2- يعتقد الصينيون أيضاً بأن للأرض إلهاً . كما أن الشمس والقمر والكواكب والسحاب والجبال .. لكل منها إله .
3- يتوجه الصينيون أيضا بالعبادة إلى أرواح آبائهم وأجدادهم وأسلافهم، ويرون أن لأولئك الأموات أرواحا تضر وتنفع .
4- يؤمنون بأن ثمة أرواح خبيثة ترفرف من حولهم، لذلك يحرصون على رد عداوتها بالأدعية والرقى السحرية .
5- يؤمنون بالسحر والتنجيم، وكانوا يستأجرون المتنبئين ليكشفوا لهم عن مستقبلهم من أصداف السلاحف أو حركات النجوم، ويستأجرون السحرة ليوجهوا منازلهم نحو الريح والماء، والعرّافين ليستنزلوا ماء الأمطار. وكانوا يعرضون للموت من يولد لهم من الأطفال في أيام " النحس ".
6- يقرب الصينيون في كل يوم قرباناً متواضعاً - ويكون في العادة شيئاً من الطعام - للموتى ويرسلون الدعوات الصالحات إلى أرواحهم.
هذه لمحة مختصرة حاولنا فيها أن نرسم صورة متكاملة إلى حد ما حول الكنفوشيوسية وبعض معتقدات الصينيين ، آملين من الله أن ييسر لتلك البلاد دعاة يهدون الناس إلى دين الإسلام دين النور والهدى .
ونحب أن ننبه أن الإنسان مهما أعجب ببعض أفكار كنفوشيوس ففي الإسلام منها وخير منها، فالإسلام يحث على الأخلاق ويولي أهمية بالغة لصلاح الحاكم، بل يوجب عليه أن يعتني بعماله فلا يولي إلا الصالحين، وأن يعتني كذلك بالرعية فيقوم على رعايتها، ويلزمه أن يحفظ لهم أموالهم وأنفسهم وأعراضهم وأديانهم وأولادهم .
ولو ذهبنا نقارن بين الإسلام وما جاء به كنفوشيوس في السياسة والأخلاق لرأينا الإسلام قد جاء بخير مما جاء به كنفوشيوس . وزاد عليه حسن الاعتقاد في الله وحسن عبادته والتوجه إليه، ونبذ الآلهة الباطلة المزعومة، ولا غرو أن يفضُلَ الإسلامُ الفلسفات الأرضية فهو وحي الله وهديه، وليس أفكارا بشرية يعتريها ما يعتري البشر من الخطأ والنقص، فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.

المراجع:
تاريخ الحضارة لو ديورانت .
الموسوعة الميسرة .
مواقع إنترنت .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:37 PM
أديان الهند الكبرى ( البوذية )





ظهرت البوذية في القرن السادس قبل الميلاد، في موطنها الأول الهند متأثرة بالجو العام الذي صبغت به الهندوسية الحياة هناك .

فتبنت نفس مخاوف الهندوسية من أن الحياة مصدر الآلام ، وأن الهروب من تكرار المولد غاية يجب أن نسعى لها، ورغم هذا التقارب بين الديانتين إلا أن البوذية قد اتخذت مسارا مختلفا بعض الشيء عن مسار الهندوسية، وبدت أشد تعقيدا في فهمها، وأشد بعدا عن الفطرة في فكرها، وإن كانت أقل كلفة ومشقة في سلوك سبيلها، وسوف نعرض من خلال هذا البحث الموجز لمحات عن هذه الديانة أو الفلسفة الجديدة.

مؤسس البوذية : ويدعى "سذهاتا" وأطلق عليه أتباعه "بوذا" أي العارف المستنير ، ولد سنة 563 ق. م. ونشأ - كما يذكر المؤرخون - حياة مترفة فهو ابن أحد أمراء بلدته من ذوي الجاه والمنزلة، والأموال الكثيرة، والزروع النضرة، والقصور الشاهقة .

حيث مكث " بوذا " في هذا النعيم ثلاثة عقود من عمره يبهج بمباهج الحياة، ويرفل في أثوابها، إلى أن طرأ عليه ما غير حياته، وهو ما رآه في الحياة من صور البؤس والشقاء كالمرض والفقر والحرمان، فحاول أن يجد تفسيرا مقبولا لتلك الآلام !!، عن مصدرها ! عن سببها ! عن كيفية التخلص منها ! فلم يجد إجابة تشفيه، فظن أن ما فيه من النعيم هو الحجاب الذي يغطي عقله عن رؤية الحقيقة واكتشافها.

وفي إحدى الليالي، خرج بوذا متسللا من بيته، بعد أن ألقى النظرة الأخيرة على زوجته وولده، وركب حصانه ليخرج من نعيم ظنه حجابا كثيفا يغشى بصيرته.

عاش بوذا بعد ذلك حياة قاسية، فقد لبس ثياباً من الوبر، وانتزع شعر رأسه ولحيته، لينزل بنفسه العذاب لذات العذاب، وكان ينفق الساعات الطوال واقفاً أو راقداً على الشوك، وكان يترك التراب والقذر يتجمع على جسده، حتى يشبه في منظره شجرة عجوزاً، وكثيراً ما كان يرتاد مكاناً تلقى فيه جثث الموتى مكشوفة ليأكلها الطير والوحش، فينام بين تلك الجثث العفنة، وقلّل من طعامه حتى ربما اكتفى بأرزة في يومه وليلته، ومارس التأمل وغاص في الأفكار عما يؤرقه في سر الحياة وفي سر هذا الكون .

ومكث على هذه الحال سبع سنين، فلم يفده تأمله شيئا، ولم تسفعه أفكاره، وإنما أورث جسده ضعفا واضمحلالا ، فعاود تفكيره في هذا المسلك وصلاحيته لإيصاله إلى ما يبتغي من نور المعرفة، فعلم أن الجسد الضعيف لا يغذي عقله إلا بالأوهام والخيالات الفاسدة، بل إنه يَكلُّ عن التفكير، ويضعف عن التأمل، فعاد إلى عيشة الاعتدال مرة أخرى، ولكنه لم يترك السير في سبيل هدفه في تحصيل المعرفة ، بل ظل يعمل تفكيره عله يصل إلى فك لغز الحياة !!

التغير الكبير في حياة بوذا :
يذكر الباحثون أن بوذا بينما كان يمشي وحيدا مال إلى شجرة في غابة " أورويلا ( Uruyala )،ليتفيأ ظلالها ريثما يتناول طعامه ، لكن المقام طاب له في ظل تلك الشجرة، ويقال : إنه أحس برغبة في البقاء تحتها، فاستجاب لهذه الرغبة وبقى تحتها، وهنا حدث أن سمع من يناديه بداخله - كما حدّث عن نفسه - فقال : " سمعت صوتا من داخلي يقول بكل جلاء وقوة، نعم في الكون حق، أيها الناسك هناك حق لا ريب فيه، جاهد نفسك اليوم حتى تناله "

وبعد هذه الحادثة بدأ بوذا مرحلة جديدة من الدعوة إلى ما توصل إليه، لينال الناس السعادة التي نالها، والمعرفة التي توصل إليها، وابتدأ دعوته برهبان خمسة زاملوه في ترهبه الأول، فلم يبدو أي اعتراض على دعوته، بل وافقوه وآمنوا بما قال، ثم خطا بوذا خطوة أخرى، فجمع حوله مجموعة من الشبان بلغ عددهم مائتين، وعلمهم مبادئ دعوته وجعلهم نواة لها.

ولم تقتصر دعوة بوذا على أهل بلده، وإنما كان يبعث التلاميذ إلى الآفاق، لتعليم الناس ودعوتهم إلى دخول النظام أو عجلة الشريعة - اسم الحركة التي يقودها أو الدين الذي يدعوا إليه - ويجري لهم الاختبارات للتأكد من تأهلهم، ويودعهم قائلا : " اذهبوا وانشروا النظام في البلاد رحمة بسائر الخلق ، وإيثارا لمصلحة الكثيرين على راحتكم، ولا يذهبن اثنان منكم في طريق واحد ، بل يسلك كل واحد سبيلا غير سبيل أخيه "

صفات بوذا :
بنى الهنود بحسهم الأسطوري هالة من العظمة على مؤسس الفكر البوذي، فبالغوا في وصفه، وغلوا في تعظيمه، حتى اتخذوه إلها يعبد من دون الله، ومن جملة ما ادعوا، ما جاء في انجيل بوذا من أوصافه أنه " انتشر نوره، وملأ العالـم، ففتحت عيون المكفوفين، وشاهدوا المجد الآتي من العلاء، وحلّت عقدة ألسنة الخرس، وسمعت آذان الصم ".

ووصفوه بأنه كان " شديد الضبط ، قوي الروح ، ماضي العزيمة ، واسع الصدر ، بالغ التأثير ، جامدا لا ينبعث فيه حب ولا كراهية ، لا تحركه العواطف ولا تهيجه النوازل، مؤثرا بالعاطفة والمنطق "

موت بوذا
"إن كل مركب مصيره إلى الفساد " كذا قال بوذا وهكذا كان مصيره، مات بوذا بعد أن عاش ثمانين عاما، فقام تلامذته وأتباعه بعد موته بحرقه - كالهندوس - وأخذوا يطوفون حوله، كل واحد ثلاث مرات، ثم جمُع رماد جثته وقسموه ثمانية أجزاء وأرسلوا كل جزء إلى جهة رأوها لائقة به، فبنيت فوق الرماد بنايات في الجهات الثمانية.

معتقدات بوذا :
لم يدّع بوذا يوما أنه نبي يوحى إليه، فضلا عن أن يدعي أنه إله يعبد ويتقرب إليه، كما ظنه بعض أتباعه، فغاية ما فعله بوذا أنه رسم طريق النجاة - حسب ظنه -، مما يعده سبب الشقاء في هذه الحياة، فدعا إلى بعض الأفكار والمعتقدات التي رآها جديرة بتخليص الإنسان من آلامه، فمن تلك الأفكار:

أولا : إنكار الإله : حيث شكل الإنسان محور دعوة بوذا، فهو لم يكن نبيا يوحى إليه بالمغيبات، أو فيلسوفا يفكر فيما وراء الطبيعة وفي قدم العالم أو حدوثه، بل كانت دعوته منصبة على ما يراه سبيل الخلاص للبشر، ومن هنا كان ينهى تلامذته عن الكلام في الغيبيات، والحرص على سلوك سبيل النجاة الذي رسمه، ولكنه وقع في زلة ما كان لعاقل أن يقع فيها، وهي إنكار الإله الخالق الذي اتفقت العقول السليمة والفطر المستقيمة على الإقرار بوجوده .

ثانيا : إنكار الروح والعقل : وهو بذلك يقع في تناقض واضح، إذ كيف يؤمن بوذا بالتناسخ وتعاقب الولادات عن طريق تنقل الروح من جسد إلى جسد وهو في ذات الوقت يجحد وجودها !!

ثالثا : اعتقاده بمذهب التقمص أو تناسخ الأرواح : وهو مما ورثه من اعتقادات الهندوس، وهو مذهب قائم على تكرار المولد في ولادات متعاقبة، فلا ينتهي عمر الإنسان في مرحلة ما بالموت حتى يبدأ حياة أخرى، يتحدد فيها قدره سعادة وشقاوة حسبما تهيأ له من السلوك السابق .

واعتقاد بوذا لهذا التعاقب السخيف هو الذي جعله يزدري الحياة البشرية ازدارء مقيتا، فالولادة - في نظره - هي أم الشرور جميعا، لذا لا بد من تجفيف معينها، فدعا إلى الرهبنة وترك ملاذ الحياة ، وفي مقدمتها النكاح ، ولو سمعت البشرية مواعظه في هذا الشأن لما بقي على وجه الأرض من يمشي على ظهرها !!

رابعا: النجاة عند بوذا: أو ما يسمى ب"النيرفانا" وهذه تحصل لمن استطاع أن يعيش حياة يسودها عدل كامل، حياة يسودها صبر وشفقة على الكائنات جميعا، وأن يخمد شهوات نفسه ساعياً وراء فعل الخير دون سواه، عندئذ يجوز أن يجنب نفسه العودة إلى الحياة، وعندها سينجو وسينطلق إلى عالم آخر عالم لا يمت إلى الواقع بصلة . عالم يصفه بوذا بقوله : " أيها المريدون هي طور لا أرض فيه ولا ماء ، ولا نور ولا هواء ، لا فيه مكان غير متناه ، ولا عقل غير متناه ، ليس فيه خلاء مطلق ، ولا ارتفاع الإدراك واللا إدراك معا ، ليس هو هذا العالم ، وذاك العالم ، لا فيه شمس ولا قمر " وهذا الطور أو هذه الحياة التي يصفها بوذا بهذا التعثر والاضطراب هو ما يدعونه النيرفانا والمقصود بها النجاة، وهي خيالات وأوهام فاسدة .

خامسا : إنكار طبقات الهندوس : فقد أنكر بوذا الطبقية من جملة ما أنكر - من عقائد الهندوس - فهي التي ولدت الأحقاد والضغائن بين فئات المجتمع ، وهو ما أعطى لدعوته زخما لدى الطبقات المنبوذة من المجتمع الهندوسي حيث وجدت فيها ملجأ من ظلم البراهمة وتجبرهم .

ويلحظ أن هذه الاعتقادات لم تكن سوى موروثات ثقافية، سبقت بوذا أو عاشت معه، فإنكار الإله والطبقات هو مذهب الجينية، وكذلك فكرة النجاة عند بوذا هي فكرة معدلة عن فكرة النجاة عند الجينيين، فلا حقيقة لما تقوله البوذية حول إشراقة بوذا، فاعتقاداته في مجملها مستمدة ممن قبله أو عاصره، فأين تلك الإشراقات الجديدة التي جاء بها بوذا !!

وصايا البوذية :
وهي وصايا عشر جوهرية، وهي ـ كما جاءت في دائرة معارف البستاني ـ : لا تقتل، لا تسرق، كن عفيفاً، لا تكذب، لا تسكر، لا تأكل بعد الظهر، لا تغنِ ولا ترقص، وتجنّب ملابس الزينة، لا تستعمل فراشاً كبيراً، لا تقبل معادن كريمة، وهناك وصايا تتعلّق بما يجب أن يقدّم من الاحترام لبوذا والشريعة وهي السيرة الجيّدة، والصحة الجيّدة، والعلم القليل .

الكتب المقدسة عند البوذية :
بعد موت بوذا اجتمع تلامذته ومريدوه عندما ظهر الخلاف بينهم فيما ينسب إلى بوذا من أقوال وقصص ، وعقدوا مجلسا كبيرا في " راجاجرها " سنة 483 ق . م ليزيلوا أسباب الخلاف . فسألوا كاسي أبا ( kasyapa ) أن يقرأ آراء بوذا فيما وراء الطبيعة فقرأها فتلقوها عنه ورووها، وسألوا أوبالي ( upali ) وكان أسن المريدين أن يتلو عليهم شريعة النظام ففعل فحفظوها ورووها عنه ، ثم سألوا آنندا ( ananda ) أن يلقي عليهم ما سمعه من بوذا من أقوال ومواعظ وما رآه من قصص وحكايات ففعل وتلقوها عنه ورووها .

وظل هذا التراث محفوظا في الصدور حتى عهد الملك آسوكا ( 242 ق. م ) حيث ظهر فيه شيء من التحريف والاختلاف فاجتمع زعماء البوذية وتشاوروا في سبيل حفظ تراثهم، فأجمعوا على وجوب كتابة تلك المجموعات الثلاث " العقائد " "الشريعة أو النظام"، "المواعظ والحكايات"، وسموا تلك المجموعات بالسلال الثلاث فسلة للعقائد، وسلة للقصص والمواعظ، وسلة للشريعة أو النظام، ويقال لهذه السلال الثلاث القانون البالي - نسبة للغة التي كتبت بها - .

العبادة عند البوذيين :
كانت فكرة بوذا عن الدين سلوكية خالصة، فكان كل ما يعنى به بوذا هو سلوك الناس، وأما الطقوس وشعائر العبادة وما وراء الطبيعة واللاهوت فكلها أمور لاتستحق عنده النظر، وحدث ذات يوم أن برهمياً همّ بتطهير نفسه من خطاياها باستحمامه في " جايا " فقال له بوذا: " استحم هنا، نعم ها هنا، ولا حاجة بك إلى السفر إلى " جايا" أيها البرهمي كن رحيماً بالكائنات جميعاً، فإذا أنت لم تنطق كذباً، وإذا أنت لم تقتل روحاً، وإذا أنت لم تأخذ ما لم يعط لك، ولبثت آمناً في حدود إنكارك لذاتك - فماذا تجني من الذهاب إلى " جايا " إن كل ماء يكون لك عندئذ كأنه جايا "

وعليه فليس للبوذية عبادات يفعلونها سوى تقديس بوذا وحمده والثناء عليه، وقد ذكر صاحب كتاب ( دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند ) بعض ترانيم البوذية في الثناء على بوذا من ذلك قولهم :
" أسجد للبوذا الإله الكامل ، الذي انكشف له العالم ( ثلاثا )
أعوذ بالبوذا الإله .
أعوذ بالدين .
أعوذ بجماعة البهشكو ( الفقراء والرهبان البوذيون )
أعوذا بالبوذا الإله مرة أخرى .
أعوذ بالدين مرة أخرى .
أعوذ بجماعة البهشكو مرة أخرى .
أعوذا بالبوذا الإله مرة ثالثة .
أعوذ بالدين مرة ثالثة .
أعوذ بجماعة البهشكو مرة ثالثة .
أتقبل حكما لا إيذاء فيه .
أتقبل حكما لا سرقة فيه .
أتقبل حكما لا شهوة فيه .
أتقبل حكما لا كذب فيه .
أتقبل حكما لا سكر فيه "

فرق البوذية :
أشهرها فرقتان:
الفرقة الأولى: "هنايان" وتعني العربة الصغيرة وهذه الفرقة تنكر وجود الله ، ولا تؤمن بإلوهية بوذا بل تعتقد أنه إنسان عاش كغيره من الناس ومات، إلا أنه بلغ درجات عالية من الصفات الحسنة والأخلاق الكريمة، حتى وصل إلى مرتبة قديس، واستحق أن يلقب ب "آجايا منش " واتخذت من قول بوذا : " لا تطلب من غير نفسك ملاذا " قاعدة أساسية في نيل النرفانا " النجاة "، وانتشرت هذه الفرقة في جنوب الهند وسيلان، وكتب هذه الفرقة كتبت باللغة البالية.

الفرقة الثانية: "ماهايان" وتعني العربة الكبيرة، وهذه تؤله بوذا، وتدعي أنه ليس له جسم، بل إنه نور مجسم، وظلٌّ ظهر في الدنيا، وهو الإله الأكبر الأزلي ، وموضع انتشار هذه الفرقة في الأرجاء الشمالية من الهند والتبت ومنغوليا والصين واليابان.

النظرة إلى الحياة بين الإسلام والبوذية
بداية نحب أن ننبه إلى أن البوذية كما هو واضح من خلال ما عرضناه من أفكارها لم تكن دينا سماويا على الإطلاق .

وعليه فالمقارنة بينها وبين الإسلام في إحدى جوانبه لم تكن إلا لإظهار نعمة الله على عباده بهذا الدين العظيم ، الذي أراد للإنسان أن يسعد في الدنيا والآخرة .

ومقارنتنا بين الإسلام والبوذية ترتكز حول نظرة كليهما للحياة، فالبوذية ترى أن الحياة شقاء متصل وتعاسة دائمة، ولا يرون فيها إلا وجها مظلما يسعون للتخلص منه، وليس الحال كذلك في الإسلام، فالدين الإسلامي يرى الحياة بوجهيها ويرسمها بشقيها، بخيرها وشرها، بحلوها ومرها، ففيها المصائب والآلام، وفيها أيضا اللذائذ والنعم، والإنسان مطالب في هذه الحياة أن يعمل بالصالحات، لا ليتخلص من الحياة بل ليعمرها، وليعمر أيضا آخرته، وكما أن الإسلام وقف موقف الاعتدال بين تلبية حاجات الجسد وتطلعات الروح، فكذلك كان موقفه من الدين والدنيا، فالدين لا يعادي الدنيا ويجعل منها رجسا وإثما، وإنما يوجه الإنسان ليفيد منها وينعم بلذائذها وشهواتها وفق شرعه ونظامه .

وليس في الإسلام رهبانية، فالنبي صلى الله صلى الله عليه وسلم قد أعلن إعلانا عاما أن " لا صرورة في الإسلام " رواه أحمد والترمذي، والصرورة هي الانقطاع للعبادة على عادة الرهبان، وقد كان صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق ورسول رب العالمين يتنعم بما أباح الله له من لذائذ الدنيا، ويقول: ( حُبِّب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة ) رواه أحمد والنسائي ، وكان يحب الحلواء، ويأكل اللحم، ويلبس جميل الثياب ، ولم يكن يحرم على نفسه شيئا من الطيبات مما أباحه الله له . فأين هذا ممن أقام سوق العداوة بين الدنيا وساكنيها وأقام مذهبه على التخلص منها والفكاك عنها!!!

مراجع البحث:
· مقارنة الأديان للدكتور أحمد شلبي.
· قصة الحضارة لول ديورانت.
· دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند للدكتور محمد ضياء الأعظمي .
· بعض مواقع الإنترنت.

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:39 PM
أديان الهند الكبرى (السيخية )

رابعا : السيخية : ظهرت السيخية متأخرة عن الديانات الهندية الكبرى التي ظهرت قبل ميلاد المسيح عليه السلام، حيث ظهر مذهب السيخ في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي، وذلك بعد أن أشرق فجر الإسلام على ربوع الهند وقامت فيه ممالكه ودوله.

تعريف السيخية : ديانة وضعية أرضية جمعت عناصرها من الثقافة الهندوسية ومن الدين الإسلامي، وقد رام واضعها جمع المسلمين والهندوس على دين واحد، إلا أنه فشل في ذلك، فظلت الديانتان على حالهما، وشكل هو وأتباعه دينا جديدا تحت مسمى السيخية .

مؤسسها : يدعى "ناناك" ولد في الهند سنة 1469م . هندوسي المولد والديانة، إلا أن اختلاطه بالمسلمين ومجالسته للصوفية منهم قد أثر فيه، مع ما قد عرف عنه من نقده لبعض جوانب الهندوسية، فتولد عنده همُّ الجمع بين الديانيتين، فخرج على الناس بالدعوة إلى الدمج بين الديانتين تحت شعار " لا هندوس لا مسلمون " .
فنبذه المسلمون والهندوس على السواء ، وانحاز هو وأتباعه ليكونوا جماعة دينية مستقلة، كغيرها من الجماعات الدينية التي تعج بها الهند.
أنشأ لديانته الجديدة معبدا، وكان هو أول معبد لها في "كارتاربور" ، وينسب إليه كتاب " كرو كرنتها صاحب " وهو من الكتب المقدسة لدى السيخ .
توفي تاناك سنة 1539م، وقبل وفاته عين أحد طلابه خليفة له، وقد دفن في بلدة ديرة "باباناناك" بالبنجاب الهندية الآن .

الأفكار والعقائد :
تشتمل أفكار السيخ ومعتقداتهم على خليط غير متجانس من العقائد والأفكار التي أُخذت من الديانة الإسلامية والثقافة الهندوسية، فمن معتقدات السيخ :
1- القول بالتوحيد : وهذا أخذوه من المسلمين إلا أنهم خلطوه بشرك الهندوس، فزعم رئيسهم - وفق ما ذُكر في كتابهم المقدس : " إن برهما خرج من سرة وشنو " وكلاً من برهما وشنو من آلهة الهندوس، فبرهما هو الخالق عندهم وشنو أو فيشنو هو الإله الحافظ لأمر العالم، وبهذا الجمع الغريب يكون السيخ قد جمعوا بين لفظ التوحيد عند المسلمين وحقيقة الشرك والتعدد عند الهندوس !!
2- القول بوحدة الوجود، وهذا القول لا شك أنهم أخذوه عن الهندوسية، فالإسلام يفصل فصلا تاما بين حقيقة الإله الخالق المعبود، وبين خلقه من الحيوان والجماد، وأما الهندوسية فتعتقد أن المخلوقات برزت من مادة الإله ولذلك فغاية المنى عند الهندوسي أن يتحد بالإله، ولعل هذه النظرة الهندوسية هي التي أخذ السيخ منها القول بوحدة الوجود .
3- تحريم عبادة الأصنام وصناعتها، وهذا مأخوذ من المسلمين، أما الهندوس فتكاد تضيق بيوتهم ومعابدهم بها .
4- القول بتناسخ الأرواح، وهو من صلب عقيدة الهندوس، فالأرواح تنتقل من جسد إلى آخر دائما وأبدا إلا أن تنجو فتتحد بالإله برهما - وفق اعتقاد الهندوس -، وقد أدخل السيخ تعديلا على عقيدة التناسخ فأرجعوا الأمر إلى الله سبحانه، فقالوا : إن التناسخ ليس بحتم بل قد ينجو الإنسان من التنقل أحيانا بمحض لطف الله سبحانه.
5- تحريم الرهبنة : حيث يوجبون على أتباع الطائفة السعي لطلب الرزق، وهذا بلا ريب مأخوذ من الإسلام الذي حرم الرهبانية وأوجب على العبد اكتساب معيشته، على خلاف مذهب الهندوس الذي يرغب أتباعه في الرهبنة وترك العمل والسلبية في الحياة.
6- الإيمان بأصل النبوة والرسالة : وأن الله يبعث إلى عباده رسلا يهدونهم ويدلونهم إلى طريق الخير والصلاح، وهذا القدر يشبه معتقد المسلمين، أما الهندوس فيؤمنون بأن الله إذا أراد هداية خلقه نزل إليهم في صورة بشر لإنقاذهم، وقد تسرَّب القول بألوهية المصلح إلى السيخ من قبل زعيمهم "أرجن داس" المتوفي سنة 1601م، والذي أعلن القول بألوهية جميع المصلحين السابقين ابتداء "بنانك" مؤسس السيخية وانتهاء به، وجاء المصلحون من بعده فادعوا لأنفسهم مثل ما ادعى لنفسه !!!
7- إباحة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وتحريم أكل لحوم الأبقار، وهذا من دين الهندوس .
8- الدعوة إلى الوحدة بين الهندوس والمسلمين ورفع شعار " لا هندوس لا مسلمون " يقول الزعيم السيخي كوبند سنغ : " لا فرق بين مندر " معبد الهندوس " ومسجد وبين عبادة الهنادك وصلاة المسلمين "
9- المحافظة على التزام القواعد الخمس وهي بمثابة الهدي الظاهر لهم وهي :
الأولى : " الكيشو " ومعناها إرسال شعر الرأس واللحية وعدم حلقهما.
الثانية : "الكانغا" وهو عبارة عن تضفير الشعر وتركه مجدولا عوضا عن مشطه .
الثالثة : " الكانشا " وتعني لبس سروال متسع يضيق عند الركبتين، وتحريم لباس "دهوتي"، وهو الرداء الذي يلبسه الهندوس، وطوله ستة أمتار، يلف حول الجسد من تحت السرة .
الرابعة : "الكارا" وهو سوار من حديد يلف حول المعصم، ويحرم لبس جميع أنواع الحلي والجواهر .
الخامسة : "الكربال" وهو عبارة عن نوع من السيوف أو الخناجر يلبسه السيخي ليتحلى به، وليحمي السيخي نفسه من أعدائه .

الكتب المقدسة لدى السيخ :
ألف قادة السيخ ومعلمومهم كتبا قدسها أتباعهم، واتخذوها مصدر هداية لهم، فمن تلك الكتب:
كتاب آدي غرانت ويشتمل على مجموعة من الأناشيد الدينية ألفها المعلمون الخمسة الأوائل وتبلغ قريبا من 6000 نشيد ديني.
كتاب " كروكرنتها صاحب " وينسب إلى مؤسس السيخية نانك.
كتاب "راحت ناما" ويحتوي على آداب وتقاليد " الخالصدال" وهي طائفة من الشباب التزمت بنظام سلوكي قاس، حيث ينصرفون إلى العبادة والقتال من أجل الحق والعدل الذي يعتقدونه .

عبادة السيخ : تتمحور عبادة الإله عند السيخ بترديد الأناشيد من كتبهم المقدسة التي سبق ذكرها.

كانت تلك لمحة موجزة عن الديانة السيخية، وهي توضح أنها اختراع بشري رام صاحبه الجمع بين ديانة سماوية هي الإسلام، وديانة وضعية أرضية وثنية هي الهندوسية، رغبه في الأولى سمو تعاليمها، وإحكام مبانيها، ورغبه في الثانية تقليد الآباء والأجداد، كما هو حال المشركين الذين وصفهم سبحانه بقوله : { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } ( الزخرف : 23 ) ، ومحاولة خلط دين سماوي بفلسفة بشرية هي أشد سذاجة من منطق المشركين هذا، فالأديان تتلقى من الوحي وتنزل من السماء، ولا تخترعها العقول وترسمها الأفكار .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:40 PM
أديان الهند الكبرى ( الجينية )

ثانيا : الجينية :
جاءت الجينية كردة فعل على غلو الهندوسية في التمييز والفصل العنصري الطبقي، حيث تحول المجتمع في ظلها إلى ساحة صراع بين الطبقات تضطرم في أحشائه نار الحقد والحنق، فأنكرت الجينية بعضا من تعاليم الهندوسية وفي مقدمتها الطبقية، لما رأت من عظيم ضررها على المجتمع، ومن ثم ناصرها في دعواها أناس كثيرون . لكنها وإن بدت كحركة تصحيحة إلا أنها أضحت محدودة التأثير، فالغالبية الساحقة من الشعب الهندي ظلت متمسكة بالهندوسية مؤمنة بها، وانحصرت الجينية في عدد يسير من الأتباع يقدره البعض بمليون شخص .

تعريفها :
يقول أحد الفلاسفة الهنود عن الجينية : " هي حركة عقلية متحررة من سلطان الويدات - الكتب المقدسة لدى الهندوس - مطبوعة بطابع الذهن الهندوسي العام، أُسس بنيانها على الخوف من تكرار المولد - التناسخ - والهرب من الحياة اتقاء شائماتها، منشؤها الزهد في خير الحياة فزعا من أضرارها ، عمادها الرياضة الشاقة، والمراقبات المتعبة ، ومعولها الجمود للملذات والمؤلمات ، وسبيلها التقشف والتشدد في العيش ، وطريقها الرهبانية ولكن غير رهبانية البرهمية ، وقد داوى الجينيون الميول والعواطف بإفنائها ووصلوا في ذلك إلى إخماد شعلة الحياة بأيديهم ، وافتقدوا النجاة في وجود من غير فعلية، وسرور من غير انبعاث ".

مؤسسها :
مؤسس الجينية هو "وردهاماتا" ومعناه الزيادة، غير أن أتباعه أطلقوا عليه اسم "مهاويرا " وزعموا أنه الاسم الذي أطلقته عليه الآلهة .
عاش مهاويرا عيشة المترفين إذ كان ابن حاكم المدينة وكان بيت والده مقصد الرهبان والنساك لما يجدون فيه من حسن الضيافة وكرم الاستقبال، فكان مهاويرا يهوى السماع لهم ويعجبه حديثهم وود لو التحق بهم، إلا أن حبه لوالديه منعاه من أن يظهر رغبته تلك لعلمه بمعارضتهما له في سلوك طريق الرهبنة .
وبعد وفاة والده وتولي أخيه الأكبر مقاليد الحكم في بلدته، وبعد مضي سنة من حكمه طلب مهاويرا من أخيه أن يأذن له في التنسك والرهبنة فأذن له .
فخلع عنه لباسه ولبس لباس النساك والرهبان، وغدا يطوي البلاد طولا وعرضا متأملا متفكرا ، متقللا من المطعم والمشرب يعيش على الصدقات اليسيرة ، وبعد ثلاثة عشر شهرا من ترهبه خلع ملابسه بالكامل وسار عاريا إذ كان قد بلغ إلى مرحلة الجمود والخمود فقتل في نفسه غرائزه ونوازعه، فلا حياء ولا ألم ولا فرح ولا سرور !!!
وما زال في مجاهدات ورياضات دامت اثنى عشر عاما حتى أضحى - كما يصفه أتباعه - : " لا يبالي بالعراقيل العاصفة، وكان قلبه نقيا كماء البركة في الشتاء ، لا يلوثه شيء كورق اللوتس ، مشاعره محمية كأعضاء السلحفاء ، وحيدا فريدا كقرن الخرتيت ، حرا كالطير ، جسورا كالفيل ، قويا كالثور ، مهيبا كالأسد ، ثابتا كالجبل ، عميقا كالبحر ، وديعا كالقمر ، بهيا كالشمس ، طاهرا كالإبريز "
وبعد أن وصل إلى تلك المرحلة ابتدأ مرحلة جديدة هي الدعوة إلى مذهبه الذي لاقى قبولا بين الناس لتضجرهم من الهندوسية ، فدعا أهله وعشيرته وأهل بلده فاستجابوا له، وما زال يدعوا إلى أن بلغ الثانية والسبعين، فنزل مدينة "بنابوري" في ولاية "بتنا" فألقى على الناس خمسا وخمسين خطبة وأجاب عن ستة وثلاثين سؤالا غير مسؤولة وبعدها مات سنة 527 ق . م .
ويبالغ الجينيون في نسبة مذهبهم إلى من هم أسبق عصرا من مهاويرا فيعدون أربعة وعشرين جينيا غيره ، اسم الأول منهم "رسابها" وقد ظهر منذ أمد بعيد غير أن التاريخ لا يحفظ عنه شيئا ، ووفقا لمعتقد الجينيين فقد تتابع الجيناوات الواحد بعد الآخر حتى جاء الجينا بارسواناث الذي وضع نظاما رهبانيا متشددا حث فيه على ضرورة الرياضات الشاقة، وجاء مهاويرا فاعتنق مباديء بارسواناث وزاد عليها من فكره وتجاربه حتى لا تعرف الجينية إلا منسوبة إليه .

معتقداتها :
نشأت الجينية كنقيض للهندوسية في بعض وجوهها وموافقة لها في البعض الآخر ، فالجنينية لا تعدو أن تكون ثورة تصحيحية على بعض مباديء الهندوسية التي ظهرت آثارها السيئة على الناس، إذ خلقت نظاما طبقيا مقيتا زرع العداواة والبغضاء في نفوس المجتمع الواحد ، ولما كان ذلكم النظام مرتبطا - وفق اعتقاد الهندوس - بإرادة الإله فقد أنكر مهاويرا الإله ما جعل من دينه الجديد دينا ملحدا ، وهنا وُجد فراغ كبير في الجينية بسبب عدم اعتراف مهاويرا بإله يكمل به صورة الدين الذي دعا إليه ، وكان من نتيجة ذلك أن اتخذه أتباعه والجنيين الأربعة والعشرين آلهة لهم .
ومن معتقدات الجينية كذلك إنكار نظام الطبقات، فكل إنسان في هذه الحياة يسعى للخلاص الذي لن يناله إلا بعمله ، غير أن الجينية رأت أن الناس ليسوا سواء في القدرة على تحمّل تعاليمها، فقسموا الناس وفقا لقدراتهم لا لأجناسهم إلى قسمين :
الخاصة : وهم الذين يقدرون على الرياضات الشاقة فيتجولون في البلدان حفاة عراة ، يعانون الآلام والجوع والعري رغبة في النجاة .
والقسم الثاني العامة : وهؤلاء من لم يسلك سبيل الخاصة في رياضاتهم ومجاهداتهم، فيلتزمون بتعاليم الجينية من المحافظة على الأرواح ولو كانت روح حشرة ويتخلقون بأخلاق الجينية ويتصدقون على الرهبان .
ومن الاعتقادات الجينية التي وافقت فيها الهندوسية القول بالتناسخ وتعدد الولادات للشخص الواحد .

سبيل النجاة عند الجنيين :
الحياة من وجهة نظر الجينيين تعاسة مستمرة وشقاء متصل نعيمها زائل والعيش فيها باطل ، وسبيل النجاة فيها في التخلص منها والانفكاك عنها، غير أن ذلك لا يتأتى بيسر وسهولة، بل هو طريق طويل من المجاهدات والرياضات والتقشف والزهد حتى يبلغ الراهب مرحلة يحق له فيها أن يتخلص من حياته انتحارا .
فالانتحار عندهم وسيلة للتحرر من هذه الحياة وقسوتها، كما أنه جائزة لا تتاح إلا للرهبان الذين اتبعوا النظام الجيني في رياضاته ومجاهداته .
ويرسم الجينيون طريق النجاة - وفقا لمعتقداتهم - بثلاثة أمور يسمونها اليواقيت الثلاثة :
الياقوتة الأولى : الاعتقاد الصحيح، وهو رأس النجاة والمقصود بالاعتقاد الصحيح الإيمان بالقادة الجينيين الخمسة والعشرين .
الياقوتة الثانية : العلم الصحيح، ويقصد به معرفة الكون من ناحيتيه المادية والروحية والفصل بينهما، ويستطيع الشخص الذي يفصل أثر المادة عن قوته الروحية أن يرى الكون في صورته الحقيقية ، فتتكشف له الحقائق وترتفع عنه الحجب فيميز بين الحق والباطل ولا تشتبه عليه الأمور .
الياقوتة الثالثة : الخلق الصحيح، ويقصدون به التخلق بالأخلاق الحسنة التي تحث عليها الجينينة من عدم القتل لكل ذي روح ولو كان حشرة والصدق والعفاف والزهد في الملكية .

العري عند الجينية : من الأوجه الغريبة في سلوكيات الرهبان الجينيين العري، الذي يعدونه مرحلة متقدمة في طريقهم وسلوكهم، وهي مرحلة يصل فيها الراهب حالة من الخمود والجمود تنتفي عنه الغرائز والرغبات إن خيرا وإن شرا، فلا يحب ولا يكره، ولا يفرح ولا يحزن فتستوي عنده الأشياء، فلا يشعر بألم ولا يتلذذ بمتعة فعند ذلك - وفقا لمعتقداتهم - يصل إلى مرحلة السرور والحبور، وعلامة ذلك عندهم أن يتخلص مما يستره فإذا شعر بحياء أو خجل فذلك دليل على أنه ما زال عنده بعض علائق الدنيا ولم يتخلص منها كلية.

الكتب المقدسة عند الجينية:
الكتب المقدسة عند الجينيين ما هي إلا خطب مهاويرا الخمسة والخمسين وكذلك الخطب والوصايا المنسوبة إلى المريدين والعرفاء والرهبان والنساك الجينيين، وقد انتقل هذا التراث عن طريق المشافهة ولم يجمع إلا في القرن الرابع حيث اجتمع زعماء الجينية في مدينة " باطلي بترا " وتدارسوا أمر جمع هذا التراث لما خشوا ضياعه واختلاطه بغيره، فجمعوا بعضه في عدة أسفار واختلفوا في بعض المصادر، ولم ينجحوا في جمع الناس على ما اتفقوا عليه لذلك تأجلت كتابة القانون الجيني حتى سنة 57م فدونوا آنذاك ما استطاعوا الحصول عليه بعد أن فقد كثير من هذا التراث، وفي القرن الخامس الميلادي عقدوا مجلسا آخر بمدينة "ولابهي" حيث تقرر الرأي الأخير حول التراث الجيني الذي يقدسونه ، وقد كتب بداية باللغة المسماة " أردها مجدى " ثم كتب باللغة السنسكريتية .

فرق الجينيين
بعد موت مهاويرا حدث انقسام شطر الجينيين إلى فرقتين، تسمى إحداهما "ديجامبرا" أي أصحاب الزي السماوي وهؤلاء هم العراة الذين اتخذو السماء ستارا لهم .
والفرقة الثانية : تسمى "سويتامبرا" أي أصجاب الزي الأبيض ومجمل الخلاف بين هاتين الفرقتين دائر في تفاصيل من حياة مهاويرا، وتفاصيل في حياة التقشف والزهد وما إلى ذلك، أما أصول الجينية فقد ظلت من الأمور المتفق عليها بينهم .

نظرة الإسلام للجينية
بعد هذا العرض الموجز للديانة الجينيَّة لا يخفى على المسلم حكم الإسلام في هذه الديانة، فهي إلحادية في بدايتها، وثنية فيما بعد، فهي ديانة باطلة لا شك في ذلك ولا ريب .
ولكنا سنقف وقفة نبين فيها منهج الإسلام في تعامله مع حاجات الجسد وتطلعات الروح التي شكلت عقدة اخترعت لها الحلول الجائرة في الديانات الهندية الوثنية، فالملاحظ في الديانة الجينية بل في جل الديانات الهندية الوثنية أن ثمة معاداة ظاهرة واستخفاف مزر بحاجات الجسد ، فالجسد وفقا لهذه الديانات الوثنية ما هو إلا مركب للروح فلا يستحق إكراما ولا اهتماما، بل تعذيبه وإشقاؤه غاية لتتحرر الروح من شقاء الحياة وتعاستها، وكل ذلك نابع من تصور فاسد مبني على أن الجسد سجن لهذه الروح، وأنه بحاجاته المشروعة يعيق تقدم الروح وانطلاقها فلا بد من معاداته وعدم الالتفات إلى قضاء حاجاته .
وهنا يبرز تعامل الإسلام مع هذا الثنائي " الروح / الجسد "، حيث قدم الإسلام منهجا ربانيا يلبي حاجتهما دون أدنى تعارض، فاللروح حق وللجسد حق ولا تعارض بين الحقين ، فالله خلق الغرائز في النفوس لُتلَبى حاجاتها وفقا لشرعه سبحانه لا لتُقْتل تلك الغرائز، فالجائع أباح الله له الطعام، والعطشان أباح الله له الشراب، وذو الشهوة أباح الله له الزواج، وكل هذه التطلعات الجسدية لا تعيق تقرب الروح وصعودها في درجات العبودية لله ، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو قدوة المسلمين جميعا كان عابدا لله قانتا وكان متزوجا وذا عيال ويأكل الطيبات ويلبس الملابس الجميلة.
وهنا تظهر عظمة الإسلام في كونه وحيا ربانيا ودينا سماويا ، ويظهر عجز الإنسان عن أن يصنع نظاما يسير عليه، أو يضع تصوراً صحيحاً عن الكون والحياة، فالإنسان مهما علا قدره واتسعت معارفه ومداركه، إلا أن قدراته في التصور تظل محدودة لا يستطيع النفاذ بها ليكشف ما وراء الحُجُبِ .

محمد فكرى الدراوى
06-17-2011, 05:41 PM
شكرا لك اختنا الفاضلة زهرة الاصدقاء على هذه الجرعة الدسمة التى تلقى الضوء على بعض الملل والنحل المنحرفه
والتى ما ان يقرأها الأنسان منا حتى يعلم فضل الله تعالى عليه بان جعله مسلما

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:41 PM
أديان الهند الكبرى ( الهندوسية )











أولا : الهندوسية :
الهندوسية : دين وثني يعتنقه غالب الشعب الهندي، وهو عبارة عن معتقدات وعادات وأخلاق وسلوكيات يلتزم بها الهندوس في حياتهم .

نشأة الهندوسية : ليس هناك من مصدر معتمد يمكن من خلاله تحديد الزمن الفعلي لنشأة الهندوسية كونها لم تنشأ من خلال دعوة شخص أو أشخاص وإنما هي عبارة عن معتقدات وعادات قوم تراكمت ودونت وحفظت فاتخذها من من بعدهم من أجيالهم دينا يتبعونه، ويُرجع الباحثون نشوء الهندوسية للاحتكاك الثقافي بين الأعراق المختلفة التي وفدت إلى الهند واستقرت فيها .

معتقدات الهندوس :
أولا : الإله عند الهندوس : يعجب المرء أشد العجب من كثرة الآلهة التي يدين لها الهندوس ويؤلهونها ، وقد وصف ول ديورانت، في قصة الحضارة آلهة الهندوس فقال : "تزدحم بها - أي الآلهة - مقبرة العظماء في الهند، ولو أحصينا أسماء هاتيك الآلهة لاقتضى ذلك مائة مجلد، وبعضها أقرب في طبيعته إلى الملائكة، وبعضها هو ما قد نسميه نحن بالشياطين، وطائفة منهم أجرام سماوية مثل الشمس، وطائفة منهم تمائم ... وكثير منها هي حيوانات الحقل أو طيور السَّماء، .. فالفيل مثلاً قد أصبح الإله جانيشا واعتبروه ابن شيفا، وفيه تتجسّد طبيعة الإنسان الحيوانية... كذلك كانت القردة والأفاعي مصدر رعب، فكانت لذلك من طبيعة الآلهة؛ فالأفعى التي تؤدي عضة واحدة منها إلى موت سريع، واسمها ناجا، كان لها عندهم قدسية خاصة؛ وترى النّاس في كثير من أجزاء الهند يقيمون كلّ عام حفلاً دينياً تكريماً للأفاعي، ويقدّمون العطايا من اللبن والموز لأفاعي الناجا عند مداخل جحورها؛ كذلك أقيمت المعابد تمجيداً للأفاعي كما هي الحال في شرق ميسور ".

وهذه الوفرة والكثرة في الآلهة يختزلها الهندوس في آلهة ثلاثة أو واحد ذو ثلاثة أقانيم :
1- الإله براهما: ويُطلق عليه اسم (سانج هيانج)، واسمه بالسنسكريتية -لغة الهندوس -: (UTPETI)، وهو الخالق، حسب معتقدهم .

2- الإله فيشنو: ويسمونه الحافظ ومهمته الحفـاظ على العالـم ويسمونـه بلغتهم (Sthiti). وكثيراً ما يصوّرونه على هيئة إنسان يجسّد الخير والعون للبشر، ويساعده في مهمته آلهة آخرون : راما ـ وكرشنا، ويحتل فيشنو موقعاً متميزاً في الشعائر الهندوسية.

3- الإله شيفا: وهو إله الهلاك والفناء والدمار، وهو المهلك للعالـم ومهمته نقيض مهمة فيشنو، ويسمونه بلغتهم (Sang Kan Paean ) يقول ديورانت في قصة الحضارة عن شيفا : " إله القسوة والتدمير قبل كلّ شيء آخر؛ هو تجسيد لتلك القوّة الكونية التي تعمل، واحدة بعد أخرى، على تخريب جميع الصور التي تتبدى فيها حقيقة الكون، جميع الخلايا الحيّة وجميع الكائنات العضوية، وكلّ الأنواع، وكلّ الأفكار وكلّ ما أبدعته يد الإنسان، وكلّ الكواكب، وكلّ شيء".

البقرة عند الهندوس : تحتل البقرة عند الهندوس مكانة هامة تصل إلى حد التأليه والتقديس ، يقول مهاتما غاندي : " عندما أرى بقرة لا أعدني أرى حيونا لأني أعبد البقرة، وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع .... "، ويقول " وأمي البقرة تفضل أمي الحقيقية من عدة وجوه، فالأم الحقيقة ترضعنا مدة عام أو عامين وتتطلب منا خدمات طول العمر نظير هذا ، ولكن أمنا البقرة تمنحنا اللبن دائما ، ولا تتطلب منا شيئا مقابل ذلك سوى الطعام العادي . وعندما تمرض الأم الحقيقية تكلفنا نفقات باهظة ، ولكن أمنا البقرة لا نخسر لها شيئا ذا بال ، وعندما تموت الأم الحقيقية تتكلف جنازتها مبالغ طائلة ، وعندما تموت أمنا البقرة تعود علينا بالنفع كما كانت تفعل وهي حية لأننا ننتفع بكل جزء من جسمها حتى العظم والجلد والقرون ".

ولو وافقنا غاندي على صحة هذه المقارنة، فهل يصح أن نخرج بنتيجة مفادها صحة عبادة البقرة !! إن هذا لمن أعجب العجب وهو منطق الوثنيين منذ أقدم العصور، فالذين عبدوا الشمس نظروا إلى منافعها عليهم، والذين عبدو الشجر كذلك .. فهلا عبدوا مسبب الأسباب ومسخر الخلائق بمنافعها سبحانه وتعالى .

ثانيا : من عقائد الهندوس ما يمكن تسميته دورة الحياة عندهم :
فللهندوس عقائد تصور دورة حياة الإنسان، حيث يرون أن روح الإنسان خلقت من الإله ثم ركبت في هذا الجسد الفاني .

والهندوس لا يؤمنون بجنة ولا بنار كما يعتقد المسلمون مثلا ولكنهم يؤمنون بجزاء آخر للمحسن والمسيء فيقولون : " إن المحسن عندما يموت، يموت جسده وتبقى روحه باقية لا تموت، لأنها جزء من الإله فتجازى بأن توضع في جسد صالح وهو ما يعرف بتناسخ الأرواح أو انتقالها " فجزاء المحسن أن توضع روحه في جسد صالح تتنعم فيه وجزاء المسيء أن توضع روحه في جسد شقي تشقى به .

وليس هذا نهاية المطاف عندهم فالغاية التي يتمناها الهندوس لأرواحهم أن تتحد بالإله براهما ولكن هذا لن يحصل وفقا لمعتقداتهم إلا إذا تخلصت النفس من شرورها ونزعاتها وشهواتها ورغباتها وهو ما يسمونه مرحلة الانطلاق كما ورد في "أرنيك " - أحد كتبهم - : " من لم يرغب في شيء ولن يرغب ، وتحرر من رق الأهواء ، واطمأنت نفسه ، فإنه لا يعاد إلى حواسه ، فيتحد بالبرهما ويصير هو ، ويصبح الفاني باقيا " وهي المرحلة النهائية في دورة الثواب عند الهندوس حيث تعود الروح من حيث صدرت، فكما هي جزء من الإله تعود إليه وتتحد به .

ولك أن تسأل أي هندوسي أو غيره ممن يعتقد بتناسخ الأرواح هل يشعر بأي شيء عن حياة روحه السابقة ؟ هل يتذكر شيئا عن تلك الحياة التي عاشها من قبل في جسد آخر ؟ قد يقال ليس بالضرورة أن كل هندوسي انتقل من جسد إلى جسد فثمة ولادات جديدة، والجواب : نعم، ولكن هذا الأمر لا يشعر به كل الهندوس بما يعني ضرورة بطلان دعوى التناسخ فضلا عن دعوى الاتحاد بالإله .

ثالثا : الكتب المقدسة لدى الهندوس :
تنتشر الكتب المقدسة عند الهندوس انتشارا كبيرا ومن أهم كتبهم المقدسة الويدا الذي لا يعرف له واضع معين، ومحتواه عبارة عن تاريخ الآريين القديم في مقرهم الجديد " الهند "، ففيه أخبار حلهم وترحالهم ودينهم ومعاشهم ومطاعمهم ولباسهم ، والويدات عبارة عن أربع كتب دينية هي:

1- الريج ويد ( RIG VEDA) ويشتمل على 1017 أنشودة دينية وضعت ليتضرع بها الهندوسي أمام الآلهة ، ويقال إنه يرجع في تأليفه إلى 3000ق . م .

2- ياجورويدا ( YAJUR VEDA ) وتشتمل على العبادات القولية التي يتلوها الرهبان عند تقديم القرابين .

3- ساما ويدا ( SAMA VEDA ) وتشتمل على الأغاني التي ينشدها المنشدون آثناء إقامة الصلوات وتلاوة الأدعية .

4- آثار ويدا ( ATHAR VEDA ) وتشتمل على مقالات في السحر والرقى والتوهمات الخرافية مصبوغة بالصبغة الهندية القديمة .

ويجهل الباحثون تاريخ تدوينها وأول كتابتها، ويرجح ديورانت أن بعض التجار الهنود من طائفة الدرافيديين هم من قاموا بمهمة التدوين الأولى، ما جعل هذه الكتابة في بداياتها لا تستخدم إلاَّ لأغراض تجارية وإدارية .

وشجع الكهنة الهندوس ـ البراهمة ـ فيما بعد هذا التدوين لتكون الويدات في أيديهم سلاحاً دينياً يضمن لهم السيطرة والموقع المتقدّم، خاصة بعد أن وطدوا أسس النظام الطبقي في الهند وأعطوه بعداً دينياً. والويدات كما يبدو لم تكن كتاباً واحدا،ً وإنَّما هي مجموعة كتب تصل إلى أربعة عشر كتاباً تتفرع عن الكتب الأربعة التي ذكرناها .

الطبقات عند الهندوس : يعتبر الهندوس مجتمعا شديد الطبقية، بالغ التعصب، فبينا يتمتع أناس فيه بمقام الآلهة، يخوض آخرون أوحال الذل والمهانة، وهذا التقسيم ليس نتيجة سلطة ظالمة توشك أن تزول، بل هو بمقتضى دينهم قدرا إلهيا وأمرا ربانيا، فالإله عندهم قد خلق الخلق على هذا النحو الذي هم فيه، فجاء في كتابهم "منُّوسَمَرتي" وهو سفر من أسفارهم المقدسة حيث جاء فيه :" لسعادة العالـم خلق برهما - إله الخلق - البراهمة من وجهه، والكشتريين من ذراعيه، والويش من فخذيه، والشودر من قدميه " ووفقا لهذا الخلق يجب أن تكون وظائفهم في الحياة وفق دلالة موضع خلقهم، فرأس الإله مركز الفكر والحكم، خلق منه البراهمة فهم العلماء والحكماء ويتمتعون بمزايا عظيمة، والذراعان هما مصدر القوة والبطش ومنهما خُلِقَ الكشتريون فوظيفتهم حماية البلاد ونظامها من الأعداء والمتربصين وهؤلاء هم الجند ، والفخذان اللذان عليهما اعتماد البدن خلق منهما الويشا فوظيفتهم حمل المجتمع ماديا فيقومون بالتجارة والصناعة وعليهم يقع توفير الأمن الغذائي وتأمين الرخاء والاستقرار المعيشي، وتأتي الطبقة الدنيا - الطبقة المسحوقة باسم الدين - وهي الطبقة التي خلقت من قدمي الإله لتكون أسفل طبقة في سلم المجتمع الهندوسي وهي طبقة الخدم والعبيد ( الشودرا ). فواجبهم الخدمة والعمل وإنجاز كلّ ما يوكل لهم من الطبقات الأعلى. يقول البيروني: "ويكون شُودر مجتهداً في الخدمة والتملُّق، متحبباً إلى كلّ أحدٍ بها، وكلّ من هؤلاء إذا ثبت على رسمه وعادته نال الخير". أمّا إذا لـم يقم بواجبه ناله العقاب، وقد نص شرع الهندوس (منُّوسَمَرتي) بشأن وظيفة هذه الطبقة بما يلي: "وفرض الإله الأعظم على الشودار أمراً واحداً وهو أن يقوم بإخلاص تام بخدمة هذه الفرق الثلاث"، ويقصد بها الطبقات السابقة الذكر وهم: البراهمة، الكشاتريا، والويشا.

ولا يدخل المنبوذون في هذا التقسيم فهم درجة دنيا مدنسة لا تدخل أساسا في التركيبة الهندوسية .

شعائر وعبادات الهندوس :
1- الطهارة عند الهندوس نوعان : طهارة حسية بالماء، فيوجبون الغسل على من مس حائضا أو منبوذا أو أنزل منيا وطهارة معنوية، وهي طهارة القلب والروح بالعلوم والمعارف والتأمل.

2- الصلاة : وهي من أهم الشعائر عندهم وتؤدى في وقتين في اليوم في الصباح عند طلوع الفجر إلى الإشراق وفي المساء إلى ظهور النجوم، وتصلى فرادى وتختلف صلاة المرأة عن صلاة الرجل ، وتؤدّى في المعابد وفي البيوت والغابات وعلى ضفاف الأنهار.

3- اليوجا : وهي من الشعائر التعبدية المهمة لدى الهندوس وهي طريقة رياضية روحية وجسدية يتبعونها لتسهيل اتحادهم بالإله وفق زعمهم، وللأسف الشديد فقد انتشرت هذه العبادة الهندوسية - اليوجا - بين شباب المسلمين تحت غطاء الرياضة جهلا بجذورها الفلسفية الكفرية والله المستعان .

4- الحج عند الهندوس : بالذهاب إلى نهر الغانج سنويا والاغتسال فيه للتطهر من آثامهم وكذلك يلقون فيها رماد موتاهم .

5- إحراق الموتى : فالأجساد لا قيمة لها وفق معتقداتهم، فهي مركب الروح فإذا فارقتها الأرواح كانت أولى بالإحراق، وبعد حرقها تتلى عليها التعاويذ الهندوسية ثم توضع في أنبوب لترمى بعد ذلك في نهر الغانج .

6- سرادة : ومعناها الوضيمة وتطلق - كما يذكر البستاني في معارفه - على احتفال يجريه الهندوس لموتاهم لإيصال أرواحهم إلى السماء وتسهيل قبولها بين الأرواح الخالصة ، وعندهم أنَّ عدم إجراء هذا الاحتفال يُبقي الروح تائهة على وجه الأرض مع الأرواح النجسة، وأنَّ الذي يتأخر في أداء هذه الفروض نحو أقربائه تلعنه الآلهة والبشر وتبقى أرواح أقربائه محرومة مدّة سنوات معلومة من وليمة الأرواح الخالصة، والذي يموت بدون أن يترك ابناً ليتمّم بعده الفروض المأتمية يكون سبباً لطرد أرواح سلفائه من الجنَّة إلى الجحيم.

الهندوسية في الميزان
بعد أن استعرضنا جملا من دين الهندوس تعريفا وعرضا، كان من الأهمية بمكان أن نعرض لتلك الجمل من دينهم نقدا وتقويما حتى لا نكون كمن يعرض بضاعة أهل الباطل ويدل عليها .

والمداخل التي ترد على دين الهندوس يمكن تقسيمها إلى قسمين :
الأول : بيان بطلان أصل دينهم .
الثاني : بيان نقض جُمَلٍ من دينهم .

فالمدخل الأول ينصب النقد من خلاله على أصول تلك الديانة، فالهندوسية ليست ديانة سماوية موحى بها من عند الله، بل هي أرضية المنشأ، بل إنها ليست منسوبة حتى إلى شخص بعينه أنشأها ودعا الناس إليها، بل هي عبارة عن معتقدات وعادات ونظم وسلوكيات قوم سجلت ودونت فاتخذها أجيالهم من بعدهم دينا يتبعونه ومنهجا يسيرون عليه، ووفقا لهذا التقرير فليس للهندوسية طابع الإلهية وبالتالي فليست معصومة من الخطأ، بل معتقداتها وعباداتها ما هي إلا آراء وتخيلات بشرية .وانتفاء صفة الإلهية عن الهندوسية شامل لمخترعي هذه الديانة من حيث أنهم ليسوا رسلا من عند الله ، وشامل لكتب تلك الديانة من حيث أنها غير منزلة من عند الله سبحانه . وبذلك تبطل هذه الديانة من أساسها وتصبح غير ذات قيمة كدين يجب اتباعه .

هذا من حيث ما يدخل على الهندوسية في أصل دينهم ، أما ما يدخل عليهم في تفاصيله فالمداخل كثيرة ويمكننا أن نقتصر اختصارا على بعض الجمل :

1- تعدد الآلهة : فالآلهة عند الهندوس كثيرة ومتعددة فتبدأ من كواكب السماء وتنحط إلى فئران الحقل وبقر الطرقات، بل حتى الأفاعي في جحورها هي آلهة أيضا، فالكل متولد عن الإله أو مساعد له أو مظهر من مظاهره ، وهذا لا شك من أبطل الباطل وأمحل المحال، فهذه مخلوقات يعلم الكل ويشهد أنها لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فكيف تعبد ولأي غاية يتقرب إليها، وهي أضعف ممن يعبدها فعبادة هؤلاء ضعف في العقل وضلال في الدين .

2- الطبقية عند الهندوسية وهي من أشنع الطبقيات وأقبحها وأرذلها، فالطبقية ربما حصلت في بعض المجتمعات لكن كان بالإمكان التخلص منها بل والثورة عليها، وهي في كل الأحوال حالة مجرّمة عند البشر، لكنها عند الهندوس قدرا إلهيا وأمرا ربانيا ومن يخالفه يشقى في ديناه وبعد موته، فمن ولد من الخدم يظل طيلة عمره خادما ولا يحق له أن يترفع عن هذه المهنة أو أن يكون له طموحاته في التحرر ، فالطبقية قيد على معصمه لا يستطيع الخلاص منه إلا أن يتحرر من الهندوسية ذاتها ، والطبقية في الهندوسية دليل على أرضية وبشرية هذه الديانة .


المراجع :
1- مقارنة الأديان لأحمد شلبي .
2- قصة الحضارة لول ديورانت .
3- الموسوعة الميسرة .
4- مواضيع متفرقة من على صفحات الإنترنت .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:43 PM
أديان الهند الكبرى ( الهندوسية )











أولا : الهندوسية :
الهندوسية : دين وثني يعتنقه غالب الشعب الهندي، وهو عبارة عن معتقدات وعادات وأخلاق وسلوكيات يلتزم بها الهندوس في حياتهم .

نشأة الهندوسية : ليس هناك من مصدر معتمد يمكن من خلاله تحديد الزمن الفعلي لنشأة الهندوسية كونها لم تنشأ من خلال دعوة شخص أو أشخاص وإنما هي عبارة عن معتقدات وعادات قوم تراكمت ودونت وحفظت فاتخذها من من بعدهم من أجيالهم دينا يتبعونه، ويُرجع الباحثون نشوء الهندوسية للاحتكاك الثقافي بين الأعراق المختلفة التي وفدت إلى الهند واستقرت فيها .

معتقدات الهندوس :
أولا : الإله عند الهندوس : يعجب المرء أشد العجب من كثرة الآلهة التي يدين لها الهندوس ويؤلهونها ، وقد وصف ول ديورانت، في قصة الحضارة آلهة الهندوس فقال : "تزدحم بها - أي الآلهة - مقبرة العظماء في الهند، ولو أحصينا أسماء هاتيك الآلهة لاقتضى ذلك مائة مجلد، وبعضها أقرب في طبيعته إلى الملائكة، وبعضها هو ما قد نسميه نحن بالشياطين، وطائفة منهم أجرام سماوية مثل الشمس، وطائفة منهم تمائم ... وكثير منها هي حيوانات الحقل أو طيور السَّماء، .. فالفيل مثلاً قد أصبح الإله جانيشا واعتبروه ابن شيفا، وفيه تتجسّد طبيعة الإنسان الحيوانية... كذلك كانت القردة والأفاعي مصدر رعب، فكانت لذلك من طبيعة الآلهة؛ فالأفعى التي تؤدي عضة واحدة منها إلى موت سريع، واسمها ناجا، كان لها عندهم قدسية خاصة؛ وترى النّاس في كثير من أجزاء الهند يقيمون كلّ عام حفلاً دينياً تكريماً للأفاعي، ويقدّمون العطايا من اللبن والموز لأفاعي الناجا عند مداخل جحورها؛ كذلك أقيمت المعابد تمجيداً للأفاعي كما هي الحال في شرق ميسور ".

وهذه الوفرة والكثرة في الآلهة يختزلها الهندوس في آلهة ثلاثة أو واحد ذو ثلاثة أقانيم :
1- الإله براهما: ويُطلق عليه اسم (سانج هيانج)، واسمه بالسنسكريتية -لغة الهندوس -: (UTPETI)، وهو الخالق، حسب معتقدهم .

2- الإله فيشنو: ويسمونه الحافظ ومهمته الحفـاظ على العالـم ويسمونـه بلغتهم (Sthiti). وكثيراً ما يصوّرونه على هيئة إنسان يجسّد الخير والعون للبشر، ويساعده في مهمته آلهة آخرون : راما ـ وكرشنا، ويحتل فيشنو موقعاً متميزاً في الشعائر الهندوسية.

3- الإله شيفا: وهو إله الهلاك والفناء والدمار، وهو المهلك للعالـم ومهمته نقيض مهمة فيشنو، ويسمونه بلغتهم (Sang Kan Paean ) يقول ديورانت في قصة الحضارة عن شيفا : " إله القسوة والتدمير قبل كلّ شيء آخر؛ هو تجسيد لتلك القوّة الكونية التي تعمل، واحدة بعد أخرى، على تخريب جميع الصور التي تتبدى فيها حقيقة الكون، جميع الخلايا الحيّة وجميع الكائنات العضوية، وكلّ الأنواع، وكلّ الأفكار وكلّ ما أبدعته يد الإنسان، وكلّ الكواكب، وكلّ شيء".

البقرة عند الهندوس : تحتل البقرة عند الهندوس مكانة هامة تصل إلى حد التأليه والتقديس ، يقول مهاتما غاندي : " عندما أرى بقرة لا أعدني أرى حيونا لأني أعبد البقرة، وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع .... "، ويقول " وأمي البقرة تفضل أمي الحقيقية من عدة وجوه، فالأم الحقيقة ترضعنا مدة عام أو عامين وتتطلب منا خدمات طول العمر نظير هذا ، ولكن أمنا البقرة تمنحنا اللبن دائما ، ولا تتطلب منا شيئا مقابل ذلك سوى الطعام العادي . وعندما تمرض الأم الحقيقية تكلفنا نفقات باهظة ، ولكن أمنا البقرة لا نخسر لها شيئا ذا بال ، وعندما تموت الأم الحقيقية تتكلف جنازتها مبالغ طائلة ، وعندما تموت أمنا البقرة تعود علينا بالنفع كما كانت تفعل وهي حية لأننا ننتفع بكل جزء من جسمها حتى العظم والجلد والقرون ".

ولو وافقنا غاندي على صحة هذه المقارنة، فهل يصح أن نخرج بنتيجة مفادها صحة عبادة البقرة !! إن هذا لمن أعجب العجب وهو منطق الوثنيين منذ أقدم العصور، فالذين عبدوا الشمس نظروا إلى منافعها عليهم، والذين عبدو الشجر كذلك .. فهلا عبدوا مسبب الأسباب ومسخر الخلائق بمنافعها سبحانه وتعالى .

ثانيا : من عقائد الهندوس ما يمكن تسميته دورة الحياة عندهم :
فللهندوس عقائد تصور دورة حياة الإنسان، حيث يرون أن روح الإنسان خلقت من الإله ثم ركبت في هذا الجسد الفاني .

والهندوس لا يؤمنون بجنة ولا بنار كما يعتقد المسلمون مثلا ولكنهم يؤمنون بجزاء آخر للمحسن والمسيء فيقولون : " إن المحسن عندما يموت، يموت جسده وتبقى روحه باقية لا تموت، لأنها جزء من الإله فتجازى بأن توضع في جسد صالح وهو ما يعرف بتناسخ الأرواح أو انتقالها " فجزاء المحسن أن توضع روحه في جسد صالح تتنعم فيه وجزاء المسيء أن توضع روحه في جسد شقي تشقى به .

وليس هذا نهاية المطاف عندهم فالغاية التي يتمناها الهندوس لأرواحهم أن تتحد بالإله براهما ولكن هذا لن يحصل وفقا لمعتقداتهم إلا إذا تخلصت النفس من شرورها ونزعاتها وشهواتها ورغباتها وهو ما يسمونه مرحلة الانطلاق كما ورد في "أرنيك " - أحد كتبهم - : " من لم يرغب في شيء ولن يرغب ، وتحرر من رق الأهواء ، واطمأنت نفسه ، فإنه لا يعاد إلى حواسه ، فيتحد بالبرهما ويصير هو ، ويصبح الفاني باقيا " وهي المرحلة النهائية في دورة الثواب عند الهندوس حيث تعود الروح من حيث صدرت، فكما هي جزء من الإله تعود إليه وتتحد به .

ولك أن تسأل أي هندوسي أو غيره ممن يعتقد بتناسخ الأرواح هل يشعر بأي شيء عن حياة روحه السابقة ؟ هل يتذكر شيئا عن تلك الحياة التي عاشها من قبل في جسد آخر ؟ قد يقال ليس بالضرورة أن كل هندوسي انتقل من جسد إلى جسد فثمة ولادات جديدة، والجواب : نعم، ولكن هذا الأمر لا يشعر به كل الهندوس بما يعني ضرورة بطلان دعوى التناسخ فضلا عن دعوى الاتحاد بالإله .

ثالثا : الكتب المقدسة لدى الهندوس :
تنتشر الكتب المقدسة عند الهندوس انتشارا كبيرا ومن أهم كتبهم المقدسة الويدا الذي لا يعرف له واضع معين، ومحتواه عبارة عن تاريخ الآريين القديم في مقرهم الجديد " الهند "، ففيه أخبار حلهم وترحالهم ودينهم ومعاشهم ومطاعمهم ولباسهم ، والويدات عبارة عن أربع كتب دينية هي:

1- الريج ويد ( RIG VEDA) ويشتمل على 1017 أنشودة دينية وضعت ليتضرع بها الهندوسي أمام الآلهة ، ويقال إنه يرجع في تأليفه إلى 3000ق . م .

2- ياجورويدا ( YAJUR VEDA ) وتشتمل على العبادات القولية التي يتلوها الرهبان عند تقديم القرابين .

3- ساما ويدا ( SAMA VEDA ) وتشتمل على الأغاني التي ينشدها المنشدون آثناء إقامة الصلوات وتلاوة الأدعية .

4- آثار ويدا ( ATHAR VEDA ) وتشتمل على مقالات في السحر والرقى والتوهمات الخرافية مصبوغة بالصبغة الهندية القديمة .

ويجهل الباحثون تاريخ تدوينها وأول كتابتها، ويرجح ديورانت أن بعض التجار الهنود من طائفة الدرافيديين هم من قاموا بمهمة التدوين الأولى، ما جعل هذه الكتابة في بداياتها لا تستخدم إلاَّ لأغراض تجارية وإدارية .

وشجع الكهنة الهندوس ـ البراهمة ـ فيما بعد هذا التدوين لتكون الويدات في أيديهم سلاحاً دينياً يضمن لهم السيطرة والموقع المتقدّم، خاصة بعد أن وطدوا أسس النظام الطبقي في الهند وأعطوه بعداً دينياً. والويدات كما يبدو لم تكن كتاباً واحدا،ً وإنَّما هي مجموعة كتب تصل إلى أربعة عشر كتاباً تتفرع عن الكتب الأربعة التي ذكرناها .

الطبقات عند الهندوس : يعتبر الهندوس مجتمعا شديد الطبقية، بالغ التعصب، فبينا يتمتع أناس فيه بمقام الآلهة، يخوض آخرون أوحال الذل والمهانة، وهذا التقسيم ليس نتيجة سلطة ظالمة توشك أن تزول، بل هو بمقتضى دينهم قدرا إلهيا وأمرا ربانيا، فالإله عندهم قد خلق الخلق على هذا النحو الذي هم فيه، فجاء في كتابهم "منُّوسَمَرتي" وهو سفر من أسفارهم المقدسة حيث جاء فيه :" لسعادة العالـم خلق برهما - إله الخلق - البراهمة من وجهه، والكشتريين من ذراعيه، والويش من فخذيه، والشودر من قدميه " ووفقا لهذا الخلق يجب أن تكون وظائفهم في الحياة وفق دلالة موضع خلقهم، فرأس الإله مركز الفكر والحكم، خلق منه البراهمة فهم العلماء والحكماء ويتمتعون بمزايا عظيمة، والذراعان هما مصدر القوة والبطش ومنهما خُلِقَ الكشتريون فوظيفتهم حماية البلاد ونظامها من الأعداء والمتربصين وهؤلاء هم الجند ، والفخذان اللذان عليهما اعتماد البدن خلق منهما الويشا فوظيفتهم حمل المجتمع ماديا فيقومون بالتجارة والصناعة وعليهم يقع توفير الأمن الغذائي وتأمين الرخاء والاستقرار المعيشي، وتأتي الطبقة الدنيا - الطبقة المسحوقة باسم الدين - وهي الطبقة التي خلقت من قدمي الإله لتكون أسفل طبقة في سلم المجتمع الهندوسي وهي طبقة الخدم والعبيد ( الشودرا ). فواجبهم الخدمة والعمل وإنجاز كلّ ما يوكل لهم من الطبقات الأعلى. يقول البيروني: "ويكون شُودر مجتهداً في الخدمة والتملُّق، متحبباً إلى كلّ أحدٍ بها، وكلّ من هؤلاء إذا ثبت على رسمه وعادته نال الخير". أمّا إذا لـم يقم بواجبه ناله العقاب، وقد نص شرع الهندوس (منُّوسَمَرتي) بشأن وظيفة هذه الطبقة بما يلي: "وفرض الإله الأعظم على الشودار أمراً واحداً وهو أن يقوم بإخلاص تام بخدمة هذه الفرق الثلاث"، ويقصد بها الطبقات السابقة الذكر وهم: البراهمة، الكشاتريا، والويشا.

ولا يدخل المنبوذون في هذا التقسيم فهم درجة دنيا مدنسة لا تدخل أساسا في التركيبة الهندوسية .

شعائر وعبادات الهندوس :
1- الطهارة عند الهندوس نوعان : طهارة حسية بالماء، فيوجبون الغسل على من مس حائضا أو منبوذا أو أنزل منيا وطهارة معنوية، وهي طهارة القلب والروح بالعلوم والمعارف والتأمل.

2- الصلاة : وهي من أهم الشعائر عندهم وتؤدى في وقتين في اليوم في الصباح عند طلوع الفجر إلى الإشراق وفي المساء إلى ظهور النجوم، وتصلى فرادى وتختلف صلاة المرأة عن صلاة الرجل ، وتؤدّى في المعابد وفي البيوت والغابات وعلى ضفاف الأنهار.

3- اليوجا : وهي من الشعائر التعبدية المهمة لدى الهندوس وهي طريقة رياضية روحية وجسدية يتبعونها لتسهيل اتحادهم بالإله وفق زعمهم، وللأسف الشديد فقد انتشرت هذه العبادة الهندوسية - اليوجا - بين شباب المسلمين تحت غطاء الرياضة جهلا بجذورها الفلسفية الكفرية والله المستعان .

4- الحج عند الهندوس : بالذهاب إلى نهر الغانج سنويا والاغتسال فيه للتطهر من آثامهم وكذلك يلقون فيها رماد موتاهم .

5- إحراق الموتى : فالأجساد لا قيمة لها وفق معتقداتهم، فهي مركب الروح فإذا فارقتها الأرواح كانت أولى بالإحراق، وبعد حرقها تتلى عليها التعاويذ الهندوسية ثم توضع في أنبوب لترمى بعد ذلك في نهر الغانج .

6- سرادة : ومعناها الوضيمة وتطلق - كما يذكر البستاني في معارفه - على احتفال يجريه الهندوس لموتاهم لإيصال أرواحهم إلى السماء وتسهيل قبولها بين الأرواح الخالصة ، وعندهم أنَّ عدم إجراء هذا الاحتفال يُبقي الروح تائهة على وجه الأرض مع الأرواح النجسة، وأنَّ الذي يتأخر في أداء هذه الفروض نحو أقربائه تلعنه الآلهة والبشر وتبقى أرواح أقربائه محرومة مدّة سنوات معلومة من وليمة الأرواح الخالصة، والذي يموت بدون أن يترك ابناً ليتمّم بعده الفروض المأتمية يكون سبباً لطرد أرواح سلفائه من الجنَّة إلى الجحيم.

الهندوسية في الميزان
بعد أن استعرضنا جملا من دين الهندوس تعريفا وعرضا، كان من الأهمية بمكان أن نعرض لتلك الجمل من دينهم نقدا وتقويما حتى لا نكون كمن يعرض بضاعة أهل الباطل ويدل عليها .

والمداخل التي ترد على دين الهندوس يمكن تقسيمها إلى قسمين :
الأول : بيان بطلان أصل دينهم .
الثاني : بيان نقض جُمَلٍ من دينهم .

فالمدخل الأول ينصب النقد من خلاله على أصول تلك الديانة، فالهندوسية ليست ديانة سماوية موحى بها من عند الله، بل هي أرضية المنشأ، بل إنها ليست منسوبة حتى إلى شخص بعينه أنشأها ودعا الناس إليها، بل هي عبارة عن معتقدات وعادات ونظم وسلوكيات قوم سجلت ودونت فاتخذها أجيالهم من بعدهم دينا يتبعونه ومنهجا يسيرون عليه، ووفقا لهذا التقرير فليس للهندوسية طابع الإلهية وبالتالي فليست معصومة من الخطأ، بل معتقداتها وعباداتها ما هي إلا آراء وتخيلات بشرية .وانتفاء صفة الإلهية عن الهندوسية شامل لمخترعي هذه الديانة من حيث أنهم ليسوا رسلا من عند الله ، وشامل لكتب تلك الديانة من حيث أنها غير منزلة من عند الله سبحانه . وبذلك تبطل هذه الديانة من أساسها وتصبح غير ذات قيمة كدين يجب اتباعه .

هذا من حيث ما يدخل على الهندوسية في أصل دينهم ، أما ما يدخل عليهم في تفاصيله فالمداخل كثيرة ويمكننا أن نقتصر اختصارا على بعض الجمل :

1- تعدد الآلهة : فالآلهة عند الهندوس كثيرة ومتعددة فتبدأ من كواكب السماء وتنحط إلى فئران الحقل وبقر الطرقات، بل حتى الأفاعي في جحورها هي آلهة أيضا، فالكل متولد عن الإله أو مساعد له أو مظهر من مظاهره ، وهذا لا شك من أبطل الباطل وأمحل المحال، فهذه مخلوقات يعلم الكل ويشهد أنها لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فكيف تعبد ولأي غاية يتقرب إليها، وهي أضعف ممن يعبدها فعبادة هؤلاء ضعف في العقل وضلال في الدين .

2- الطبقية عند الهندوسية وهي من أشنع الطبقيات وأقبحها وأرذلها، فالطبقية ربما حصلت في بعض المجتمعات لكن كان بالإمكان التخلص منها بل والثورة عليها، وهي في كل الأحوال حالة مجرّمة عند البشر، لكنها عند الهندوس قدرا إلهيا وأمرا ربانيا ومن يخالفه يشقى في ديناه وبعد موته، فمن ولد من الخدم يظل طيلة عمره خادما ولا يحق له أن يترفع عن هذه المهنة أو أن يكون له طموحاته في التحرر ، فالطبقية قيد على معصمه لا يستطيع الخلاص منه إلا أن يتحرر من الهندوسية ذاتها ، والطبقية في الهندوسية دليل على أرضية وبشرية هذه الديانة .


المراجع :
1- مقارنة الأديان لأحمد شلبي .
2- قصة الحضارة لول ديورانت .
3- الموسوعة الميسرة .
4- مواضيع متفرقة من على صفحات الإنترنت .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:43 PM
موقف اليهود من نبي الإسلام






يأمر ديننا الحنيف - وكذلك سائر الأديان السماوية - بوجوب الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله ، ووجوب تعظيمهم ، وإجلالهم ، اعترافا بفضلهم ، وامتثالا لأمر الله عز وجل بذلك ، حيث قال سبحانه : { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } (البقرة:136)، فجميع أنبياء الله عز وجل في نظر المسلم مستحقون للتعظيم والإجلال ، بل إن القرآن يصرح أن الكفر بنبي واحد هو كفر بجميع الأنبياء ، قال تعالى { كذبت عاد المرسلين } (الشعراء:123) وعادٌ إنما كذبت بنبي واحد هو هود عليه السلام ، ولكن لما كانت دعوة الأنبياء واحدة كان التكذيب بواحد منهم تكذيب بجميع الأنبياء .
هذا هو موقف المسلم من أنبياء الله ورسله ، أما اليهود فلهم مع الأنبياء شأن آخر ، فكم من نبي آذوه ، فقد آذوا موسى عليه السلام ، واتهموه بأنه آدر ( أحد خصيتيه منتفخة ) ، وبأنه قتل هارون عليه السلام ، وكم من نبي قتلوه فقد سعوا عند الرومان لقتل عيسى ، وقتلوا يحيى عليهما السلام ، أما اتهامات اليهود للأنبياء بالفحش والأخلاق السيئة فقد ملؤوا التوراة بها ، ولذلك فلا غرو أن يقف اليهود - وهم أهل الدناءة والخسة - من نبي الإسلام موقف المكذب به ، الناكر لنبوته ، كونه جاء بفضحهم ، وبيان كفرهم، فضلا على أنه لا ينتمي إليهم من جهة النسب، ما دفعهم إلى مناصبته العداء ، ومحاربته سرا وجهراً ، وقد سطر الله عز وجل بعض مواقف اليهود من النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس مدى حقدهم وعداوتهم لنبي الإسلام ، مع معرفتهم به ، وتيقنهم منه ،قال سبحانه:{ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين } (البقرة:89) عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: إن يهوداً كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، فلما بعثه الله من العرب ، كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه " . ووصف الله عز وجل معرفة اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم بأنها معرفة تضاهي وتشابه معرفتهم بأبنائهم فقال سبحانه : { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } (البقرة:146) ، ولم تكن تلك المعرفة إلا نتاج النبوءات المتكررة التي امتلأت بها التوراة ، والتي وُصِف النبي صلى الله عليه وسلم من خلالها وصفا دقيقا ، في خَلْقِه وخُلُقِه ، بل وُصف البلد الذي يبعث فيه ، والبلد الذي يهاجر إليها ، وهذا نستنتجه من قدوم عدد من أحبار يهود إلى المدينة النبوية قبل البعثة ينتظرون بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومقدمه ، ويوصون اليهود باتباعه والإيمان به ، ونستدل على ما ذكرنا بشهادة الحبر اليهودي الذي أسلم عبد الله بن سلام رضي الله عنه عندما شهد عند النبي صلى الله عليه وسلم أن اليهود يجدونك عندهم في التوراة ، لكن هل لنا أن نتساءل أمام هذه الدلائل ، أين تلك النبوءات الكثيرة التي تتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وتوصي اليهود باتباعه ، أين تلك الدلائل الوفيرة من التوراة اليوم ، إن الجواب لا يتطلب عناءً كبيراً إذا علمنا مبلغ تدخل اليهود في التوراة زيادة ونقصاً ، تحريفاً وتغييراً ، حتى أضحت كثير من تلك النبوءات في عداد المفقودات ، ولكن أبى الله إلا أن يتم حجته على اليهود من كتابهم ، فأبقى سبحانه من النصوص في التوراة ما يدل على البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، بعد أن أعمى أعين المحرفين عنها ، فمن تلك البشارات:
1- ما جاء في سفر التثنية ( الفصل الثامن عشر ، الجملة 18 ) : ( أقيم لهم نبيا من وسط أخوتهم مثلك ، وأجعل كلامي في فمه ) وهذه النبوءة لا يعترف اليهود أنها واردة في النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدعيها النصارى لأنفسهم ، ونحن نقول إن النبوءة تحتوي على وصف لا يوجد إلا في نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم ، هذا الوصف هو قوله ( وأجعل كلامي في فمه ) فهي إشارة صريحة إلى معجزة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم ،كلام الله عز وجل ، حيث أمر الله نبيه أن يبلغ كلامه إلى الخلق ، وهذا معنى النبوة أجعل كلامي في فمه ، فضلاً على أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو أشبه بموسى من عيسى كون الاثنين أي موسى ومحمدا قد ولدا ولادة طبيعة من أب وأم ، فضلا على أن محمدا صلى الله عليه وسلم يشبه موسى كونه بعث بشريعة جديدة بخلاف عيسى فإنه بعث مجددا لشريعة موسى عليهم جميعا صلوات الله وسلامه .
2- ومن البشارات أيضاً ما جاء في التوراة في الفصل ( 32 ) الجملة ( 2 ) : ( وجاء الرب من سيناء ، وأشرق لهم من ساعير ، وتلألأ قدما من فاران ، جاء معه عشرة آلاف قديس ، ومن يده اليمنى برزت نار شريعة لهم ) ، وفاران هي مكة كما تدل على ذلك نصوص أخرى من التوراة ، ولم يبعث أي من أنبياء بني إسرائيل من مكة حتى يقال إن النبوءة تنطبق عليه ، وثمة وصف آخر يدل على أن المراد بالنبوءة هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا محالة وهو كونه يجيء ومعه عشرة آلاف قديس ، وهذا العدد هو عدد الصحابة رضي الله عنهم الذين دخل بهم النبي صلى الله عليه وسلم مكة ، وأما وصف الشريعة بالنارية فهي دلالة على ظهورها وقوتها ، وهو ما ينطبق تماما على الشريعة الإسلامية ، فقد كتب الله لها من الظهور والقوة بحيث خمدت أمامها كل الشرائع ، فهذه صفات ثلاث وردت في النبوة جميعها متحققة في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
3- ومن ذلك ما جاء في إصحاح إشعيا ( الإصحاح 21 الآيات ( 13 ) : ( وحي من جهة بلاد العرب ، في الوعر في بلاد العرب ) ، فما أصرح هذه النبوة في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فهي تحدد جنسيته وهو كونه عربياً ، ومكان بعثته وهي بلاد العرب ، فأي صراحة أبلغ من هذه الصراحة .
ومع صراحة هذه النبوة ، وقرب غيرها من الصراحة في البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن المرء ليعجب من إنكار اليهود وجحودهم لنبوة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ، بعد كل تلك الدلائل النقلية من كتبهم ، لكنه الكبر والإعراض عن قبول الحق ، هو الذي يحول بينهم وبين الخضوع له .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:44 PM
اليهود و البداء








لا يحب المرء أن يظهر أمام الناس بمظهر المعرض عن قبول الحق والانقياد له ، وذلك لما في الإعراض عن قبول الحق من المسبة والمنقصة ، لذلك يلجأ المعرضون عن الحق إلى الاعتذار عن إعراضهم بالحجج الواهية ، والأعذار الساقطة ، حتى لا يظهروا بذلك الوصف المشين ، واليهود من أعظم الأمم إعراضا عن الحق ، ونفورا عنه وعن العمل به ، ولكنهم - وخشية من أن يظهروا في أعين متبعيهم بهذا الوصف - فقد اخترعوا لأنفسهم حجة يتمسكون بها ،ويظهرونها لأتباعهم ، ويدفعون بها عن أنفسهم صفة الإعراض والاستكبار عن قبول الحق ، حيث عللوا موقفهم من شريعة الإسلام ، بأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الشريعة الربانية ينسخ شريعة التوراة ، قالوا : والنسخ على الله محال لأنه بداء ، فالقائل به متهم لله بالجهل ، ذلك أن الله - وهذا قولهم - إذا حكم بحكم ، فذلك الحكم هو المصلحة ، فإذا نسخه وقضى بخلافه ، فهذا يدل على أن الله بدا وظهر له فساد الحكم الأول ، وهذا اتهام لله بالجهل ، وهو ممتنع ، فدلَّ ذلك على امتناع النسخ في حق الله لما يلزم القائل به من المعنى الباطل ، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم ، فتعين القول بأن شريعة موسى هي الشريعة الحق ، وما أتى بعدها فباطل وضلال ، ومثل هذه الحجة الواهية - وإن زخرفت حتى بدت كالحق - إلا أنها سرعان ما تتهاوى عند معاول النقد والتمحيص ، فقد أجاب العلماء على حجتهم تلك ، فقالوا : أرأيتم أيها اليهود شريعة موسى عليه السلام التي تدَّعون التمسك بها ، هل كان قبلها شيء من شرائع الله وأحكامه ؟ فإن قالوا : لم يكن قبلها شيء فقد كذبوا بنص التوراة التي ذكرت أن من شريعة نوح القصاص ، ومن شريعة إبراهيم عليه السلام الختان ، وإن قالوا : كانت هناك شرائع قلنا أو ليس شريعة موسى جاءت ناسخة لتلك الشرائع ، فكيف تجيزون لأنفسكم ما تحرمونه على غيركم :
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس
ومن الأدلة على أن التوراة جاءت ناسخة للشرائع السابقة تحريم الأعمال الصناعية في يوم السبت ، وقد كان العمل يوم السبت من المباحات ، وهذا هو عين النسخ الذي ينكرونه ويزعمون أنه يلزم منه البداء . فهذه بعض أوجه إبطال قولهم ، ثم نأتي على حجتهم التي استندوا عليها فنقول : البداء يأتي على ثلاثة معان :
1- البداء في العلم ، وهو أن يظهر له خلاف ما علم ، وهذا لا يقول به عاقل في حق الله جل وعلا ، لتمام علمه وإحاطته بكل معلوم .
2- البداء في الإرادة ، وهو أن يظهر له الصواب على خلاف ما أراد ، وهذا أيضا مستحيل على الله عز وجل لما يلزم عنه من نسبة الخطأ إليه سبحانه .
3- البداء في الأمر ، وهو أن يأمر بشيء ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف ذلك ، فهذا ما نسميه نسخا وليس هو بممتنع في حق الله سبحانه ، ولا يلزم منه تجهيل الرب ، ولا نسبة الخطأ إليه ، ذلك أن اختلاف الحكم هنا ليس سببه أن الله قد ظهر له فساد ما كان يعلمه صالحاً ، فيلزم من القول به تجهيل الله جل وعلا، كلا ، ولكنَّ الحكم كان مصلحة في زمن ضمن ظروف وملابسات معينة ، فلما انتفت تلك الظروف والملابسات ، لم تبق مصلحة في بقاء الحكم السابق ، فينسخه الله سبحانه بحكم آخر ، يناسب ظروف وملابسات ذلك الزمن ، وهذا من تمام حكمة الله سبحانه ، وكمال علمه ، وليس في القول به انتقاص للخالق سبحانه ، ولا اتهام له بالجهل ، وهذا ظاهر بين ، ولنضرب لذلك مثلا يتضح به الكلام ، فنقول: لقد حرَّم الله على بني إسرائيل أكل كلِّ ظفر ، وحرم الله عليهم بعض شحوم البقر والغنم ، كما قال تعالى: { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } (الأنعام:146) لكن هذا التحريم لم يكن لضرر في المأكول المحرم ، وإنما كان عقوبة لبني إسرائيل على بغيهم ، كما نصت على ذلك الآية القرآنية السابقة ، فهل من المناسب أن تعاقب الأمم اللاحقة بهذا التحريم بسبب ظلم بني إسرائيل وطغيانهم ، إن الحكمة تقول ألا يؤخذ أحد بجريرة أحد ، وألا تزر وازرة وزر أخرى ، فهل في هذا عيب يلحق الخالق سبحانه بنسخه الحكم السابق ، إن العقل يشهد بحسن ذلك النسخ ، وأنه على مقتضى الحكمة والعدل .
ومثال آخر وهو تحريم إسرائيل ( يعقوب ) عليه السلام لحوم الإبل على نفسه ، واقتداء بني إسرائيل به في ذلك ، فهل من المناسب أن يبقى هذا التحريم سارياً حتى بعد مجيء رسول جديد بشرع جديد ، وما الحكمة التي تجعل من نذر يعقوب عليه السلام شرعا دائما على سائر الأمم والشعوب ، !!.
ومن عجيب أمر اليهود الذين ينكرون النسخ ، كيف أنهم وصفوا الله عز وجل بأقبح الأوصاف ، حيث زعموا أنه ندم سبحانه على خلق الخلق ، وشقَّ عليه ، لمَّا رأى كفر قوم نوح وإعراضهم ، ولعمر الله إن ما ينكرونه من نسخ الشرائع أهون مما وصفوا الله به ، ذلك أن نسخ الشرائع لا يدل على ظهور أمر كان خافيا عليه سبحانه - كما أوضحنا ذلك - بخلاف دعواهم أن الله ندم على خلق الخلق لما رأى كفرهم ، فإن ذلك تجهيل للحق سبحانه ، ونفي لعلمه بما تؤول إليه أمور خلقه ، فانظر إلى نفيهم النسخ - وهو حق - توصلا إلى نفي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن قبله عيسى عليه السلام ، ثم انظر إلى وصف الرب جل جلاله بالندم ، لتعلم مدى جرأة هؤلاء وكفرهم وتناقضهم .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:46 PM
تحريف التوراة

كنا قد ذكرنا في مقال سابق بعض أوجه التحريف في التوراة ، والتي تدل دلالة قطعية على جناية اليهود على كتاب ربهم ، وعبثهم به ، ونحن على قناعة تامة أن المرء إذا نظر إلى ما سقناه وما سنسوقه من أمثلة من واقع التوراة نفسها ، إذا نظر إليها بعين الإنصاف والموضوعية فليس أمامه إلا أن يسلم بوقوع التحريف فيها ، ولا شك عندنا أنه سيشعر بالضجر والاشمئزاز عندما يقرأ تحريفاتهم في الله عز وجل ورسله من الطعن ونسبة النقص إليهم ، في دلالة صريحة على ما يعتلج في نفوسهم المريضة من قلة التعظيم والإجلال لأنبياء ورسله ، والآن فلنسق بعض الأمثلة حتى يتبين لنا صحة ما ذكرنا ، فمن ذلك :

أولا : نسبة النقص والفواحش لأنبياء الله ورسله :
وينبغي أن نذكر الآن ما جاء في التوراة مما ينزه عنه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام :
1- زعموا أن نوحا عليه السلام شرب الخمر وتعرى ، فقد جاء في سفر التكوين ( 9/20) : ( وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً وشرب من الخمر وتعرى داخل خبائه ) . قبح الله اليهود ، أي تعظيم في قلوبهم لأنبياء الله ورسله ؟!!، حيث ينسبون إليهم القبائح التي يتنزه عنها الصالحون فضلا عن الأنبياء والمرسلين .

2- ومن ذلك ما جاء في سفر التكوين - الإصحاح التاسع عشر - ( عن لوط عليه السلام أنه سكن وابنتاه في غار ، فقالت ابنته الكبرى للصغرى : قد شاخ أبونا ، وليس على الأرض رجل يدخل علينا ، فلنسقي أبانا الخمر ، ونضطجع معه في مضجعه ، ففعلتا ، وحملتا منه بولدين موآب وعمون ) فانظر إلى صورة الأنبياء في كتب اليهود ، قبحهم الله.

3- جاء في سفر صموئيل الثاني : ( أن داود عليه السلام اطلع من قصره فرأى امرأة من نساء المؤمنين تغتسل في دارها ، فعشقها ، وبعث إليها فحبسها أياما حتى حبلت - تعالى الله أن يكون ذلك من رسله - ، ثم ردها ، وكان زوجها يسمى أوريا غائبا في العسكر ، ولما علمت المرأة بالحمل أرسلت تعلم داود عليه السلام به ، فبعث داود إلى يوآب بن صوريا قائده على العسكر ، يأمره أن يبعث إليه بأوريا زوج المرأة ، فجاء فصنع له طعاما وخمراً حتى سكر ، وأمره بالانصراف إلى أهله ليواقعها ، فينسب الحمل إليه ، ففهم الأمر أوريا وتخابث فلم يمش إلى أهله ، وقال : حاشى لله أن يكون الملك هنا دون أهله ، وأمشى أنا إلى أهلي ، فلما يئس داود منه رده إلى العسكر ، وكتب إلى القائد أن يبعث به في القتال مستقتلا له ، فبعث به وقتل أوريا ، فسر بموته داود عليه السلام ) فانظر إلى هذه الجريمة النكراء التي تنسبها يهود إلى داود عليه السلام ، اطلاع على العورات ، وهتك للأعراض ، وسكر ، وقتل ، ماذا أبقوا من خصال الفساق والمجرمين لم ينسبوه لنبي الله داود عليه السلام ، فالله المستعان .

4- ومن أفضح ما كتبوا في توراتهم عن سليمان بن داود عليهما السلام أنه ختم عمره بعبادة الأصنام والسحر وتركت نساؤه دينه - كذبوا قاتلهم الله أنى يؤفكون - ، وقد نزه الله نبيه سليمان عن مقالة اليهود واتهامهم له ، فقال سبحانه : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } ( البقرة: من الآية102) .

ثانياً: إثبات الزيادة في التوراة :
يزعم اليهود أن ما في التوراة هو كلام الله الخالص ليس فيه زيادة ولا نقصان ، ولكن بمجرد أن يتصفح المرء التوراة فإنه يتبين له كذب ادعاء اليهود وتزييفهم ، فكثيرا ما يجيء فيها : وكلم الرب موسى ، وقال له : اقبض حساب بني جرشون ، وكلم الرب موسى ، وقال له : كلم بني إسرائيل ومثل هذا كثير ، وهذا يدلك أنه ليس مما قاله الرب جل ذكره لموسى ، ولا مما قاله موسى لهم ، وإنما هو شيء حكي عنه بعد موته ، وأضيف الى كلام الله ، وإذا جاز مثل هذا جاز أن يكون جزء من التوراة مغيراً ومبدلا وليس من كلام الله ، ولا من كلام موسى .

هذه هي التوراة ، تكاد تفصح لقارئيها عن تحريفها ، فأي فرق وأي تباين بين التعظيم والإجلال الذي يملأ كتاب الله جل وعلا - القرآن - ، وبين ما في التوراة من الهزء والمسبة لله ورسله .

إن التوراة في كثير من نصوصها تعكس - في دلالة قاطعة - شخصية اليهود المتمردة ، المستهترة بكل القيم والمبادئ ، الشخصية التي لم تعظم أحدا حتى الله ورسله ، ولكنها عظمت نفسها ، وأعلت من شأنها فهم شعب الله المختار ، ولكن الله يتعب ويجهل ويظلم ، هم شعب الله المختار ، ولكن الأنبياء يسكرون ويزنون ويقتلون وكأنهم من فساق البشر وفجارهم، هؤلاء هم اليهود الذين اعتنى الله بذكر صفاتهم حتى تعتبر بهم أمة الإسلام فلا تسلك طريقهم ، وحتى تعرف السبل الصحيحة للتعامل معهم .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:47 PM
موقف آل البيت من الشيخين أبي بكر وعمر – رضوان الله عليهم –


العلاقة بين آل البيت النبوي وبين الشيخين الكريمين أبي بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً علاقة خاصة يسودها الود والانسجام والمحبة والاحترام، ويتبادل طرفاها محبة خالصة لله، يشهد بذلك سيرتهم العملية والقولية، فالسيرة العملية هي في دخولتهم في طاعتهم وبيعتهم لهم، وائتمارهم بأمرهم، وأخذهم ما أعطوا، وامتناعهم عما منعوا، فلم يحدث أن خرج أحد من آل البيت النبوي على أحد الخليفتين، ولم يحدث أن امتنع أي من آل البيت النبوي عن طاعتهما، وكانت علاقاتهم الاجتماعية مستقرة فيتزوج عمر من ابنة علي، ويسمي علي أبناءه بأسماء الخليفيتين أبي بكر وعمر، وكذلك فعل غيره من آل البيت تزوجوا من أولاد الخليفتين، وزوجوهم، ولم تشهد العلاقة بينهم أي توترات سوى ما حدث عند موت النبي - صلى الله عليه وسلم - حين اعترضت فاطمة - رضي الله عنها - على أبي بكر - رضي الله عنه - عدم تقسيمه ميراث النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعلمها - رضي الله عنها - أنه فعل ذلك بناء على وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ( لا نورث ما تركناه صدقة ) متفق عليه فأخذت في نفسها واعتزلته، وسنعرض لذلك بالتفصيل في معرض الرد على من زعم أن هناك عداءً مستحكما بين آل البيت النبوي وبين الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
وأما السيرة القولية فنذكر في ذلك آثاراً صحيحة وردت عن أئمة آل البيت يعلنون فيها حبهم وولائهم للشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولا ينقمون عليهما دينا ولا خلقاً .


فعن زر بن حبيش، عن أبي جحيفة قال: سمعت علياً يقول: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها ؟ أبو بكر، ثم قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكر ؟ عمر . رواه أحمد في فضائل الصحابة . فهذه شهادة من عليٍّ رضي الله عنه بخيرية أبي بكر وعمر، ولم يكتف بهذا القول حتى حذر كل من يفضله عليهما بأن يجلده حدَّ المفتري فعن الحكم بن جحل قال: سمعت علياً يقول: " لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري " رواه أحمد .
ويثني علي على عمر - رضي الله عنهما - في مواطن كثيرة منها أن أبا بكر أراد أن يستخلف أحد الصحابة فاستشار الصحابة في ذلك وقال لهم: إني قد عهدت عهداً، أفراضون أنتم به ؟ فقال القوم جميعاً: نعم، إلا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: لا، إلا أن يكون عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وعندما أُتي عمر - رضي الله عنه - بسيف كسرى ومنطقته وزبرجده قال: إن أقواماً أدوا هذا لذوو أمانة، فقال علي - رضي الله عنه - : إنك عففت فعفت الرعية .


وكان علي – رضي الله عنه – يكثر من لبس بردٍ - ثوب - فسئل عن ذلك فقال: " إنهكسانيه خليلي وصفيي وصديقي وخاصتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إنعمر ناصَحَ الله، فنصحه الله، قال : ثم بكى " فأي حب هذا الذي يحمله علي - رضي الله عنه - لأخيه عمر- رضي الله عنه - وأي ذكرى يحملها له في قلبه فيبكي عند ذكراه .


وهذا عبد الله بن جعفر – رضي الله عنه - يشهد برحمة أبي بكر – رضي الله عنه - بآل بيت محمد - صلى الله عليه وسلم - فيقول بكل غبطة وسرور: " رحم الله أبا بكر، كان لنا والياً، فنعم الوالي كان لنا، ما رأينا حاضنا قط كان خيرا منه، إنا لجلوس عنده يوماً في البيت إذ جاءه عمر ومعه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاموا بالباب فاستأذن عمر، وكان الاستئذان ثلاثاً، فاستأذن مرة فلم يؤذن له، ثم استأذن الثانية فلم يؤذن له، فلما كان الثالثة استأذن فقال له أبو بكر: ادخل، فدخل ومعه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبستنا بالباب، استأذنا مرتين فلم تأذن لنا، وهذه الثالثة. فقال: إن بني جعفر كان بين أيديهم طعام يأكلونه؛ فخفت أن تدخلوا فتشركوهم في طعامهم ) فهذه هي رحمة أبي بكر بآل بيت محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا عجب من ذلك فهو – رضي الله عنه – يصرّح بالقول: " لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليَّ أن أصل من قرابتي " متفق عليه وكيف لا يرحم الصديق قرابة حبيبه وصاحبه محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد سمع قول الحق سبحانه: { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى }(الشورى: 23 ).


ولما ثارت بعض الشكوك حول علاقة الشيخين بآل البيت سأل الكثيرون آل البيت عن ذلك فكان جوابهم صريحاً وقاطعاً: نتولى الشيخين ونترضى عنهما، فهذا أ اخنليامنسيلامناسيب تامايسمنلابسمنيالىلالاىةءالي
سالم بن أبي حفصة،يقول: سألت أبا جعفر وجعفراً، عن أبي بكر، وعمر، - رضي الله عنهما - فقالا لي: تولهما وابرأ من عدوهما، وإنهما كانا إمامي هدى . وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: " تولوا أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما، فما أصابكم من ذلك فهو في عنقي ". وعن كثير النواء، قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي: أخبرني عن أبى بكر وعمر أظلما من حقكم شيئاً أو ذهبا به ؟ فقال: لا ومنـزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ما ظلما من حقنا ما يزن حبة خردل، قال: قلت: أفأتولاهما جعلني الله فداك ؟ قال: نعم يا كثير تولهما في الدنيا والآخرة - قال -: وجعل يصك عنق نفسه ويقول: وما أصابك فبعنقي - قال: ثم قال: برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد وبيان ، فإنهما كذبا علينا أهل البيت " . وعن سالم بن أبي حفصة، قال: دخلت على جعفر بن محمد أعوده وهو مريض فقال: " اللهم إني أحب أبا بكر وعمر وأتولاهما، اللهم إن كان في نفسي غير هذا فلا تنالني شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - " وعن سالم بن أبي حفصة، قال: قال لي جعفر بن محمد: يا سالم أيسب الرجل جده ؟ أبو بكر - رضي الله عنه - جدي لا نالتني شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما " . وعن ابن أبي حازم، عن أبيه، قال: سئل علي بن الحسين رضي الله عنه عن أبي بكر، وعمر، - عليهما السلام - ومنـزلتهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال: كمنزلتهما اليوم، هما ضجيعاه ". وعن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، قال: أتاني نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر وعمر، ثم ابتركوا - تنقصوا - في عثمان، فلم يتزكوا، فلما فرغوا، قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ؟ قالوا: لا، قال: فأنتم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم فقد برأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل: { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } " وعن بسام بن عبد الله الصيرفي، قال: سألت أبا جعفر قلت: ما تقول في أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ؟ فقال: والله إني لأتولاهما وأستغفر لهما، وما أدركنا أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما ". وعن حفص بن قيس، قال: سألت عبد الله بن الحسن، عن المسح على الخفين ؟ فقال: امسح فقد مسح عمر بن الخطاب، قلت: إنما أسألك أنت أتمسح ؟ قال: ذلك أعجز لك حين أخبرك عن عمر، وتسألني عن رأيي، فعمر - رضي الله عنه - كان خيراً مني وملء الأرض مثلي، قلت: يا أبا محمد إن ناساً يقولون: إن هذا منكم تقية. فقال لي ونحن بين القبر والمنبر: اللهم إن هذا قولي في السر والعلانية ؟ فلا تسمعن قول أحد بعدي، ثم قال: هذا الذي يزعم أن علياً كان مقهوراً، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بأمر فلم ينفذه، وكفى بهذا إزراء على علي - عليه السلام - ومنقصة أن يزعم قوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره بأمر ، فلم ينفذه " . وعن محمد بن علي، قال: " أجمع بنو فاطمة - عليهم السلام - على أنيقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول " روى هذه الآثار جميعها الدارقطني في فضائل الصحابة وغيره .
فهذا موقف آل البيت عليهم السلام من الشيخين الكريمين وزيري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخليفتيه من بعده أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وهذه أقوالهم فيهما،كلها مدح وثناء، وذكر لمحاسنهما، والاحتجاج بأقوالهما وأفعالهما، بل وتبرؤٌ من كل من يعاديهم أو من يتهمهم بمعاداة آل البيت فكيف يقال: إن هناك عداءً مستحكما بينهما، سبحانك هذا بهتان عظيم .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:50 PM
فضائل الخلفاء الراشدين


الخلفاء الراشدون هم الصحابة الذين تولوا الحكم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم – وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي – رضوان الله عليهم – وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
ولقبوا بالراشدين لما امتازت فترة حكمهم من حكم رشيد حيث قاموا بنشر الدين خير قيام، وكانت ولايتهم رحمة وعدلاً، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية في عهدهم لتشمل الشام والعراق ومصر وغيرها .
وامتاز حكمهم بالعدل بين الرعية والتوزيع العادل للثروة، واختفاء مظالم الدولة، وقلة المظالم بين أفراد الأمة، وساد الوئام والألفة المجتمع المسلم في عهدهم ولا سيما في عهد الشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما – وكانت فترة حكمهم هي الفترة الذهبية في حكم الدولة الإسلامية، والتي لم تعوضها أي فترة حكم جاءت بعد ذلك .
ولم تأت ولاية هؤلاء الخلفاء الراشدين بناء على احتكار للسلطة أو تفرد بها، وإنما عن اختيار من أهل الحل والعقد لهم وتوافق الأمة عليهم، فكان اختيار الصديق عن اجتماع المسلمين أنصاراً ومهاجرين، واختيار عمر كان بتزكية أبي بكر ورضا المسلمين وإجماعهم عليه، وكان اختيار عثمان عن توافق وتشاور بين الصحابة، وكذلك كان اختيار علي - رضي الله عنهم جميعاً - وإن تفاوتت نسب التأييد لكل واحد منهم .
واختيار المسلمين لهم لم يكن عن محاباة لهم لقرابة أو رهبة أو رغبة وإنما كان لفضائل حازوها، ومؤهلات أهلتهم ليكونوا هم ولاة الأمر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده، وهذه الفضائل هي ما ذكره الله في كتابه والنبي - صلى الله عليه وسلم - في سنته، ونحن نذكر نبذة منها لكل خليفة حتى يعلم الناس فضلهم وسبب استحقاقهم خلافة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - .
الخليفة الأول: أبو بكر الصديق – رضي الله عنه -: واسمه عبد الله بن أبي قحافة، وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - صديقاً كونه صدّقه فيما كذبه فيه أكثر الناس من خبر الإسراء والمعراج، فضلاً عن كونه أول من آمنَّ به من الرجال، وهو رفيق النبي في هجرته، وصاحبه في الغار، وملازمه في كل حياته، وله فضائل كثيرة عرفها له النبي – صلى الله عليه وسلم – وسجلها له لتعرف له الأمة قدره، وقد ورد فيه قول الحق سبحانه: { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا }(البقرة:40) روى أنس بن مالك – رضي الله عنه - أن أبا بكر – رضي الله عنه - حدّثه قال: قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - - ونحن في الغار- : لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال: « ( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) رواه البخاري ومسلم . فوصف الله أبابكر بالصحبة الخاصة المقتضية مزيداً من التشريف، وأشركه مع نبيه في المعية الإلهية المقتضية كمال العناية والحفظ .
ومن الأحاديث الواردة في فضل الصديق تصريحه – صلى الله عليه وسلم – لعمرو بن العاص أن أبا بكر أحب الرجال إليه، فعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك ؟ فقال: ( عائشة، فقلت من الرجال ؟ فقال: أبوها، قلت: ثم من ؟ قال: عمر بن الخطاب فعدَّ رجالاً ) رواه البخاري ومسلم .
ومن دلائل فضله ما رواه ابن عباس – رضي الله عنهما - قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمنّ علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر ) رواه البخاري ومسلم . وأمره – صلى الله عليه وسلم - بسد كل – خوخة – أي كل باب يوصِل إلى المسجد إلا باب بيته، وباب بيت أبي بكر إشارة – والله أعلم – إلى استحقاقه تولي الخلافة من بعده حيث كان المسجد في ذلك الزمان قصر الحكم، وساحة القضاء، ومكان تجهيز الجيوش وعقد الرايات .
وقد شهدت له الأمة بالفضل فعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: كنا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نفاضل بينهم ) رواه البخاري . فهذه شهادة من صحابي عرفت الأمة له قدره أن أبابكر كان المقدّم فيهم، وكان أفضلهم، وشهادة أخرى من الخليفة الرابع علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – الذي حاول البعض إقامة سوق العداوة بينه وبين أبي بكر – رضي الله عنه – إذ يقول: - رضي الله عنه -: " ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها ؟ أبو بكر ، ثم قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكر ؟ عمر " رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة .


الخليفة الثاني: عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: وهو من أوائل من أسلم، وكان إسلامه – كما وصفه عبدالله بن مسعود – فتحاً، وخلافته رحمة . وفرح المسلمون بإسلامه فرحا عظيماً، فصلوا في الكعبة وكانوا لا يصلون قبل ذلك إلا في بيوتهم، وسار عمر في مسيرة الإسلام سيرة الرجال العظماء فدافع عنه ودافع عن نبيه - صلى الله عليه وسلم – وهاجر مع من هاجر من المسلمين إلى المدينة، وكان نعم الصاحب لرسول الله الملازم له المتعلم منه، وكان من نوابغ الإسلام، ومن وزراء النبي – صلى الله عليه وسلم – وخاصته، ولا يقدم عليه في الفضل إلا أبو بكر الصديق – رضي الله عنه - .
وقد وردت فضائله في أحاديث كثيرة منها قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قط إلا سلك فجاً غير فجك ) رواه البخاري ومسلم . وذلك لقوة دينه فلا سبيل للشيطان عليه.
ومن فضائله ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – قال: قال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدَّثون فإن يكُ في أمتي أحد فإنه عمر ) رواه البخاري ومسلم . ومعنى محدثون أي: ملهمون يلهمون الصواب وهي فضيلة عظيمة لعمر إذ اشتهر بآرائه التي ينزل القرآن الكريم بتأييدها .
ومن فضائله قوة دينه التي شهد بها النبي – صلى الله عليه وسلم - فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( بينا أنا نائم رأيت الناس عُرضوا علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعُرض علي عمر وعليه قميص اجتره، قالوا: فما أولته يا رسول الله ؟ قال: الدين ) رواه البخاري ومسلم .
ومن فضائله شهادة النبي – صلى الله عليه وسلم - له بأنه من الشهداء، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أُحُداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ، فرجف بهم، فضربه برجله، وقال: اثبت أُحُد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان ومعلوم من هو النبي والصديق وبقي الشهيدان وهما عمر وعثمان فهما اللذان ماتا مقتولين بيد أعداء الأمة ومنافقيها .
ومن فضائله شهادة النبي له بأنه من أهل الجنة فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حائط - بستان - من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - افتح له، وبشره بالجنة، ففتحت له، فإذا أبو بكر فبشرته بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو عمر ، فأخبرته بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان فأخبرته بما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله، ثم قال: الله المستعان ) رواه البخاري ومسلم .
وشهد الصحابة الكرام بفضله كما في أثر ابن عمر السابق . وكما روى ابن عباس – رضي الله عنه - قال: وُضِع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع، وأنا فيهم فلم يرعني إلا رجل آخذ منكبي فإذا علي بن أبي طالب ، فترحم على عمر ، وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقي الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت إني كنت كثيراً أسمع النبي - صلى الله عليه وسلم – يقول: ( ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ) رواه البخاري ومسلم .


الخليفة الراشد عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي – رضي الله عنه – الملقب بذي النورين لزواجه من ابنتي الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كان من أوائل من أسلم وهاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة المنورة، وهو ثالث الخلفاء الراشدين تولى الخلافة بعد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - بشورى من المسلمين واتفاق منهم .
من فضائله - رضي الله عنه – ما روته عائشة – رضي الله عنها - قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطجعا في بيتي، كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسوى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة : دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ) رواه مسلم . فهذه فضيلة عظيمة لعثمان – رضي الله عنه - إذ عُرف عنه شدة حيائه، وربما إذا رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - على حالته تلك لم يتكلم بما جاء لأجله، ولخرج دون أن تقضى حاجته، فسوى النبي – صلى الله عليه وسلم – ثيابه مراعاة له .
ومن فضائله أنه جهز جيش العسرة، واشترى مربداً – موضع تجفيف التمر - وتبرع به للمسجد، واشترى بئر رومه وجعلها وقفا للمسلمين، فعن الأَحنف بن قيس - رضي الله عنه - :قال : « خرجنا حجاجا، فقدمنا المدينة ونحن نريد الحج، فبينا نحن في منازلنا نضع رحالنا إذ أتانا آت، فقال: إن الناس قد اجتمعوا في المسجد وفزعوا، فانطلقنا، فإذا الناس مجتمعون على بئر في المسجد، فإذا علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص فإنا لكذلك إذ جاء عثمان وعليه ملاءة صفراء، قد قنّع بها رأسه، فقال: أهاهنا علي ؟ أهاهنا طلحة ؟ أهاهنا سعد ؟ قالوا: نعم، قال: فإني أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له ؟ فابتعته بعشرين ألفاً - أو بخمسة وعشرين ألفاً - فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال: اجعلها في مسجدنا وأجره لك، قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من يبتاع بئر رومة غفر الله له فابتعته بكذا وكذا، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: قد ابتعتها بكذا وكذا، قال: اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك، قالوا: اللهم نعم، قال فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظر في وجوه القوم، فقال: من جهز هؤلاء غفر الله له يعني جيش العسرة فجهزتهم حتى ما يفقدون عقالاً ولا خطاماً قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم اشهد، اللهم اشهد ) رواه النسائي .


ومن فضائله بشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالجنة، كما في حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه – السابق ذكره .
ومن فضائله ثناء الصحابة عليه فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: " كنا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نفاضل بينهم " رواه البخاري .


الخليفة الرابع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
أول من أسلم من الصبيان، وأول فدائي في الإسلام، حضر بدراً وأحدا وغيرها من المشاهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم – واستخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - على المدينة عند خروجه لغزوة تبوك .
من فضائله – رضي الله عنه – ما رواه سلمة بن الأكوع – رضي الله عنه -: قال كان علي – رضي الله عنه - قد تخلف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر، وكان به رمد فقال: أنا أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج علي فلحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( لأعطين الراية أو ليأخذن الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله، أو قال يحب الله ورسوله يفتح الله عليه، فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراية ففتح الله عليه ) رواه البخاري .


ومن فضائله ما رواه سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - :« أَنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- خَلَّفَ عليَّ بنَ أبي طالب في غزوة تبوك ، فقال : يا رسولَ الله، تُخَلِّفُني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكونَ مني بمنزلة هارون من موسى، غيرَ أنه لا نبيَّ بعدي ) رواه البخاري ومسلم . وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه - أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى كان تطييباً لخاطره ورفعاً لما توهمه من انتقاص في حقه بتخليفه على النساء والصبيان، فبين له - صلى الله عليه وسلم - أن ليس في الأمر انتقاص لحقك ولا تنزيل لقدرك وإن كنت استخلفتك على النساء والصبيان لك في هارون – عليه السلام – أسوة إذ استخلفه موسى – عليه السلام – على قومه من بعده فلم يظن في ذلك انتقاصاً، ولم يعد ذلك تنزيلاً من قدره، فطابت نفس علي – رضي الله عنه – لهذا البيان النبوي وسكنت نفسه .
ومن فضائله – رضي الله عنه – ما رواه سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: لما نزلت هذه الآية { فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ..} (آل عمران:61) دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليّا وفاطمة وحسناً وحُسيناً فقال: « ( اللهم هؤلاء أهلي ) أخرجه الترمذي . فهذا الحديث يدل على أنه – رضي الله عنه – من أهله الخاصين وأقربائه الأدنين .
هؤلاء هم الخلفاء الراشدون، صحابة نبلاء، وسادة أشراف، اختارهم الله لصحبة نبيه في حياته، واختارهم لخلافته بعد وفاته، فقاموا بما أوجب الله عليهم خير قيام، فنشروا الدين، وبلغوه مشارق الأرض ومغاربها، وأقاموا العدل، ونبذوا الظلم، فأحبوا الناس، وأحبهم الناس، نسأل الله أن يرزقنا حبهم وأن يوفقنا للسير على خطاهم .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:52 PM
الرد على دعاوى الغلو في آل البيت النبوي







يقال: أن كل مقرون بالمحبوب محبوب، وكل مقرون بالمكروه مكروه، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما تلك الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا


إذاً فالعاطفة الصادقة تشمل بعطفها وودها ليس المحب وحده، ولكن كل ما يتصل به، مما لم يمنع مانع من حبه والميل إليه، وبموجب هذه الطبيعة، وانطلاقا من هذه السجية، أحبت أمة الإسلام آل بيت نبيها - صلى الله عليه وسلم - وأنزلوهم المقام السامي، والمنزل الرفيع، وقدموهم في حبهم على حب أهليهم وأقربائهم، حتى قال أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – :" لقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب إلي أن أصل من قرابتي " متفق عليه .


ومما زاد هذه المودة الطبيعية قوة ما أخبر الله عنه من إرادته تطهير آل بيت نبيه وتزكيتهم، فقال سبحانه: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا }(الأحزاب:33)، وما أمر به النبي – صلى الله عليه وسلم – أمته من الصلاة عليه وعلى آله، فقال – عليه الصلاة والسلام - : ( قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) رواه البخاري . وما دعا به النبي – صلى الله عليه وسلم - لآل بيته أن يجعل الله عليهم صلواته وبركاته، حيث ألقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كساءً على فاطمة والحسن والحسين ثم وضع يده عليهم، ثم قال: ( اللهم إن هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد ) رواه الطبراني . ويقول الإمام الشافعي في حب آل النبي - صلى الله عليه وسلم -:
يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له


إذاً فلا إشكال في حب آل النبي - صلى الله عليه وسلم - وموالاتهم، بل هو محل إجماع عند أهل السنة جميعاً، ولكن الإشكال هو في الانحراف بهذه المحبة كشعور صادق نبيل إلى منهج من الغلو لا يرضي الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - كالقول بعصمتهم عن الخطأ، ووجوب طاعتهم، وكونهم يعلمون الغيب، وانحصار الولاية فيهم، وهي مسالك من البدع ينبغي الحذر منها، وبيان ضلال أصحابها.
دعوى عصمة أئمة آل البيت
غلت طائفة في آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - غلوا
عظيماً، إذ زعموا أن أئمة منهم ك علي والحسن والحسين معصومون من الخطأ فلا يقع منهم، ولا يجوز عليهم، يقول صاحب كتاب ( عقيدتنا في الإمامة ): " ونعتقد أن الإمام كالنبي، يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً . كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان، لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة، بلا فرق " أ.هـ
وللرد على هؤلاء نقول: إن دعوى العصمة باطلة بلا شك، والدليل على بطلانها انتفاء الدليل على وجودها، وعدم ادعاء الأئمة أنفسهم لهذه الصفة، والحقائق التاريخية التي تثبت وقوع الخطأ منهم، فقد حفظ لنا التاريخ كثيراً من المواقف التي تظهر بوضوح عدم اعتقاد الأئمة لأنفسهم العصمة، وعدم ادعائهم لها، ومعرفة معاصريهم بهذه الحقيقة، حيث تعاملوا معهم على أنهم بشر صالحون غير معصومين، فهذا علي - رضي الله عنه - يأمر ابن عباس أن يسير إلى الشام، قائلاً له سر إلى الشام، فقد وليتكها. فقال له ابن عباس : ما هذا برأي، معاوية أموي، وهو ابن عم عثمان ، وعامله على الشام، ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان ، أو أدنى – أقل - ما هو صانع أن يحبسني، قال علي : ولم ؟ قلت: لقرابة ما بيني وبينك، وأن كل من حمل عليك حمل علي. ولكن اكتب إليه، فمنِّّه وعده، فأبى علي ، وقال: لا والله، لا كان هذا أبدا " أ.هـ من "سير أعلام النبلاء". وهذه الحادثة تدل على أن علياً لم يكن يعتقد من نفسه العصمة وإلا لما قبل مراجعة ابن عباس - رضي الله عنه -، وأن ابن عباس لم يكن يعتقد في علي العصمة وإلا لما راجع علياً ، وأشار عليه بخلاف رأيه.
وحادثة أخرى تظهر هذه الحقيقة وتجليها، وهي ما كان عليه أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - في آخر أيامه من كثرة شكواه من أتباعه بسبب مخالفتهم إياه، وعصيانهم له، حتى كان من دعائه: " اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني، فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني، اللهم مث – أذب - قلوبهم كما يماث الملح في الماء، أما والله لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم " وكان يخاطبهم بمرارة بالغة فيقول: " يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم، ولم أعرفكم، معرفة والله جرت ندماً، وأعقبت سدماً، قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجرعتموني نغب – جرع – التهمام - الهم - أنفاساً، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان " أ.هـ من نهج البلاغة . فهل لو كانت العصمة ثابتة لعلي ، هل كان سيختار من ينغص عليه حياته، ويخالفه في رأيه، ويعصيه في أمره .!!


وهذا الحسن - رضي الله عنه - يتراجع عن رأي والده في قتال أهل الشام، ويوقع صلحاً يتنازل فيه عن الخلافة لمعاوية - رضي الله عنه – ثم لا يلبث الحسين – رضي الله عنه – أن يرجع عن نهج أخيه، ويخرج لقتال الأمويين، ويستجيب لنداءات أهل الكوفة، فهل كان الحسن مصيبا فيما ذهب إليه، ما يعني بالضرورة خطأ الحسين ، وإذا كان الحسين مصيباً فذلك يعني ضرورة خطأ الحسن ، والاحتمالان يدلان على جواز الخطأ عليهما، وهو أمر يقران به، ولم يدعيا يوما عصمتهما - رضي الله عنهما -.


وهذا الإمام الصادق جعفر بن محمد أحد الأئمة - رضي الله عنه - يوصي قوماً راحلين عن المدينة بالقول: " إنكم - إن شاء الله - من صالحي أهل مصركم، فأبلغوهم عني: من زعم أني إمام معصوم مفترض الطاعة، فأنا منه برئ، ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر ، فأنا منه برئ ". وروى حماد بن زيد ، عن أيوب قال: سمعت جعفراً يقول: " إنا والله لا نعلم كل ما يسألوننا عنه، ولغيرنا أعلم منا "، ذكر هذين الخبرين الذهبي في "سير أعلام النبلاء".


وقد مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - الحسن والحسين - رضي الله عنهما - بكونهما سيدا شباب أهل الجنة، وبكونهما ريحانتيه من الدنيا، وبأن الحسن سوف يصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين، ولم يرد مدحه لهما بالعصمة، وعِلْم الغيب، ووجوب الطاعة بإطلاق، ولا شك أن هذه الخصال أعظم ثواباً وأرفع منزلة فلو ثبتت لهما لمدحهما بها النبي - صلى الله عليه وسلم - .


أما الاستدلال على عصمة أئمة من آل البيت بقوله تعالى: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } (الأحزاب: 33) فالرد على هذا الاستدلال بهذه الآية من وجوه :
الوجه الأول: أن الآية عامة في كل آل البيت، فلم خصصتم بالعصمة البعض وأخرجتم البعض الآخر، فإن قلتم دلنا على ذلك حديث الكساء، قلنا حديث الكساء إنما ذكر فاطمة والحسن والحسين فلم أضفتم عليهم غيرهم .!!
الوجه الثاني: أن سياق الآية يدل على أن أزواجه داخلات في مدلول "أهل البيت"، وأنتم لم تقولوا بعصمتهن، والدليل على دخول أزواجه في مدلول الآية أن الله خاطبهن في بداية الآية، وقبلها، وبعدها، فقال سبحانه:{ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيراً }(الأحزاب:32-34).


الوجه الثالث: أن الآية نصت على أن الله يريد إذهاب الرجس عن أهل البيت، ولا يصح عقلا إرادة نفي شيء ليس بموجود أصلاً، وفي هذا دليل على أن آل بيته – صلى الله عليه وسلم – قد يتلبسون بشيء من الذنوب، وأن الله يريد إذهاب ذلك عنهم . ونصت الآية كذلك على أن الله يريد تطهير آل بيت نبيه، ومن المعلوم أن التطهير إنما يحصل لمن تلبس بشيء يحتاج إلى تطهير، والمعصوم طاهر من الذنوب، فليس بحاجة إلى تطهير، فدلت الآية على جواز ووقوع الذنوب من آل بيت النبي .


أما الاستدلال على عصمة أئمة آل البيت بقوله تعالى: { لا ينال عهدي الظالمين }(البقرة: 124)، حيث قالوا: إن العهد هنا هو الإمامة، وأن من شرط الإمام ألا يكون ظالما، قالوا والظلم أنواع: منها المعاصي وعليه فمن شرط الإمام أن يكون معصوما من جميع الذنوب، والجواب عن هذا أن لفظ الظلم وإن كان يطلق على كل مخالفة للشرع، إلا أن المراد به هنا مخصوص بما كان كفراً أو فسقاً، كارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر، ولهذا اشترط العلماء في الإمام أن يكون عدلا بمعنى أن يكون مجتنبا للكبائر غير مصر على الصغائر، - هذا فيما يتعلق بدينه - ولم يشترطوا فيه أن يكون معصوماً، وهذا الإمام علي يذكر شروط الإمامة فيقول: " وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة " أ.هـ نهج البلاغة ولم يقل – رضي الله عنه – يجب أن يكون الإمام معصوما لا يخطئ.

على أننا لو قبلنا بشرط العصمة في الأئمة، لما بقي في أمة الإسلام كلها إمام، إذ ما من أحد إلا ووقع في الخطأ أو قال به، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل بني آدم خطاء ) رواه ابن ماجه . حتى أئمة آل البيت أنفسهم أخطؤوا وندموا على أشياء عملوها كما أسلفنا بذكر أمثلة ذلك من قبل .




اعتقاد علم الأئمة بالغيب
لم يكتف الغلاة بادعائهم العصمة لبعض أئمة آل البيت، حتى زادوا على الغلو غلواً، فادعوا علمهم بالغيوب وانكشاف الحجب عنهم، يقول صاحب كتاب (عقيدتنا في الإمامة): " إن قوة الإلهام عند الإمام التي تسمى بالقوة القدسية تبلغ الكمال في أعلى درجاته، فيكون في صفاء نفسه القدسية على استعداد لتلقي المعلومات في كل وقت وفي كل حالة، فمتى توجه إلى شيء من الأشياء وأراد معرفته استطاع علمه بتلك القوة القدسية الإلهامية بلا توقف، ولا ترتيب مقدمات، ولا تلقين معلم . وتنجلي في نفسه المعلومات كما تنجلي المرئيات في المرآة الصافية لا غطش – عمى - فيها ولا إبهام .. وما سئلوا عن شيء إلا أجابوا عليه في وقته، ولم تمر على ألسنتهم كلمة ( لا أدري )، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة، أو التأمل أو نحو ذلك " أ.هـ .


والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن صاحب هذا العقيدة قد رفع مقام الأئمة فوق مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كان - صلى الله عليه وسلم – يسأل عن الشيء فيؤجل الإجابة عنه إلى حين نزول الوحي، وربما سئل عن الأمر فيجيب بقوله: لا أدري، كما سئل عن وقت الساعة، فقال: ( ما المسؤول عنها – الساعة – بأعلم من السائل ) متفق عليه . وسئل - عليه الصلاة والسلام - عن "الروح" فرد العلم بها إلى الله، كما قال تعالى: { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }(الإسراء:58) وأمر الله نبيه أن يصرّح بعدم علمه الغيب، فقال سبحانه:{ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء }(الأحقاف:9 ) فكيف يقال بعد ذلك: إن أئمة من آل البيت يعلمون الغيب، وتنجلي في نفوسهم المعلومات، لا شك أن ذلك مسلك من الغلو لم يرتضه الله ولا رسوله، ولا ادعاه هؤلاء الأئمة الكرام لأنفسهم، بل كانوا على غاية من التواضع والعلم بالله، ما يمنعهم من ادعاء ما اختص الله به { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله }(النمل:65).


وقد قال بعض أصحاب علي له: " لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك – عليه السلام – وقال للرجل: وكان من قبيلة تسمى كلب، يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلّمٌ من ذي علم، وإنما الغيب علم الساعة، وما عدده الله بقوله: { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت }(لقمان:34) فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام، من ذكر أو أنثى وقبيح أو جميل وسخي أو بخيل وشقي أو سعيد، ومن يكون في النار حطباً، ومن في الجنان للنبيين مرافقاً، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله، وما سوى ذلك علّمه الله نبيه – صلى الله عليه وسلم – فعلمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري، وتضطم – تنضم - عليه جوانحي " أ.هـ من نهج البلاغة، فهذا تصريح منه - عليه السلام - بأنه لا يعلم الغيب، ولا يدعيه، وما أخبر به مما فيه إخبار عن مستقبل آت، أوضح مصدره، وأنه من تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم – إياه، وإخباره عنه، فأين هذا من دعوى علم الغيب التي يدعيها الغلاة في أئمة آل البيت وفي مقدمتهم علي - عليه السلام - .


ومما يدل على انتفاء اتصاف علي بعلم الغيب من الوقائع التاريخية - زيادة على ما سبق - هو أنه لم يكن من رأيه – عليه السلام - اللجوء إلى التحكيم في وقعة صفين، ولكنه مال إلى موافقة أتباعه طلباً لوحدة الوصف وذرأًً للفتنة، ولو كان يعتقد من نفسه معرفة ما تؤول الأمور إليه لما وافقهم، ولو كانوا يعتقدون فيه - وهم أتباعه ومناصروه - علم الغيب لما خالفوه، فدل ذلك على أن نسبة علم الغيب لعلي كنسبة دم ابن يعقوب – عليهما السلام - إلى الذئب .




اعتقاد وجوب متابعتهم وأن الحق معهم
وبنى الغلاة على ما سبق من دعوى العصمة وعلم الغيب في الأئمة وجوب طاعتهم، والدخول في بيعتهم، وعدم جواز مخالفتهم، وأنهم " هم أولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وأنهم الشهداء على الناس، وأنهم أبواب الله، والسبل إليه، والأدلاء عليه، وأنهم عيبة – خاصته - علمه، وتراجمة وحيه، وأركان توحيده، وخزان معرفته، .. وأن مثلهم في هذه الأمة كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى.. وأن أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليهم وليه، وعدوهم عدوه، ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول، والراد على الرسول كالراد على الله تعالى. فيجب التسليم لهم والانقياد لأمرهم، والأخذ بقولهم " أ.هـ من كتاب ( عقيدتنا في الإمامة ).
وللرد على هذه الدعوى نقول: إن الطاعة على نوعين، النوع الأول: طاعة مطلقة، وهي طاعة الله وطاعة رسوله، قال تعالى: { وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون }(آل عمران: 132). والنوع الثاني: طاعة مقيدة بطاعة الله، وهي أنواع منها طاعة الرعية لحكامها، وطاعة الأمة لعلمائها، والأولاد لآبائهم، والزوجات لأزواجهم، فإن أريد بطاعة أئمة آل البيت النوع الثاني من الطاعة فلا إشكال، لكن بشرط موافقتها لطاعة الله ورسوله، وبهذا لا يتميزون عن غيرهم من علماء الأمة, أما إن أريد بالطاعة النوع الأول وهو الطاعة المطلقة فلا شك أنها من الغلو والتطرف في محبة آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم – إذ لم يفرض الله طاعة أحد بإطلاق سوى طاعته سبحانه وطاعة رسوله التابعة لطاعته، فكيف يقال إن الأئمة واجبو الطاعة وأن طاعتهم كطاعة الله .!!
ومما يُرد به على هذه الدعوى من الغلو في أئمة آل البيت أن أياً منهم - ولا سيما الصحابة منهم - لم يدع هذه الطاعة لنفسه، وفي الشواهد التي ذكرناها سابقاً ما يدل على ذلك.
أما الاستدلال على وجوب متابعتهم بإطلاق بحديث زيد بن أرقم - رضي الله عنه – أنه قال: قال - رسول الله صلى الله عليه وسلم - : ( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ) رواه الترمذي وقال: حسن غريب . فليس فيه دلالة سوى على وجوب متابعتهم في حال إجماعهم، وقد قال بحجية إجماع العترة جمع من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية . وليس في الحديث ما يدل على وجوب متابعة كل واحد منهم فهذا توسع في فهم الحديث لا يجوز .
ثم إن الحديث قرن بين العترة وبين الكتاب، وفي هذا تأكيد على أنه لا يصح أن يكون القول المخالف للكتاب واجب الاتباع، ولو قال به أحد هؤلاء الأئمة، فالحديث يبقي على الكتاب كمرجعية أساسية لا يمكن التنازل عنها .
ثم إن من المعلوم أن آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا طيلة هذه الأزمان على مذهب واحد، بل توزعتهم المذاهب والفرق، كما توزعت غيرهم، فادعاء طائفة ما أنهم أتباع آل البيت هو إلغاء لآل البيت من المذاهب الأخرى .
وما يؤكده العلماء - وهو ثابت لمن تتبع أقوالهم - أن علماء آل البيت لم يجتمعوا بحمد الله على ما يخالف عقيدة السلف، ولم ينسبوا لأنفسهم ما تقوّله الغلاة عليهم من العصمة وعلم الغيب ووجوب الطاعة بإطلاق، بل نهوا عن ذلك وبينوا فساده كما أسلفنا من ذكر آثارهم .
فما على المسلم إلا أن يستمسك بهدي القرآن والسنة في إنزال الناس منازلهم، وأن يحذر مما حذرا منه من الغلو في الدين والناس ورفعهم فوق أقدارهم، قال تعالى: { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق }(النساء:171) وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) رواه أحمد .
فإن الغلو في الدين قد جرّ النصارى من التوحيد إلى التثليث، ومن القول برسالة المسيح إلى القول بإلوهيته، وجرّ الغلاة في آل البيت من القول بصلاحهم وكونهم قدوة وأسوة إلى القول بعصمتهم وعلمهم الغيب حتى جعلوا قبورهم مزارا وملجأ ومغاثا فإنا لله وإنا إليه راجعون .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 05:53 PM
الزيدية .. نظرات في العقيدة والتاريخ












من المقولات المشهورة أكاديمياً القول بأن الزيدية: هم أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنة، وهي مقولة صائبة إلى حد كبير، إذا أريد بلقب "أهل السنة" مدلوله العام، وهو الذي يدخل فيه كل من أثبت الخلافة للخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي – رضوان الله عليهم جميعاً –.
ويثبت أكثر الزيدية الخلافة وفق هذا الترتيب، ويرون أن أبا بكر وعمر إماما عدل، إلا أن علياً – وفقاً لمعتقدهم - كان أولى بالخلافة منهما، من غير أن يبطلوا ولايتهما، فمذهبهم جواز ولاية المفضول - المستجمع شرائط الإمامة - مع وجود الفاضل .
وهذا الموقف من الشيخين أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – هو الذي شكل نقطة الافتراق بينهم وبين الرافضة. حيث يذكر الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" عن عيسى بن يونس أنه قال: " جاءت الرافضة زيداً، فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى ننصرك، قال: بل أتولاهما. قالوا: إذا نرفضك، فمن ثم قيل لهم: الرافضة. وأما الزيدية، فقالوا بقوله، وحاربوا معه "، وانتسبوا إليه .
ترجمة زيد بن علي
هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه – أبو الحسين الهاشمي العلوي المدني أخو أبي جعفر الباقر . ولد سنة 75هـ، وتتلمذ على أخيه الأكبر الباقر ، وعلى يد واصل بن عطاء الغزال شيخ المعتزلة، ورئيسهم، ومنه اقتبس الاعتزال، وتبعه أصحابه فأضحى كلهم معتزلة.
وجرت بينه وبين أخيه الباقر مناظرات ينكر عليه فيها تتلمذه على يد واصل بن عطاء المعتزلي ، بسبب أقواله التي يرى الباقر مخالفتها لمذهبه، كقوله: بجواز الخطأ على علي - رضي الله عنه - في قتاله أصحاب الجمل، وقوله في القدر: وأن الإنسان يخلق فعله، وقوله: بأن من شرط الإمام الخروج على أئمة الجور، فمن لم يخرج لا يعد إماماً؛ حتى قال الباقر لزيد يوماً: على مقتضى مذهبك: والدك ( علي زين العابدين ) ليس بإمام؛ فإنه لم يخرج قط، ولا تعرّض للخروج .
قال عنه الذهبي: " وكان ذا علم وجلالة وصلاح .. وفد على متولي العراق يوسف بن عمر، فأحسن جائزته، ثم رُدَّ، فأتاه قوم من الكوفة، فقالوا: ارجع نبايعك، فما يوسف بشيء، فأصغى إليهم وعسكر، فبرز لحربه عسكر يوسف، فقُتل في المعركة، ثم صُلب أربع سنين ". وكان مقتله زمن هشام بن عبد الملك الأموي، ليلة الجمعة لخمس بقين من محرم سنة اثنتين وعشرين ومائة من الهجرة النبوية.

ويُنسب إلى زيد كتب، أشهرها كتاب المجموع في الحديث، وكتاب المجموع في الفقه، وهما كتاب واحد اسمه المجموع الكبير، رواهما عنه تلميذه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي الهاشمي الذي مات في الربع الثالث من القرن الثاني للهجرة .
خلفاء زيد وعلماء الزيدية
وقد خلف زيداً من بعد ابنه يحيى المولود سنة سبع وتسعين، حيث سار على درب والده في قتال الأمويين، فمضى إلى خراسان، واجتمعت عليه جماعة كثيرة، قاتل بهم حتى قتله أميرها. وذلك سنة ست وعشرين ومائة في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك الأُموي .
وفُوِّض الأمر بعد يحيى إلى محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن علي حيث خرج محمد المعروف - بالنفس الزكية – في المدينة، فقتله عاملها عيسى بن ماهان ، وخرج إبراهيم من بعده بالبصرة، فكان مقتله فيها بأمر من المنصور .
وظهر أمر الزيدية بعد ذلك بخراسان على يد صاحبهم: ناصر الأطروش (230 ـ 304هـ) ، الذي طلبته الدولة، فاختفى، واعتزل الأمر، وصار إلى بلاد الديلم والجبل، فوجدهم على الكفر، ولم يدينوا بدين الإسلام بعد؛ فدعاهم إلى الإسلام على مذهب زيد بن علي فدانوا بذلك، ونشؤوا عليه . وبقي أمر الزيدية في تلك البلاد ظاهراً.
وأقام دولة الزيدية في اليمن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم (245ـ 298هـ)، فكان ممن حارب القرامطة فيها، وله أتباع عرفوا باسم "الهادوية" منتشرين في اليمن والحجاز وما والاها.
موقفهم من الإمامة
يعتقد الزيدية بوجوب أن يكون الإمام عدلا مصلحاً مجتهدا يساوي الرعية بنفسه، ويقوم على مصالحهم، ويرعى شأنهم، ويرون أن لا ولاية لظالم، بل يجب الخروج عليه، ومنازعته سلطانه، وعلى هذا الأساس خرج زيد بن علي . ويرون – أي الزيدية - أن أهل البيت النبوي أحق بالخلافة من غيرهم، وأن الخلافة هي في علي ومن بعده الحسن ، ومن بعده الحسين ، ثم في أولاد الحسن والحسين ممن توفرت فيه الشروط المعتبرة، من الشجاعة والعلم والاجتهاد، فمن حاز الإمامة بالسيف منهم فقد وجبت بيعته، وعظمت على الناس طاعته .
عقائد الزيدية
عقائد الزيدية لا تختلف كثيرا عن عقائد المعتزلة، إذ قالوا: بخلق القرآن، ونفوا علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه، وأولوا الصفات الخبرية كالمجيء والنزول والعينين، ونفوا أن يكون الله خالقاً لأفعال العباد، وقالوا بأن العباد خالقون لأفعالهم، خيراً كانت أم شراً، وأوجبوا اتباع آل البيت النبوي، وقالوا: أن من خرج عن دائرتهم فدينه مرذول، وإسلامه مدخول. وحكموا بكفر أصحاب الكبائر في الآخرة وخلودهم في النار، وقالوا: إن صاحب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، لا يقال مؤمن، ولا يقال كافر، بل هو فاسق عاص . ونفوا الشفاعة لأهل الكبائر، وأنكروا رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة .

ولا يؤمن الزيدية بالرجعة، ولا بالمهدي المنتظر، ولا يرى عامتهم عصمة أئمة أهل البيت، ويستنكرون القول بأن الله تظهر له أمور كانت خافية فيغير قدره، وهي نظرية البداء التي قال بها المختار الثقفي، حيث إن الزيدية تقرر أن علم الله قديم غير متغير، وكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ . كما أنهم في الفروع على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان إلا في اليسير من الفروع وافقوا فيه الشافعية والشيعة الجعفرية . وجوزوا خروج إمامين في قطرين، يستجمعان خصال الإمامة، ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة.
فرق الزيدية
وافترقت الزيدية - كغيرها من الفرق - إلى مذاهب متعددة، فمن فرقها:
1. الجارودية أصحاب: أبي الجارود زياد بن أبي زياد الذين زعموا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصّ على علي - رضي الله عنه - بالوصف دون التسمية؛ وهو الإمام بعده. والناس قصّروا؛ حيث لم يتعرفوا عليه بالوصف.

2. السليمانية: أصحاب سليمان بن جرير ، وكان يقول: إن الإمامة شورى فيما بين الخلق، ويصح أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، وإنها تصح في المفضول، مع وجود الأفضل. وأثبت إمامة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - حقاً اجتهادياً باختيار الأمة. وربما كان يقول: إن الأمة أخطأت في البيعة لهما مع وجود علي - رضي الله عنه - خطأً لا يبلغ درجة الفسق، وذلك الخطأ: خطأ اجتهادي. غير أنه طعن في عثمان رضي الله عنه.
3- الصالحية والبترية: فالصالحية:أصحاب الحسن بن صالح بن حي والبترية: أصحاب كثير النوى الأبتر. وهما متفقان في المذهب. وقولهما في الإمامة كقول السليمانية؛ إلا أنهم توقفتا في أمر عثمان - رضي الله عنه -، وأما علي ؛ فهو – عندهم - أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأولاهم بالإمامة، لكنه سلّم الأمر لهم راضياً، وفوض إليهم الأمر طائعاً، وترك حقه راغباً. فنحن راضون بما رضي، وهم الذين جوزوا: إمامة المفضول، وتأخير الأفضل؛ إذا كان الأفضل راضياً بذلك.
وقالوا: إن من شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين - رضي الله عنهما - وكان: عالماً، زاهداً، شجاعاً؛ فهو الإمام .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:25 PM
الباطنية أصولهم وعقائدهم
















يقول البغدادي في الفرق بين الفرق (382) : " اعلموا أسعدكم الله أن ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم، بل وأعظم من الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم"، فالباطنية ليست مذهبا إسلاميا أو فرقة من فرق أهل الإسلام، وإنما هي مذهب وطريقة أراد بها واضعوها هدم الإسلام وإبطاله عقيدة وشريعة، كما ذكر ذلك الإمام الغزالي في كتابه "فضائح الباطنية".
متى ظهر مذهب الباطنية :
اختلف الباحثون في تحديد زمن ظهور مذهب الباطنية وهو خلاف مبرر، إذ من أصول مذهبهم عدم نشر عقائدهم وأفكارهم، فهم يأخذون العهود والمواثيق على من يدخل في مذهبهم ألا يظهر شيئا منها، ويعدون ذلك من أصول دينهم وأركانه التي لا يجوز الإخلال بها، ويرى الإمام السيوطي أن أول ظهور للباطنية كان في سنة اثنتين وتسعين للهجرة، وذهب البعض إلى أن ظهورهم كان سنة 205هـ وقال آخرون سنة 250 ، ويرى البعض أن ظهور مذهب الباطنية كان سنة 276هـ حينما قام زعيمهم ميمون القداح بإنشاء هذا المذهب.
ألقاب الباطنية :
ألقاب الباطنية تمثل الأوصاف التي اتصفوا بها، وكان لكل لقب أطلق عليهم سبب ، فمن ألقابهم :
1. الباطنية: ولقبوا به لدعواهم أن لظواهر القرآن وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم بواطن تجرى في الظواهر مجرى اللب من القشر، وتلك البواطن رموز وإشارات إلى حقائق معينة، وأن من تقاعس عقله عن الغوص في الخفايا والأسرار والبواطن، أبتلي بالأغلال والآصار التي يعنون بها التكليفات الشرعية، التي تنحل عمن ارتقى إلى علم الباطن فيستريح من أعبائه.

2. القرامطة : ولقبوا بهذا اللقب نسبة إلى رجل يقال له حمدان قرمط كان أحد دعاتهم وقادتهم، فسمي أتباعه قرامطة وقرمطية.

3. الخرمية : ولقبوا به نسبة إلى أصل هذا اللفظ "خرم" وهو اسم اعجمي بمعنى الشئ المستلذ المستطاب الذي يرتاح الإنسان بمشاهدته ويهتز لرؤيته، وهذا اللقب دال على حاصل مذهبهم وزبدته، فإنه راجع إلى طي بساط التكليف، وحط أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع اللذات، وطلب الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمات، وربما كان سبب إطلاق هذا اللقب ما سيأتي عند الحديث عن لقب "البابكية" .

4. البابكية : نسبة إلى زعيم من زعمائهم وطاغية من طغاتهم يسمى بابك الخرمي، ظهر سنة إحدى ومائتين بناحية أذربيجان، وكان زنديقا حارب جيوش المسلمين فهزمهم فاستطار شره وعلا أمره فخافه الناس، وبقي عشرين سنة يعيث في الأرض فسادا، فقتل مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفاً وخمسمائة، وكان إذا علم أن أحداً عنده بنت جميلة أو أخت طلبها منه، فإن بعثها إليه وإلا أخذها عنوة، واشتدت وطأته على جيوش المسلمين حتى مزق جندهم وبددهم، إلى أن أذن الله بهلاكه وزوال أمره، فبعث المعتصم بالله جيوشا لحربه فهزموه وأتباعه، وأخذوا بابك وصلبوه، فتفرق أمر أتباعه وتشتتوا شذر مذر، ويذكر المؤرخون أنه بقيت من البابكية جماعة، يقال: إن لهم ليلة يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم ويطفئون سرجهم وشموعهم ثم يثب كل رجل إلى إمرأة فيظفر بها، ويزعمون أن من استولى على امرأة استحلها بالاصطياد.

5. الإسماعيلية : نسبة إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق الذي يزعمون أنه إمامهم، ويرون أن أدوار الإمامية انتهت به، إذ كان هو السابع بمحمد صلى الله عليه وسلم.

6. المحمرة: ولقبوا به لأنهم صبغوا ثيابهم بالحمرة أيام بابك الخرمي، ولبسوها وكان ذلك شعارهم، وقيل : سببه أنهم يقررون أن كل من خالفهم من الفرق وأهل الحق حمير.

7. التعليمية: ولقبوا بذلك لأن مذهبهم قائم على إبطال الرأي وإبطال تصرف العقول ودعوة الخلق إلى التعلم من الإمام المعصوم، وأنه لا مدرك للعلوم إلا من خلاله.


عقائد الباطنية :
مذهب الباطنية كاسمه مستبطن غير ظاهر، وإنما عرفت مذاهبهم وعقائدهم - مع حرصهموتشددهم في إخفائها- عن طريق من أسلم منهم، أما هم فينكرون تلك المذاهب، ويظهرونلكل ذي ملة أو مذهب ما يحب، فإن أتوا النصارى أظهروا لهم القول بالتثليت وأكدوا لهم ألوهية المسيح، وإن أتوا اليهود أظهروا لهم بغض المسلمين والنصارى، وإن التقوا بزاهد أظهروا الزهد في الدنيا ومجانبة أهلها، فهم يلبسون لكل حالة لبوسها، حتى إذا أمن لهم ألقوا عليه شبهاتهم، ودعوه إلى الدخول في مذهبهم، وكشفوا له عقائدهم، بعد حرص وتحر شديد خشية أن يرتد عنهم .

فمن عقائدهم :
1. قولهم بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني، واسم العلة السابق واسم المعلول التالي، وأن السابق هو الخالق بواسطة التالي لا بنفسه، وهو مذهب مأخوذ عن الكفار من الثنوية والمجوس في قولهم بإلاهين " إله النور وإله الظلمة " فلم يغيروا سوى الأسماء.

2. اعتقادهم أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه قوة قدسية من السابق بواسطة التالي.

3. اعتقادهم أن القرآن عبارة عن تعبير النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن المعارف التي فاضت عليه وتسميته كلام الله من باب المجاز.

4. اعتقادهم أن لا بد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق، يُرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكالات في القرآن والأخبار والمعقولات، واتفقوا على أن الامام يساوي النبي في العصمة والاطلاع على الحقائق في كل الأمور، إلا أنه لا ينزل عليه الوحي، وإنما يتلقى ذلك من النبي، فإنه خليفته وبإزاء منزلته، ولكل زمن إمامه ولا يخلو زمن من إمام.

5. اعتقادهم أن لكل شريعة نبوية مدة زمنية، إذا انصرمت بعث الله نبيا آخر ينسخ شريعته، ومدة شريعة كل نبي سبعة أعمار، وأن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم نسخت بمجيء الإمام السابع جعفر بن محمد - وفق زعمهم - .

6. اتفق الباطنية على إنكار القيامة والبعث والنشور، وأن هذا النظام المشاهد في الدنيا من تعاقب الليل والنهار، وحصول الإنسان من نطفة وتولد النبات، وتولد الحيوانات لا يتصرم أبدا الدهر، وأن السموات والأرض لا يتصور انعدام أجسامهما، وقالوا عن القيامة: إنها رمز لخروج الإمام وقيام قائم الزمان وهو السابع الناسخ للشرع المغير للأمر .

7. أنكروا الجنة والنار، وقالوا معنى المعاد عود كل شئ إلى أصله، والإنسان مركب من العالم الروحاني والجسماني، أما الجسماني فينحل إلى ما تركب منه، ويعود كل خلط إلى أصله وطبيعته، وذلك هو معاد الجسد، وأما الروحاني وهو النفس فإنها إن كانت صالحة - وفق مذهبهم - اتحدت عند مفارقة الجسم بالعالم الروحاني الذي منه انفصالها وفي ذلك سعادتها، فأما النفوس المنكوسة فإنها تبقى أبد الدهر في العالم الجسماني، تتناسخها الأبدان فلا تزال تتعرض فيها للألم والأسقام فلا تفارق جسدا إلا ويتلقاها جسد آخر، وهذا عين مذهب البراهمة الهندوس.

8. يعتقدون الإباحية المطلقة، والتفلت التام من التكاليف الشرعية، ويرون أنها أغلال وآصار انحلت عنهم لاتباعهم الإمام المعصوم.

9. اعتقاد بعضهم ألوهية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقالوا وإنما ظهر في صورة الناموس ليؤنس خلقه، وفيه قال قائلهم :
أشهد أن لا إله إلا * حيدرة الأنزع البطين
ولا حجاب عليه إلا * محمد الصادق الأمين
ولا طريق إليه إلا * سلمان ذو القوة المتين



نماذج من تأويلات الباطنية
سبق أن دين الباطنية قائم على تحريف ظواهر الكتاب والسنة إلى معان مستبطنة، فمن أمثلة تحريفاتهم الساذجة:

قالوا: إن معنى الزنا ليس هو إيلاج فرج في فرج محرم، وإنما المراد به إلقاء نطفة العلم الباطن في نفس من لم يسبق معه عقد العهد، وعليه فلا يرى الباطنية حرجا في استباحة الزنا ، وزعموا أيضا أن الطهور ليس هو الوضوء المعروف، وإنما المراد به التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى مبايعة الامام .

وزعموا إن الصيام ليس معناه الإمساك عن المفطرات في وقت مخصوص، وإنما الصيام الامساك عن كشف السر .

أما الطواف بالبيت سبعا فقالوا هو الطواف بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى تمام الأئمة السبعة، وأولوا الصلوات الخمس بأنها أدلة على الأصول الأربعة وعلى الإمام، وعليه فلا حاجة لأداء هذه الصلوات المعهودة عند المسلمين.

ومن نماذج تأويلاتهم لمعجزات الأنبياء، تأويلهم طوفان نوح عليه السلام بأنه طوفان العلم الذي أغرق المتمسكين بظواهر الكتاب والسنة، وأن نار إبراهيم عليه السلام التي ألقي فيها هي عبارة عن غضب النمرود، وليست نارا حقيقة، وزعموا أن جن سليمان هم باطنية ذلك الزمان والشياطين هم الظاهرية الذين كلفوا بالأعمال الشاقة، إلى آخر هذيانهم الذي يضحك الثكلى، لسخافة عقلوهم وسذاجتها!!


من فظائع الباطنية :
إذا كان الحديث عن عقائد الباطنية يبين العمق الفكري لهذه الشرذمة، فإن ممارساتهم مع المسلمين - عندما يشعرون بنوع من القوة - تبين مدى الحقد الذي يضطرم في قلوبهم تجاه المسلمين، وللتذكير فإن تاريخ المسلمين مع الباطنية تاريخ مليء بالدماء، ونحن في هذه العجالة لن نسطر الكثير من فظائعهم، فيكفينا بعضها، وربما كان الحدث الأعظم الذي حل بالمسلمين من جهة الباطنية في أعظم بقعة وأجلها، وفي خير الأيام وأفضلها، على يد شر البرية وأرذلها، هو ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله في كتابه البداية والنهاية (11/160) حيث يقول: " فيها - أي في سنة 317هـ - خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها، وفي المسجد الحرام، وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقا كثيرا، وجلس أميرهم أبو طاهر - لعنه الله - على باب الكعبة، والرجال تُصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس .. وهو يقول : أنا لله، وبالله، أنا أنا، أخلق الخلق وأفنيهم أنا، فكان الناس يفرون منهم، فيتعلقون بأستار الكعبة، فلا يجدي ذلك عنهم شيئا، بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون في الطواف، فلما قضى القرمطي - لعنه الله - أمره، وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودَفَنَ كثيرا منهم في أماكنهم من الحرم .. ومع هذا لم يغسلوا ولم يكفنوا ولم يصل عليهم، لأنهم محرمون شهداء في نفس الأمر، وهدم قبة زمزم، وأمر بقلع الكعبة، ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار ، فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، فجاءه رجل فضربه بمثقل في يده، وقال: أين الطير الأبابيل أين الحجارة من سجيل، ثم قلع الحجر الأسود، وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه .. في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة فإنا لله وإنا إليه راجعون "


الرد على الباطنية

مذهب الباطنية - كما سبق - مذهب قائم على أنه لا طريق للعلوم إلا من خلال الإمام المعصوم، وكل سبيل سوى ذلك - وفق زعمهم - فغي وهوى، فالإمام هو الذي يفسر النصوص وتفسيره قطعي لا تجوز مخالفته، واتباعه والأخذ عنه واجب وجوب متابعة النبيصلى الله عليه وسلم وتصديقه، فهذا هو أساس مذهبهم، ولب منهجهم، فإبطاله ونقضه إبطاللسائر المذهب.

وعليه فإنا نسأل الباطنية عن سبب ترجيحهم خبر إمامهم المعصوم في إنكار الجنة والنار والحشر والنشر والقيامة وغير ذلك من شرائع الإسلام وعقائده، هذا ولا معجزة لإمامهم ولا دليل على صدقه، وتقديم خبره على خبر سيد الخلق صلى الله عليه وسلم صاحب المعجزات العظام وفي مقدمتها القرآن الكريم الذي أخبر بكل ما أنكرته الباطنية من عقائد الإسلام وشرائعه !! فإن قالوا إن ما في القرآن ظواهر، ولتلك الظواهر بواطن لم يفهمها سوى الإمام المعصوم، فتعلمنا منه، قلنا : وما يؤمنكم أن لفظ الإمام المعصوم له باطن لم تطلعوا عليه، فلا تثقوا بما فهمتوه عنه من ظاهر لفظه، فإن زعموا أنه صرح لهم، وقال: ما ذكرته لكم هو ظاهر لا رمز فيه والمراد ظاهره، قلنا وبم عرفتم أن قوله هذا أيضا ظاهر وفيه رمز إلى مالم تطلعوا عليه ؟ فلايزال يصرح بلفظه، ونحن نقول لسنا ممن يغتر بالظواهر، فلعل تحته رمزا وإن أنكر الباطن، فنقول تحت انكاره رمز، وإن حلف بالطلاق الثلاث على أنه ما قصد إلا الظاهر ، فنقول : في طلاقه رمز، وإنما هو مظهر شيئا ومضمر غيره، فإن قالوا: فذلك يؤدي إلى حسم باب التفهيم فلا يمكن أن يفهم أحد خطاب غيره بمثل هذا الطريقة، قلنا فأنتم حسمتم باب التفهيم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ذلك أن القرآن مليء بوصف الجنة والنار والحشر والنشر مؤكد بالقسم والأيمان، وأنتم تقولون لعل تحت ذلك رمزا فما قلتموه في حق أخبار القرآن والسنة لزمكم في حق قول معصومكم !! وهذا إلزام لا جواب لهم عنه أبد الدهر، وعند هذا ينبغي أن يعرف الانسان أن رتبة هذه الفرقة أخس من رتبة كل فرقة من فرق الضلال.

ويقال لهم في إبطال مذهبهم : أرأيتم هذه البواطن والتأويلات التي ذكرتموها - لو سلمنا لكم صحتها - فما حكمها في الشرع أيجب إخفاؤها أم يجب إفشاؤها ؟ فإن قلتم يجب إفشاؤها، قلنا: فلم كتمها محمد صلى الله عليه وسلم فلم يذكر شيئا من ذلك لا للصحابة ولا لعامة الخلق ، فهل استجاز صلى الله عليه وسلم - وحاشاه - كتمان دين الله، وقد قال تعالى :{ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته }(المائدة:67) ، وإن زعموا أنه يجب إخفاؤه، فنقول: ما أوجب الرسول صلى الله عليه وسلم إخفاؤه من سر الدين كيف حل لكم إفشاؤه ؟!! ولم أفشيتم هذا السر وخرقتم هذا الحجاب ؟!! وهل هذا إلا خروج عن الدين، ومخالفة لصاحب الشرع، وهذا لا مخرج لهم عنه.

أولئك هم الباطنية وذاك هو تاريخهم، وتلك هي شنائعهم، عرضناها لك - أخي القاريء- لتعرف خطر تلك الفرقة التي ما نشأت إلا لهدم الإسلام وتقويض شعائره وعقائده .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:28 PM
المعتزلة أصولهم وعقائدهم








تعريفهم : المعتزلة فرقة إسلامية تنتسب إلى واصل بن عطاء الغزال، تميزت بتقديم العقل على النقل، وبالأصول الخمسة التي تعتبر قاسما مشتركا بين جميع فرقها، من أسمائها القدرية والوعيدية والعدلية، سموا معتزلة لاعتزال مؤسسها مجلس الحسن البصري بعد خلافه معه حول حكم الفاسق .
مؤسسها :
واصل بن عطاء الغزال: قال الإمام الذهبي في ترجمته في السير :" البليغ الأفوه أبو حذيفة المخزومي مولاهم البصري الغزال .. مولده سنة ثمانين بالمدينة، .. طرده الحسن عن مجلسه لما قال الفاسق لا مؤمن ولا كافر فانضم إليه عمرو واعتزلا حلقة الحسن فسموا المعتزلة "
عمرو بن عبيد: قال الذهبي في ترجمته في السير : " عمرو بن عبيد الزاهد العابد القدري كبير المعتزلة .. قال ابن المبارك دعا - أي عمرو بن عبيد - إلى القدر فتركوه، وقال معاذ بن معاذ سمعت عمروا يقول إن كانت { تبت يدا أبي لهب } في اللوح المحفوظ فما لله على ابن آدم حجة، وسمعته ذكر حديث الصادق المصدوق، فقال : لو سمعت الأعمش يقوله لكذبته، إلى أن قال ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرددته .. مات بطريق مكة سنة ثلاث وقيل سنة أربع وأربعين ومائة "

العقائد والأفكار :
بدأت المعتزلة بفكرة أو بعقيدة واحدة، ثم تطور خلافها فيما بعد، ولم يقف عند حدود تلك المسألة، بل تجاوزها ليشكل منظومة من العقائد والأفكار، والتي في مقدمتها الأصول الخمسة الشهيرة التي لا يعد معتزليا من لم يقل بها، وسوف نعرض لتلك الأصول ولبعض العقائد غيرها، ونبتدئ بذكر الأصول الخمسة:
1- التوحيد: ويعنون به إثبات وحدانيته سبحانه ونفي المثل عنه، وأدرجوا تحته نفي صفات الله سبحانه، فهم لا يصفون الله إلا بالسلوب، فيقولون عن الله : لا جوهر ولا عرض ولا طويل ولا عريض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا بذي حرارة ولا برودة .. إلخ، أما الصفات الثبوتية كالعلم والقدرة فينفونها عن الله سبحانه تحت حجة أن في إثباتها إثبات لقدمها، وإثبات قدمها إثبات لقديم غير الله، قالوا : ولو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الألوهية، فكان التوحيد عندهم مقتضيا نفي الصفات.

2- العدل: ويعنون به قياس أحكام الله سبحانه على ما يقتضيه العقل والحكمة، وبناء على ذلك نفوا أمورا وأوجبوا أخرى، فنفوا أن يكون الله خالقا لأفعال عباده، وقالوا: إن العباد هم الخالقون لأفعال أنفسهم إن خيرا وإن شرا، قال أبو محمد ابن حزم: " قالت المعتزلة: بأسرها حاشا ضرار بن عبد الله الغطفاني الكوفي ومن وافقه كحفص الفرد وكلثوم وأصحابه إن جميع أفعال العباد من حركاتهم وسكونهم في أقوالهم وأفعالهم وعقودهم لم يخلقها الله عز وجل ". وأوجبوا على الخالق سبحانه فعل الأصلح لعباده، قال الشهرستاني:" اتفقوا - أي المعتزلة - على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف وسموا هذا النمط عدلا "، وقالوا أيضا بأن العقل مستقل بالتحسين والتقبيح، فما حسنه العقل كان حسنا، وما قبحه كان قبيحا، وأوجبوا الثواب على فعل ما استحسنه العقل، والعقاب على فعل ما استقبحه.

3- المنزلة بين المنزلتين: وهذا الأصل يوضح حكم الفاسق في الدنيا عند المعتزلة، وهي المسألة التي اختلف فيها واصل بن عطاء مع الحسن البصري، إذ يعتقد المعتزلة أن الفاسق في الدنيا لا يسمى مؤمنا بوجه من الوجوه، ولا يسمى كافرا بل هو في منزلة بين هاتين المنزلتين، فإن تاب رجع إلى إيمانه، وإن مات مصرا على فسقه كان من المخلدين في عذاب جهنم.

4- الوعد والوعيد: والمقصود به إنفاذ الوعيد في الآخرة على أصحاب الكبائر وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، ولا يخرج أحدا منهم من النار، فهم كفار خارجون عن الملة مخلدون في نار جهنم، قال الشهرستاني:" واتفقوا - أي المعتزلة - على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض .. وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار وسموا هذا النمط وعدا ووعيدا "

5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا الأصل يوضح موقف المعتزلة من أصحاب الكبائر سواء أكانوا حكاما أم محكومين، قال الإمام الأشعري في المقالات :" وأجمعت المعتزلة إلا الأصم على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع الإمكان والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك" فهم يرون قتال أئمة الجور لمجرد فسقهم، ووجوب الخروج عليهم عند القدرة على ذلك وغلبة الظن بحصول الغلبة وإزالة المنكر .

هذه هي أصول المعتزلة الخمسة التي اتفقوا عليها، وهناك عقائد أخرى للمعتزلة منها ما هو محل اتفاق بينهم، ومنها ما اختلفوا فيه، فمن تلك العقائد :

6- نفيهم رؤية الله عز وجل: حيث أجمعت المعتزلة على أن الله سبحانه لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، قالوا لأن في إثبات الرؤية إثبات الجهة لله سبحانه وهو منزه عن الجهة والمكان، وتأولوا قوله تعالى :{ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } أي منتظرة .

7- قولهم بأن القرآن مخلوق: وقالوا إن الله كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة.

8- نفيهم علو الله سبحانه، وتأولوا الاستواء في قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } بالاستيلاء .

9- نفيهم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته . قال الإمام الأشعري في المقالات : " واختلفوا في شفاعة رسول الله هل هي لأهل الكبائر فأنكرت المعتزلة ذلك وقالت بإبطاله "

10- نفيهم كرامات الأولياء، قالوا لو ثبتت كرامات الأولياء لاشتبه الولي بالنبي .

فرق المعتزلة
عادةً ما تبدأ الفرق في عددها وأفكارها صغيرة ثم ما تلبث أن تتشعب وتتفرق، فتصبح الفرقة فرقاً والشيعة شيعاً، وهكذا كان الحال مع المعتزلة فقد بدأت فرقة واحدة ذات مسائل محدودة، ثم ما لبثت أن زادت فرقها، وتكاثرت أقوالها وتشعبت، حتى غدت فرقا وأحزابا متعددة، ونحاول في هذا المبحث أن نذكر بعضا من تلك الفرق، ونقدم موجزاً تعريفياً بها وبمؤسسها، مع ذكر بعض أقوالها التي شذت بها عن أصحابها المعتزلة، فمن فرق المعتزلة:

1- الواصلية: وهم أصحاب أبى حذيفة واصل بن عطاء الغزال، كان تلميذا للحسن البصري يقرأ عليه العلوم والأخبار، ثم فارقه بسبب خلافه معه في مسألة مرتكب الكبيرة، وقول واصل فيه بأنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين .

2- الهذيلية: وهم أصحاب أبي الهذيل حمدان بن الهذيل العلاّف شيخ العتزلة ومقدمهم، أخذ الإعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء، من مفردات قوله: أن حركات أهل الجنة والنار تنقطع وأنهم يصيرون إلى سكون دائم خمودا، وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار.

3- النظامية: أتباع إبراهيم بن يسار بن هانئ النظّام كان قد خلط كلام الفلاسفة بكلام المعتزلة، وانفرد عن أصحابه بمسائل منها قوله: أن الباري سبحانه لا يوصف بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا، ولا على أن ينقص منه شيئا، وكذلك لا ينقص من نعيم أهل الجنة، ولا أن يخرج أحدا من أهل الجنة، وليس ذلك مقدورا له، وقد ألزم بأن يكون البارى تعالى مجبورا على ما يفعله تعالى الله .

4- الخابطية والحدثية: أصحاب أحمد بن خابط وكذلك الحدثية أصحاب الفضل الحدثي، كانا من أصحاب النظام وطالعا كتب الفلاسفة، ومن مفردات أقوالهما القول - موافقة للنصارى- بأن المسيح عليه السلام يحاسب الخلق في الآخرة . وكذلك قولهم: أن الرؤية التي جاءت في الأحاديث، كقوله صلى الله عليه وسلم: ( إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون فى رؤيته ) متفق عليه، هي رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع وهو العقل الفعّال الذي منه تفيض الصور على الموجودات، فهو الذي يظهر يوم القيامة وترفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه فيرونه كمثل القمر ليلة البدر فأما واهب العقل "الله" فلا يُرى.

5- البشرية: أصحاب بشر بن المعتمر كان من علماء المعتزلة ، قال الذهبي: " وكان .. ذكيا فطنا لم يؤت الهدى، وطال عمره فما ارعوى، وكان يقع في أبي الهذيل العلاف وينسبه إلى النفاق " من أقواله :" أن الله تعالى قادر على تعذيب الأطفال وإذا فعل ذلك فهو ظالم " .

6- المردارية: أصحاب عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمردار، ويسمى راهب المعتزلة، من مفردات أقواله : أن الله تعالى يقدر على أن يكذب و يظلم ولو كذب وظلم كان إلها كاذبا ظالما تعالى الله، وقال إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظما وبلاغة، وكان مبالغا في القول بخلق القرآن وتكفير من خالفه، وقد سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعاً فكفّرهم، فأقبل عليه إبراهيم، وقال الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك، فخزي ولم يحر جوابا.
7- الثمامية: أصحاب ثمامة بن أشرس النميري كان جامعا بين سخافة الدين وخلاعة النفس، انفرد عن أصحابه المعتزلة بمسائل منها قوله: في الكفار والمشركين والمجوس واليهود والنصارى والزنادقة والدهرية أنهم يصيرون في القيامة ترابا، وكذلك قال : في البهائم والطيور وأطفال المؤمنين .
8- الهشامية: أصحاب هشام بن عمرو الفوطي كان مبالغا في نفي القدر، وكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى الباري تعالى وإن ورد بها التنزيل، منها قوله: أن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين بل هم المؤتلفون باختيارهم، وقد ورد في التنزيل { ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم } ، ومنها قوله : أن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين ولا يزينه في قلوبهم، وقد قال تعالى : { وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم } ومن أقواله: أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن، وقال كذلك : أن النبوة جزاء على عمل وأنها باقية ما بقيت الدنيا.

فهذه هي المعتزلة نشأة وأقوالا ورجالا وعقائد، عرضناها مختصرة بغية تعريف القارئ بحال تلك الفرقة التي أوجدت جدلا شديدا في مراحل كثيرة من التاريخ الإسلامي ، ووضعت الشرع المطهر في مخاصمة مفتعلة مع العقل، فكان أثرها على الشرع سيئاً إذ قللت من هيبته، وأثرها على العقل أسوأ إذ وضعته في مكان لا يرتقي إليه .


وقفة مع المعتزلة
ربما ظن البعض أن المعتزلة قد ذهبت من غير ر جعة، وأن أفكارهم الجريئة لم يعد لها وجود، وأن التوازن قد عاد لجدلية العقل والنقل، إلا أن هذا الظن خاطيء، فالمذهب المعتزلي ما زال موجودا حيا في الصدور ومكتوبا في السطور، وما زالت فرق عديدة تتبناه، وإن اختلفت مسمياتها، فضلا عن انتصار كثير من الحداثيين لمنهج الاعتزال في تقديم العقل على النقل وجعله حاكما على نصوص الشريعة، فالاعتزال قائم مبثوث في العقائد والأفكار ولكن الذي ذهب هو حدته وصولته بعد زوال دولته، وتعرضه لعملية نقد متواصلة على أيدي أئمة السنة، فغدا هامدا يظنه الناس ميتا وليس بميت، ونحاول في خاتمة عرضنا لعقيدة المعتزلة أن نقف وقفة مع هذا المنهج نبين فيه أمرا غاية في الأهمية هذا الأمر هو مخالفة منهج المعتزلة لمنهج السلف، ومباينة عقائد الاعتزال لعقائد الصحابة الكرام، ولنروي في هذا الإطار المناظرة الشهيرة التي قصمت ظهر المعتزلة، والتي جرت بين شيخ من شيوخ السنة وشيخ المعتزلة أحمد بن أبي دؤاد، فقد جيء بشيخٍ سني كبير موثقا بحديده ، حتى أوقفوه في حضرة الخليفة الواثق، فطلب منه الخليفة مناظرة أحمد بن أبي دؤاد فوافق، بعد أن طعن في قدرة أحمد بن أبي دؤاد على المناظرة، وابتدأ السؤال قائلا : مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها، من القول بخلق القرآن أداخلة في الدين، فلا يكون الدين تامًّا إَّلا بالقول بها ؟ قال أحمد بن أبي دؤاد : نعم .
فقال الشيخ : فرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إليها أم تركهم ؟ قال أحمد : لا . قال له: يعلمها أم لم يعلمها ؟قال : عَلِمَهَا .قال: فلم دعوت إلى ما لم يدعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، وتركهم منه ؟ فأمسك.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه واحدة. ثم قال له: أخبرني يا أحمد، قال الله في كتابه العزيز:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ديِنَكُمْ }( المائدة :3)، فقلت أنت : الدين لا يكون تاماًّ إلا بمقالتك بخلق القرآن، فالله تعالى – عز وجل – صدق في تمامه وكماله ، أم أنت في نقصانك ؟! فأمسك .
فقال الشيخ يا أمير المؤمنين ، هذه ثانية .ثم قال بعد ساعة : أخبرني يا أحمد ، قال الله عز وجل:{ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ }( المائدة :67) فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها، فيما بلَّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أم لا ؟ فأمسك.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، هذه الثالثة. ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا أحمد، لمّا عَلِم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالتك التي دعوت الناس إليها، أَتَّسع له أن أمسك عنها أم لا ؟ قال أحمد : بل اتَّسع له ذلك .فقال الشيخ : وكذلك لأبي بكر ، وكذلك لعمر ، وكذلك لعثمان ، وكذلك لعلي رحمة الله عليهم ؟ قال : نعم .فصرف وجهه إلى الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين، إذا لم يسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه فلا وسع الله علينا.
فقال الواثق: نعم، لا وسع الله علينا، إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، فلا وسع الله علينا.

وبهذه المناظرة كسر الله شوكة المعتزلة فتحول وجه الخليفة عنهم، وما زال مذهبهم في هبوط إلى يومنا هذا، ولنختم بكلمة للعلامة ابن الوزير اليماني، يبين فيها هذا الأصل، قال رحمه الله : " وقد أجمعت الأمة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فكل ما لم يُبين من العقائد في عصر النبوة فلا حاجة إلى اعتقاده، ولا الخوض فيه والجدال، والمراد سواء كان إلى معرفته سبيل [ غير النقل ] أو لا، وسواء كان حقا أو لا، وخصوصا متى أدى الخوض فيه إلى التفرق المنهي عنه، فيكون في إيجابه إيجاب ما لم ينص على وجوبه " . فاستمسك أخي القارئ بمثل هذا الأصل العظيم، واحفظ به دينك فما لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته دينا فليس اليوم دين.

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:29 PM
أهل السنة والجماعة .. الخصائص والمعتقدات









تعريفهم : لقب أهل السنة والجماعة يتركب من مفردين الأول السنة، والثاني الجماعة، ولتعريف المركب لابد من تعريف مفرديه، فالسنة في اللغة الطريقة وهي هنا الأخذ بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، في القول، والعمل، والاعتقاد.
والجماعة في اللغة عددُ كل شيءٍ وكثْرَتُه ، واختلف العلماء في تحديد معناها اصطلاحا على أقوال: فقيل هم الصحابة، وقيل : أهل العلم، قال الإمام الترمذي: "وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم أهل الفقه والعلم والحديث"، وقيل : الجماعة ما وافق الحق ولو قل المتمسكون به، كما قال ابن مسعود : " الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك " وقال نعيم بن حماد : " إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة "، وقيل الجماعة : هي السواد الأعظم المجتمعون على إمام يحكم بالشرع ويجانب الهوى والبدعة.
ولعل القول الراجح في تعريف مصطلح الجماعة هو ما يشمل جميع هذه الأقوال، فهم الصحابة رضوان الله عليهم بما تمثلوه من منهج الإسلام الحق، وهم العلماء والفقهاء كونهم حجة الله على الخلق، والناس تبع لهم في أمر الدين، وهي جماعة المسلمين المنضوية تحت راية إمام يحكم بشرع الله ويقيم حدوده، وقد لخص الإمام ابن حزم هذه الأقوال وجمعها في قوله :" وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق، ومَن عداهم فأهل البدعة؛ فإنهم الصحابة رضي الله عنهم، وكلُّ مَن سَلَكَ نهجهم من خيار التابعين رحمهم الله تعالى، ثم أصحاب الحديث، ومَن اتَّبعهم من الفقهاء، جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومَن اقتدى بهم من العوامِّ في شرق الأرض وغربها .." (الفصل في الملل والأهواء والنحل) (2/271).

ألقاب أهل السنة والجماعة
عرف أهل السنة والجماعة بألقاب هي علامات على صفاتهم، وهي في مجملها مأخوذة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فمن تلك الألقاب:
1- الفرقة الناجية: وهذا الوصف مأخوذ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( ليأتيَنَّ على أُمَّتي ما أتى على بني إسرائيلَ حَذْوَ النعل بالنعل، حتى إن كان منهُم مَن أتى أُمَّه علانية؛ لكان في أُمَّتي مَن يصنع ذلك، وإنَّ بني إسرائيل تفرَّقت على ثنتين وسبعين ملَّة، وتفترق أُمَّتي على ثلاث وسبعين ملة؛ كلهم في النار؛ إلا ملة واحدة. قالوا: ومَن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ) رواه الترمذي وحسنه الألباني . ووجه الدلالة أنه وصف الفرق كلها بالهلاك إلا واحدة حازت صفة النجاة واستبدت بها، وهي الجماعة التي اتصفت باتباع منهج السلف في الأقوال والأعمال والاعتقادات.
2- الطائفة المنصورة : وهذا الاسم مأخوذ من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ) وفي رواية : ( لا تزال طائفة من أمتي قائمون بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس ) رواه مسلم في صحيحه، ووجه الدلالة أن هذه الطائفة وإن مرت بها مراحل استضعاف إلا أن مآلها إلى النصر والتمكين إن شاء الله، وهي تمتاز بثبات عجيب في وجه المخالفين والمخذلين قائمة بأمر الله لا تأخذها في الله لومة لائم.
3- السلف الصالح : وسموا بذلك لاتباعهم نهج الصحابة رضوان الله عليهم وأئمة الهدى في القرون الثلاثة المفضلة التي زكاها النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها في الجملة على سائر الأمة، فقال عليه الصلاة والتسليم : ( خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري .


خصائص عقيدة أهل السنة والجماعة :
امتازت عقيدة أهل السنة والجماعة عن عقائد غيرهم من الفرق بخصائص منها:
1- وحدة المصدر: فلا مصدر يعتمدون عليه في تقرير عقائدهم، سوى الكتاب والسنة وإجماع السلف، ولا يعارضون ما ثبت من ذلك بقياس أو رأي أو هوى .
2- موافقتهاللأدلة الصحيحة فطرة وعقلا ونقلا: فلا شيء أريح للنفس وأطمن للقلب من عقائد السلف، فهي تتفق تمام الاتفاق مع الفطر السليمة والعقول المستقيمة، ولن تجد بحمد لله معارضة أي منها لمقررات العقول أو صحيح المنقول، فلا يمكن أن يتعارض عقل صريح مع نقل صحيح صريح ألبتة.
3- الوضوح والسهولة: فلا تعقيد في فهمها ولا صعوبة في شرحها، بل يفهما الخاص والعام من الناس على اختلاف مستوياتهم، وتفاوت درجاتهم دون أدنى صعوبة، وهي ليست بحاجة في فهمها سوى إلى سماع آياتها وأحاديثها، قال الإمام أبو مظفر السمعاني فيما نقله عنه الحافظ في الفتح 12/507 في بيان سهولة انقياد العامة لاعتقاد السلف واعراضهم وإضرابهم عن عقائد أهل الكلام : " العوام جميعا .. لا يعرفون إلا الاتباع المجرد، ولو عرض عليهم هذا الطريق - طريق المتكلمين - ما فهمه أكثرهم، فضلا عن أن يصير منهم صاحب نظر، وإنما غاية توحيدهم التزام ما وجدوا عليه أئمتهم في عقائد الدين والعض عليها بالنواجذ، والمواظبة على وظائف العبادات، وملازمة الأذكار بقلوب سليمة طاهرة عن الشبه والشكوك، فتراهم لا يحيدون عما اعتقدوه ولو قطعوا إرباً إرباً، فهنيئا لهم هذا اليقين وطوبى لهم هذه السلامة "
4- الثبات والاستمرار: فلا يزيدها طعن الطاعنين إلا بريقا، ولا تشكيك المشككين إلا قوة وثباتا.

عقائد أهل السنة والجماعة :
أهل السنة والجماعة هم الامتداد الصحيح لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في العلم والعمل والسلوك والاعتقاد، وما نذكره من اعتقادات هنا هو بعض ما كتبه العلامة الطحاوي في عقيدته الشهيرة "العقيدة الطحاوية"، والتي تلقاها العلماء بالقبول، مع زيادات يسيرة اقتضاها المقام:
1- الإعتقاد الجازم بأن الله واحد لا شريك له، ولا مثيل له ولا يعجزه شيء، ولا إله غيره .
2- الاعتقاد الجازم بأن لله الأسماء الحسنى والصفات العلا.
3- إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف.
4- الاعتقاد الجازم بأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبدالله ورسوله، وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين. وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى. وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء.
5- الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين.
6- الاعتقاد الجازم بالقدر خيره وشره من الله تعالى وأن الله خلق الخلق بعلم، وقدر لهم أقدارا وضرب لهم آجالا، ولم يخْفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته. ومشيئته تنفذ، فما شاء كان ومالم يشألم يكن.
7- الاعتقاد الجازم بأن القرآن كلام الله، أنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا.
8- الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين، وأن الله قد جعلهم لعباده حافظين. والإيمان بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين. وبعذاب القبر لمن كان أهلا له . وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضوان الله عليهم. والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
9- الإيمان باليوم الآخر وبالبعث بعد الموت، وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان.
10- الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان الآن لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، وأن الله خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلا. فمن آمن وعمل الصالحات أدخله الله الجنة بفضله، ومن كفر منهم أدخله إلى النار بعدله. والحوض الذي أكرم الله تعالى به نبيه. والشفاعة التي ادخرها له حق، كما ثبت في الأخبار.
11- الاعتقاد الجازم بأن المؤمنين يرون ربهم في الجنة كما نطق بذلك الكتاب والسنة، قال تعالى { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } وقال صلى الله عليه وسلم : ( إنكم سترون ربكم ) رواه البخاري ومسلم .
12- الاعتقاد بأنه لا تجوز الشهادة لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار إلا من شهد له النص بعينه، مع رجاء الثواب للمحسنين ورجاء العفو عن المسيئين.
13- الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالجوارح والأركان.
14- الإيمان بأن أهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا يخلدون في النار إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، وهم في مشيئة الله وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز وجل في كتابه { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يدخلهم إلى جنته.
15- ولا يرون الخروج على ولاة أمور المسلمين ما أقاموا الكتاب والسنة، ولا ينزعون يدا من طاعة، ويرون طاعتهم من طاعة الله عز وجل ما لم يأمروا بمعصية.
16- حب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان من غير إفراط ولا تفريط.
17- الإيمان بأن الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.
18- الإيمان بأن نبياً واحداً أفضل من جميع الأولياء، مع الإيمان بكرامات الأولياء وفضلهم.
19- الإيمان بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، وطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض من موضعها. ولا نصدق كاهنا ولا عرافا ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
20- الإيمان بأن الإسلام هو الدين الحق الذي يجب اتباعه، وأن اتباع غيره من الأديان والمذاهب باطل وضلال، قال تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام }(آل عمران : 19 ) وقال { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين }(آل عمران : 85).

أعلام أهل السنة
لا شك أن الناشر الأول لعقيدة أهل السنة والجماعة، هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، الذي أوضح العقيدة وأبانها خير بيان، ويأتي في المرتبة بعده صحابته رضوان الله عليهم الذين ساروا على نهجه واقتفوا أثره ونشروا سنته، وسار على خطا الصحابة رضوان الله عليهم التابعون ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، من أئمة الدين وعلماء المسلمين، منهم:
1- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ت: ( 150هـ )، كان أحد أئمة الإسلام وجهابذته العظام، وكانت له جهوده العظيمة في نشر العقيدة الصحيحة والذود عنها، وكتابه " الفقه الأكبر " أشهر من نار على علم في هذا الباب، من أقواله - رحمه الله - في بيان مذهب السلف في صفات الله تعالى قوله: " لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين, وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف, وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى، ولا يقال: غضبه عقوبته ورضاه ثوابه, ونَصِفُه كما وصف نفسه أحدٌ لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد, حيٌّ قادر سميع بصير عالم, يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه " وكان - رحمه الله - ينهى عن الكلام، ويذم أهله، فمن ذلك قوله: " لعن الله عمرو بن عبيد - زعيم المعتزلة - فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا ينفعهم فيه الكلام " .
2- الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس، ت: ( 179هـ) كان إماما عظيما من أئمة السلف، وهو وإن كان ممن يُعمل رأيه في الفقه، إلا أنه كان في مجال العقيدة وقافا عند النصوص لا يتعداها، ملتزما بمذهب السلف الصالح لا يحيد عنه قيد أنملة، وكان - رحمه الله - منكرا للكلام ذاما لأهله، ومما يروى عنه في ذلك، ما رواه ابن عبد البر من قوله : " الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه, نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك, ولا نحب الكلام إلا فيما تحته عمل, فأما الكلام في دين الله وفي الله عزوجل فالسكوت أَحَبُّ إليَّ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل " وروى أبو نعيم عنه : " لو أن رجلاً ركب الكبائر كلها بعدَ ألا يشرك بالله، ثم تخلّى من هذه الأهواء والبدع .. دخل الجنة " .
3- الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ت : ( 204هـ): أحد أعلام الإسلام المتبوعين، كان على اعتقاد السلف الصالح، وكان شديدا على أهل الكلام ذاما لهم ، محذرا منهم، من كلامه الذي يبين معتقده ما أورد العلامة ابن قيم الجوزية في اجتماع الجيوش الإسلامية ، قوله: " القول في السُّنة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها - أهل الحديث - الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما، الإقرار بشادة أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه، يَقرُب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء" ومن كلامه أيضا قوله: " الإيمان قول وعمل واعتقاد بالقلب, ألا ترى قول الله عز وجل : { وما كان الله ليضيع إيمانكم }يعني صلاتكم إلى بيت المقـدس فسمى الصـلاة إيماناً وهي قول وعمـل وعقد "، وأما موقفه من الكلام فيوضحه ما أخرجه ابن بطة عن أبي ثور قال : قال لي الشافعي : " ما رأيت أحداً ارتدى شيئاً من الكلام فأفلح " وأخرج الهروي عن يونس المصري قال : قال الشافعي : " لأن يبتلي الله المرء بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه بالكلام ".
4- الإمام المبجل أحمد بن محمد بن حنبل، ت: (241هـ): سيد السنة وناصرها، وإمام الطائفة وقائدها، ابتلي فصبر، وجاهد في تبليغ مذهب السلف فنصره الله، وأضحى ذكره ثناء عطرا في ألسن الصالحين .
من أقواله رحمه الله في بيان عقيدة السلف : " القرآن كلام الله وليس بمخلوق " وقال أيضاً : " من أفضل خصال الإيمان الحب في الله والبغض في الله " وقال أيضاً: " الإيمان يزيد وينقص كما جاء في الخبر : ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) " .
وأما موقفه من الكلام فقد كان رحمه الله شديدا النقد له، شديد الذم لأهله، ومن أقواله في ذلك: " من تعاطى الكلام لم يفلح، ومن تعاطى الكلام لم يخل أن يتجهم " وكتب أحمد بن حنبل إلى عبيد الله بن يحيي بن خاقان:" لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا, إلا ما كان في كتاب الله أو في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محدود ".
5- شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية : علم الأمة وعالمها، كان بحرا لا تكدره الدلاء، مجاهدا بالقلم والسنان، أوضح عقيدة السلف خير إيضاح وأبانها خير بيان، وردَّ ونقض عقائد المبتدعة والملحدين، فثاروا عليه ووشوا به للسلطان فحبسه، وابتلي ابتلاء عظيما فصبر، وخلف تراثا ضخما من الكتب والمراجع، التي أضحت مرجعاً للباحثين .
تلك نبذة موجزة عن أهل السنة والجماعة تعريفهم عقائدهم، أعلامهم، خصائهم، والتي يجدر بالمسلم مع غلبة الفرق المخالفة وكثرتها أن يتعرف عليها، وأن يتحقق بصفاتها، وألا يكون انتسابه إليها إنتساب نسب ومتابعة أصل، فهم أهل الحق والهدى .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:30 PM
الخوارج العقائد والأفكار

























الخوارج : فرقة من الفرق الإسلامية التي ظهرت مبكرا في عهد الصحابة رضي عنهم، وكانت لها آراء أحدثت شرخا سياسيا في بناء الأمة.
وكان أول ظهور لها تحديدا في معركة صفين التي جرت أحداثها بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وذلك حين رفع أهل الشام "جيش معاوية" المصاحف داعين أهل العراق "جيش علي" إلى الاحتكام إليها، فاغتر الخوارج بتلك الدعوة، في حين رآها علي رضي الله عنه حيلة من أهل الشام لدفع هزيمة بدت علاماتها، فتوجه إليهم - رضي الله عنه - بأن يواصلوا القتال، إلا أنهم أبوا إلا قبول تلك الدعوة، وحَمْل علي على قبولها، وتهددوه قائلين :" أجب إلى كتاب الله عز وجل إذ دعيت إليه، وإلا دفعناك برمتك إلى القوم .. !" فنهاهم - رضي الله عنه - فأبوا، فقبل رضي الله عنه بالتحكيم استجابة لهم وصيانة لجماعة المسلمين من التفرق والتشرذم .
ثم انتدب رضي الله عنه ابن عباس للمفاوضة عنه، فرغب الخوارج عنه وقال هو منك وسيحابيك، ولكن أرسل أبا موسى فإنه قد اعتزل القتال ونصح لنا، فوافق علي رضي الله عنه على كره منه.
وعندما اجتمع الحكمان - أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص - اتفقا على تأجيل التحكيم إلى رمضان، فرجع علي بمن معه من صفين إلى الكوفة، إلا أن الخوارج انقلبوا على موقفهم، وأعلنوا البراءة من التحكيم، ورأوا فيه ضلالا وكفرا، وهم الذين تهددوا عليا رضي الله عنه بقبوله والرضا به، ففارقوا الجماعة رأيا وفارقوها جسدا، إذ انحاز اثنا عشر ألفا منهم إلى حروراء، فأرسل إليهم عليٌ رضي الله عنه عبدَالله بن عباس رضي الله عنهما، وقال له : لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك، فاستعجلوا محاورته فحاورهم رضي الله عنه، فلجوا في خصامه . فلما جاء علي أجابهم على ما نقموا عليه من أمر الحكمين، وكان مما اعترضوا عليه قولهم: خَبِّرْنا : أتَراهُ عَدْلاً تَحكيمَ الرجالِ في الدماء ؟ فقال لهم علي رضي الله عنه: إنا لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن ، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال . قالوا : فخَبِّرْنا عن الأجل لم جعلته بينكم ؟ قال : ليعلم الجاهل ويتثبت العالم ، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، ادخلوا مصركم رحمكم الله . فدخلوا من عند آخرهم.
ولما دخلوا الكوفة أظهروا المعارضة مرة أخرى لقضية التحكيم، وعندما اعتزم علي أن يبعث أبا موسى للحكومة، أتاه زرعة بن البرح الطائي وحرقوص بن زهير السعدي من الخوارج وقالا له: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم، وقال علي: قد كتبنا بيننا وبينهم كتابا وعاهدناهم، فقال حرقوص: ذلك ذنب تنبغي التوبة منه، فقال علي: ليس بذنب ولكنه عجز من الرأي، فقال زرعة: لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنك أطلب وجه الله، فقال علي: بؤسا لك كأني بك قتيلا تسفى عليك الرياح، قال: وددت لو كان ذلك . وخرجا من عنده يناديان لا حكم إلا الله ، وخطب علي يوما فتنادوا من جوانب المسجد بهذه الكلمة ، فقال علي : الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل، وخطب ثانيا فقالوا كذلك ، فقال: أما إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا، لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا الفيء ما دمتم معنا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا، وننتظر فيكم أمر الله .
وقعة النهروان
انحاز الخوارج - بعد معارضتهم لعلي - وخرجوا على جماعة المسلمين، وقتلوا عبدالله بن خباب بن الأرت، وبقروا بطن جاريته، فطالبهم علي رضي الله عنه بقتلته فأبوا عليه وقالوا كلنا قَتَلَهُ، وكلنا مستحلٌّ دمائكم ودمائهم، فوعظهم وأنَّبهم ونصح لهم، فأبوا إلا المناجزة والقتال، فقاتلهم رضي الله عنه بمن معه حتى أفناهم فلم يبق منهم إلا سبعة أو ثمانية - كما يذكر المؤرخون - تفرقوا في البلاد، ومنهم نبتت بذرة الخوارج مرة أخرى، وكونوا جماعات ظلت مصدر قلق للدولة الإسلامية .
عقائد وأفكار الخوارج :
لم يكن للخوارج عند بدء ظهورهم منظومة أفكار تشكل مذهبهم الذي فارقوا به أهل السنة، فقد كانت مفارقتهم للمسلمين متعلقة باعتراضهم على مسألة التحكيم، إلا أن مذهب الخوارج اتسع في بِدَعِه ومخالفاته، نظرا لما استتبع اعتراضهم الأول من التزامات، ولما استجد عليهم من محدثات، فمن آرائهم:

1. الخروج على الحكام إذا خالفوا منهجهم وفهمهم للدين.

2. تكفير أصحاب الكبائر.

3. التبروء من الخليفتين الراشدين عثمان وعلي رضي الله عنهما.

4. تجويز الإمامة العظمى في غير القرشي، فكل من ينصبونه ويقيم العدل فهو الإمام، سواء أكان عبدا أم حرا، عجميا أم عربيا. وذهبت طائفة منهم وهم النجدات إلى عدم حاجة الناس إلى إمام، وإنما على الناس أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن لابد من إمام جاز لهم أن يقيموا لهم إماماً.

5. إسقاط حد الرجم عن الزاني، وإسقاط حد القذف عمن قذف المحصنين من الرجال دون من قذف المحصنات من النساء .
6. إنكار بعضهم سورة يوسف، وهو من أقبح أقوالهم وأشنعها، وهذا القول ينسب إلى العجاردة منهم، حيث قالوا لا يجوز أن تكون قصة العشق من القرآن !!

7. القول بوجوب قضاء الصلاة على الحائض، فخالفوا النص والإجماع .
من صفات الخوارج في الحديث النبوي
لم يرد في فرقة من الفرق الإسلامية من البيان النبوي ما ورد في الخوارج، فقد تواترت الأحاديث في التحذير منهم وبيان صفاتهم، ومن صفاتهم التي ورد بها الحديث:

1- قلة فهم القرآن ووعيه ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله أنه قال في وصفهم : ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة ) متفق عليه .

2- زهد وعبادة وخبث اعتقاد :كما سبق في حديث أبي سعيد الخدري .

3- سلم على أهل الكفر حرب على أهل الإسلام : فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله أنه قال في وصفهم ( يقتلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان ) .

4- صغار الأسنان سفهاء الأحلام: فعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في وصف الخوارج :( حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام ) متفق عليه.
ومن أوصافهم التحليق، كما ثبت في صحيح "البخاري" مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في وصفهم :( سيماهم التحليق ) والمراد به : حلق رؤسهم على صفة خاصة، أو حلقها بالكلية، حيث لم يكن ذلك من عادة المسلمين ولا من هديهم في غير النسك .

وخاتمة الأوصاف النبوية للخوارج أنهم ( شر الخلق والخلقية ) كما ثبت ذلك في صحيح مسلم ، وأن قتلاهم ( شر قتلى تحت أديم السماء ) كما عند الطبراني مرفوعا، وأنهم ( كلاب النار ) كما في مسند أحمد ، وأنهم:( يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) كما ثبت ذلك في الصحيحين.
كيفية التعامل مع الخوارج :
لقد وضع أمير المؤمنين رضي الله عنه منهجا قويما في التعامل مع هذه الطائفة ، تمثل هذا المنهج في قوله رضي الله عنه للخوارج: " .. إلا إن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا : لن نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا "رواه البيهقي وابن أبي شيبة .
وهذه المعاملة في حال التزموا جماعة المسلمين ولم تمتد أيديهم إليها بالبغي والعدوان، أما إذا امتدت أيديهم إلى حرمات المسلمين فيجب دفعهم وكف أذاهم عن المسلمين، وهذا ما فعله أمير المؤمنين علي رضي الله عنه حين قتل الخوارج عبدالله بن خباب بن الأرت وبقروا بطن جاريته، فطالبهم رضي الله عنه بقتلته فأبوا، وقالوا كلنا قتله وكلنا مستحل دمائكم ودمائهم، فسل عليهم رضي الله عنه سيف الحق حتى أبادهم في وقعة النهروان.
ومن منهجه رضي الله عنه في التعامل مع الخوارج حال بقائهم في جماعة المسلمين محاورتهم لإزالة اللبس عنهم، فقد أرسل إليهم عبدالله بن عباس فحاورهم، وحاورهم هو بنفسه فرجع منهم جم غفير .
فهذه لمحة موجزة عن هذه الفرقة، التي ضلت بأفكارها فكفرت المسلمين وفي مقدمتهم سادات من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم كعلي وعثمان رضي الله عنهما، وضلت في سلوكها فغدت وبالا على المسلمين فاستحلت دماءهم وأعراضهم وأموالهم، في حين سلم منها الكفار فكانوا منها في عافية .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:31 PM
الأشاعرة تعريفهم وعقائدهم





التعريف : الأشاعرة فرقة إسلامية تنتسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري - رحمه الله - وتنتهج أسلوب أهل الكلام في تقرير العقائد والرد على المخالفين .
المؤسس : الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ولد بالبصرة سنة 260هـ وسكن بغداد وتوفي بها سنة 324هـ . وعاش – رحمه الله - ملازما لزوج أمه شيخ المعتزلة في زمنه أبي علي الجبائي، فعنه أخذ الاعتزال حتى تبحر فيه وصار من أئمته ودعاته .
تحوله عن الاعتزال :
يجمع المؤرخون لحياة أبي الحسن رحمه الله على التحول الأول في حياته، وهو خروجه من مذهب الاعتزال ونبذه له .

فيذكر ابن عساكر وغيره أن أبا الحسن الأشعري - رحمه الله - اعتزل الناس مدة خمسة عشر يوما، وتفرغ في بيته للبحث والمطالعة، ثم خرج إلى الناس في المسجد الجامع، وأخبرهم أنه انخلع مما كان يعتقده، كما ينخلع من ثوبه، ثم خلع ثوبا كان عليه ورمى بكتبه الجديدة للناس.

ومع اتفاق الباحثين على رجوعه عن مذهب الاعتزال، إلا أنهم اختلفوا في تحديد سبب ذلك الرجوع، فقيل إن سبب رجوعه ما رآه في مذهب المعتزلة من عجز ظاهر في بعض جوانبه، فقد كان - رحمه الله - دائم السؤال لأساتذته عما أشكل عليه من مذهبهم، ومما يروى في ذلك أن رجلا دخل على أبي علي الجبائي وفي حضرته أبو الحسن الأشعري، فقال الرجل لأبي علي : هل يجوز أن يسمى الله عاقلا ؟ فقال : الجبائي : لا ، لأن العقل مشتق من العقال، وهو المنع، والمنع في حق الله محال، فامتنع الإطلاق، فاعترض أبو الحسن على جواب أبي علي قائلا : لو كان قياسك المذكور صحيحا، لامتنع إطلاق اسم الحكيم على الله، لأنه مشتق من حَكَمَةِ اللجام، وهي حديدة تمنع الدابة من الخروج، وذكر شواهد من الشعر على ذلك، فلم يحر أبو علي الجبائي جوابا، إلا أنه قال لأبي الحسن، فَلِمَ منعت أنت أن يسمى الله عاقلا، وأجزت أن يسمى حكيما ؟ فقال : لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي، فأطلقت حكيما لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلا لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته ".

ومما يذكر أيضا في سبب رجوعه عن مذهب الاعتزال مع ما سبق، رؤيا رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو الحسن : " وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد، فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله أن يهديني الصراط المستقيم، ونمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال صلى الله عليه وسلم عليك بسنتي، قال : فانتبهت وعارضت مسائل الكلام بما وجدت من القرآن والأخبار، فأثبته ونبذت ما سواه ورائي ظهريا " ( التبيين 38-39) وهذه القصة يقول الدكتور عبدالرحمن المحمود : " ينتهي إسنادها إلى بعض الأصحاب من غير تحديد".

ولو صحت هذه القصة لكانت نصا في بيان سبب رجوعه، إلا أنه من الملاحظ من خلال مناظرات أبي الحسن للمعتزلة أنه بدأت تتشكل عنده رؤية خاصة به في بعض المسائل وهو ما زال منضويا في عباءة المعتزلة، ولعل الرؤيا التي رآها هي التي وضعت حدا لإنهاء تلك الحيرة، ورسمت له طريق التخلص كليا من مذهب الاعتزال .

واختلف الباحثون كذلك حول المذهب الذي تحول إليه أبو الحسن رحمه الله، فقيل تحول إلى مذهب الكلابية وعنه إلى مذهب السلف وهذا قول جمع من العلماء، وقيل تحول إلى مذهب الكلابية وبقي عليه، وكانت له آراء مستقلة توسط فيها بين المعتزلة والمثبتة نشأ عنها المذهب الأشعري وهو قول الأشعرية .

ويعتمد أصحاب القول الأول - القائلين بتحوله إلى الكلابية ومنها إلى مذهب السلف - على ما كتبه الأشعري في الإبانة، ويقولون إنها من آخر كتبه، وفيها نصَّ على أنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله .
إلا أن مقارنة دقيقة بين ما كتبه - رحمه الله - في الإبانة ومذهب الكلابية لا تظهر كبير فرق بين المذهبين، فما قال به الكلابية قال به الأشعري، كإثبات الصفات الخبرية كالوجه واليدين وغيرهما، وما نفاه الكلابية نفاه الأشعري كنفيه قيام الأفعال الاختيارية بالله سبحانه، حيث ذهب إلى أن صفة الإرادة صفة أزلية قديمة، لا تتجدد لفعل فعل ولا لإنشائه .

وكذلك قال - في غير الإبانة - إن الكلام صفة ذات، وأنكر على من قال إن الله تكلم بالقرآن.

أما انتسابه لمذهب الإمام أحمد فلا يمكن أن ينسب إليه بمجرد الانتساب، مع أن أقواله وأراءه تخالف ما قال به أحمد، فأحمد رحمه لم يقل بنفي اتصاف الله بالأفعال الاختيارية كالنزول والمجيء .

أما قوله بإثبات الاستواء والعلو فهو أيضا مذهب ابن كلاب، وعليه فلا ينقض هذا الاستشهاد قول من قال بأنه تحول عن الاعتزال إلى الكلابية وبقي عليها .
فهذه نبذة عن حياة الرجل الفكرية وهي توضح أهمية البحث والمطالعة، ومناقشة المرء لما عنده مما نشأ عليه، فإن البحث والاستقصاء لا يزيد الحق إلا جلاء وقوة، ولا يزيد الباطل إلا اضمحلالا ونفرة .

الفرق بين متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم :
لعل من الواضح لدى دارسي المذهب الأشعري أن ثمة تباين ظاهر بين ما كان عليه متقدموا الأشاعرة في بعض المسائل، وبين ما استقر عليه الرأي عند المتأخرين منهم في تلك المسائل، وهو ما يؤدي بنا إلى القول بأن الأشاعرة المتأخرين لم يكونوا متبعين تماما لأبي الحسن الأشعري - رحمه الله - وإنما خالفوه في مسائل من الأهمية بمكان، حتى قال بعضهم :
لو حدث الأشعري عمن له إلى رأيه انتماء لقال أخبرهم بأني مما يقولونه براء
ويمكن التمثيل لهذه المسائل بمثالين :

المثال الأول: القول في الصفات الخبرية كصفة الوجه واليدين والعينين، فقد كان رأي الإمام أبي الحسن رحمه الله في هذه الصفات موافقا لرأي الكلابية الذين يثبتون هذه الصفات لله عز وجل، وقد نص أبو الحسن رحمه الله على إثباتها في الإبانة 51-58 وفي رسالته لأهل الثغر 72-73 ، في حين ذهب متأخروا الأشعرية إلى تأويل تلك الصفات، يقول الإيجي 3/145 في صفة اليد : " الخامسة اليد : قال تعالى : { يد الله فوق أيديهم } { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } فأثبت الشيخ صفتين ثبوتيتين زائدتين وعليه السلف وإليه ميل القاضي في بعض كتبه، وقال الأكثر إنها مجاز عن القدرة فإنه شائع، وخلقته بيدي أي بقدرة كاملة ".

المثال الثاني : صفة العلو والاستواء حيث أثبت الأشعري رحمه الله صفة علو الله واستوائه على عرشه، كما جاء في الإبانة 1/105 : " إن قيل ما تقولون في الإستواء ؟ قيل له : نقول : إن الله عز وجل يستوى على عرشه استواء يليق به .. كما قال : { الرحمن على العرش استوى }( طه : 5 )" وقال في مقالات الإسلاميين 1/290 : " جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله .. وأن الله سبحانه على عرشه، كما قال : { الرحمن على العرش استوى }( طه : 5 ) " أ.هـ ، بل إنه رحمه الله رد على من أوّل استواءه سبحانه بالقهر ، فقال في الإبانة 1/108 : " وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قول الله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } ( طه : 5 ) أنه استولى وملك وقهر وأن الله تعالى في كل مكان وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستو على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه، كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله تعالى قادر على كل شيء " فهذا كان رأي الإمام الأشعري، أما متأخروا الأشاعرة ، فيقول الإيجي في مواقفه 3/150-151 : " الصفة الثالثة : الإستواء لما وصف تعالى بالإستواء في قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى }( طه : 5 ) اختلف الأصحاب فيه، فقال الأكثرون : هو الاستيلاء ويعود الاستواء حينئذ إلى صفة القدرة، قال الشاعر :
قد استوى عمرو على العراق من غير سيف ودم مهراق
أي استولى .. وقيل هو أي الاستواء ههنا القصد فيعود إلى صفة الإرادة نحو قوله تعالى { ثم استوى إلى السماء } أي قصد إليها وهو بعيد " فهذان مثالان يوضحان الفرق بين ما كان عليه الأشعري نفسه، وبين ما استقر عليه الرأي عند متأخري الأشاعرة.

الأفكار والعقائد :
من عقائد الأشاعرة المتأخرين التي عرفوا بها وصار العمدة في المذهب عليها:
1- تقديم العقل على النقل: وهو منهج يقوم على افتراض التعارض بين الأدلة النقلية والعقلية، ما يستدعي ضرورة تقديم أحدهما، فصاغ الأشاعرة للتعامل مع هذا التعارض الموهوم قانونا قدموا بموجبه العقل، وجعلوه الحكم على أدلة الشرع، بدعوى أن العقل شاهد للشرع بالتصديق، فإذا قدمنا النقل عليه فقد طعنا في صدق وصحة شهادة العقل، مما يعود على عموم الشرع بالنقض والإبطال .

2- نفيهم أن تقوم بالله أمور تتعلق بقدرته ومشيئته: أي نفي ما يتعلق بالله من الصفات الاختيارية التي تقوم بذاته،كالاستواء والنزول والمجيء والكلام والرضا والغضب، فنفوا كلام الله ورضاه وغضبه باعتبارها صفة من صفاته، وادعوا أن نسبة هذه الصفات لله تستلزم القول بأن الله يطرأ عليه التغير والتحول، وذلك من صفات المخلوقات.

3- إثبات سبع صفات لله عز وجل وتأويل أو تفويض غيرها، فالصفات التي يثبتونها هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام النفسي، أما غير هذه الصفات فهم يتأولونها كتأولهم صفة الرضا بإرادة العقاب، وصفة الرحمة بإرادة الثواب، واستواء الله على العرش بقهره له واستيلائه عليه، إلى آخر تأويلاتهم لصفات الله.

4- حصرهم الإيمان في التصديق القلبي: فالإنسان – وفق مذهبهم - إذا صدق بقلبه، ولو لم ينطق بالشهادتين عمره، ولم يعمل بجوارحه أيا من الأعمال الصالحة، فهو مؤمن ناج يوم القيامة، يقول الإيجي في المواقف بعد أن ذكر معنى الإيمان في اللغة : " وأما في الشرع .. فهو عندنا وعليه أكثر الأئمة كالقاضي والأستاذ التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، فتفصيلا فيما علم تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا "


من علماء الأشاعرة
يزخر المذهب الأشعري بأئمة أعلام، هم الذي رسخوا المذهب وقووا دعائمه، وقعَّدوا له القواعد، ووضعوا له المقدمات، ونشروا آراءه، ودافعوا عنه ضد خصومه، إلا أن كثيرا منهم - لسعة علمه - تبين له ضعف مسلك أهل الكلام، فرجع في آخر عمره إلى مذهب السلف، وعلم أن مذهبهم هو الأسلم والأعلم والأحكم، ونحن نذكر بحول الله وقوته بعض أشهر علماء الأشاعرة، ونبين رجوع من رجع منهم إلى مذهب السلف، فمن علمائهم:

1. أبو الحسن الطبري، توفي بحدود سنة 380هـ وكان من تلامذة أبي الحسن الأشعري رحمه الله - ذكر الأسنوي عن أبي عبدالله الأسدي أنه قال في كتاب مناقب الشافعي : " كان شيخنا وأستاذنا أبو الحسن بن مهدي - الطبري - حافظا للفقه والكلام والتفاسير والمعاني وأيام العرب، فصيحا مبارزا في النظر ما شوهد في أيامه مثله، مصنفا للكتب في أنواع العلم، صحب أبا الحسن الأشعري في البصرة مدة " ( طبقات الشافعية للأسنوي 2/398) .

2. أبو بكر الباقلاني ت 403هـ ، قال الإمام الذهبي في السير في ترجمته : " وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري، وقد يخالفه في مضائق فإنه من نظرائه، وقد أخذ علم النظر عن أصحابه " ويعده الباحثون المؤسس الثاني للمذهب الأشعري، فهو الذي قعد له القواعد ، ووضع له المقدمات الكلامية، وقد تتلمذ على تلامذة الأشعري، وفاقهم علما ومعرفة .

3. محمد بن الحسن بن فورك : ت 406هـ، درس المذهب الأشعري على أبي الحسن الباهلي تلميذ أبي الحسن الأشعري ، وكان من كبار أئمة الأشعرية .

4. أبو المعالي إمام الحرمين عبدالملك بن عبدالله الجويني ولد سنة 419هـ وتتلمذ على يدي والده، وكان أحد أعلام الشافعية والأشاعرة، ويعد من المجددين داخل المذهب، وقد انتقد على الأشاعرة مسائل وردها عليهم، وتبحر في علم الكلام حتى بلغ الغاية فيه، إلا أنه رجع عنه أخيرا ، كما حكاه عنه غير واحد منهم أبو الفتح الطبري الفقيه، قال : دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال : اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور " ( سير أعلام النبلاء 18/474) وقد أوصى في كتاب الغياثي - وهو من آخر كتبه - بالتزام مذهب السلف فهو المذهب الحق قبل نبوغ الأهواء وزيغان الآراء ، وذكر من حال السلف في الحرص على الطاعة والاجتهاد في أعمال البر، والابتعاد عن التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات، ما يُلزم المرء باتباع منهجهم، والسير على طريقتهم.

5. أبو حامد محمد بن محمد العزالي ت 505هـ، قال الإمام الذهبي وكان خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين - البخاري ومسلم - اللذين هما حجة الإسلام ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن " سير أعلام النبلاء 19/323-324

6. أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني ت 548هـ وقد رجع عن المذاهب الكلامية إلى دين الفطرة جاء في نهاية الإقدام ص4 قوله : " عليكم بدين العجائز فإنه من أسنى الجوائز "

7. أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسين الرازي ويعرف بابن خطيب الري توفي سنة 606هـ جاء في لسان الميزان ( 4/427 ) : " وكان مع تبحره في الأصول يقول : " من التزم دين العجائز فهو الفائز " ، وقال ابن الصلاح أخبرني القطب الطوعاني مرتين أنه سمع فخر الدين الرازي يقول:" يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام وبكى، وروى عنه أنه قال: " لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروي غليلا ولا تشفي عليلا ، ورأيت أصح الطرق طريقة القرآن "


وقفة مع المذهب الأشعري
من العجيب أن يعترف الأشاعرة بأن مذهبهم في تأويل جل الصفات مذهب محدث، لم يكن عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ولهم في ذلك المقولة الشهيرة، "مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم" أي إن مذهب التأويل عند المتأخرين أعلم وأحكم مما نسبوه إلى السلف من التفويض الذي يعدونه المذهب الأسلم، بما يوحي بنوع انتقاص للسلف رحمهم الله في علمهم وفهمهم، وهو انتقاص لا يقوله إلا من جهل مقدارهم وموضعهم من العلم والفهم.

إن مناقشة أقوال الأشاعرة وعقائدهم التي خالفوا فيها مذهب السلف، تظهر بما لا يدع مجالا للشك مدى سلامة مذهب السلف من التناقض والاضطراب، واتصافه بالعلم والحكمة والسلامة .

ودعونا نناقش بعض عقائد الأشاعرة لنستبين على وجه التفصيل فضل علم السلف على علم الخلف، وصحة منهجهم على من جاء بعدهم ممن خالفهم، فنقول وبالله التوفيق:
أما تقديم العقل على النقل والقانون الذي صاغة الأشاعرة في ذلك، فنقول إن المسألة مصادرة من أساسها، فأهل السنة يقولون على وجه القطع: إنه لا يمكن أن يتعارض عقل صريح مع نقل صحيح، فالمسألة غير واقعة أساساً.

ثم نرد عليهم بالقول : إن العقل قد شهد بصدق الرسول وصحة نبوته، فالواجب بناء على هذه الشهادة الحقة تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فإذا أخبر أن الله في السماء وجب تصديق خبره، وكان تقديم العقل على النقل طعن في شهادة العقل، وفي ذلك إبطال لشهادته بصدق الرسول، ونقض للدين.

أما نفيهم أن تقوم بالله أمور تتعلق بقدرته ومشيئته: فهو مبني على ما سبق من نفي التغير والتحول عن الله، وهو أصل فاسد والصحيح إثبات كمال قدرته سبحانه، فهو يفعل ما يشاء متى شاء، وعلى ذلك دلائل الكتاب والسنة وإجماع السلف، قال تعالى : { كل يوم هو في شأن } وقال تعالى : { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } .
أما حصرهم صفات الله في سبع صفات هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام النفسي، وتأويلهم غيرها، فغاية في الغرابة والتناقض، وإلا فما الذي جعلهم يؤولون صفة الرحمة مثلا ولا يؤلوون صفة السمع، فإن قالوا إن الأولى تدل على رقة القلب وهذا لا يليق بالله ، لأن فيه مشابهة للمخلوقين، قلنا وكذلك السمع فإن في إثباته مشابهة للمخلوقين، فإن قالوا نحن نثبت سمعا يليق به جل وعلا، قلنا فأثبتوا رحمة تليق به كما أثبتم سمعا يليق به.

أما القول بأن الإيمان في الشرع هو التصديق فمخالف للإجماع الصحيح ولأدلة الكتاب والسنة، أما الإجماع فقد قال الإمام الشافعي : " وكان الإجماع من الصحابة ، والتابعين من بعدهم ممن أدركنا : أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزيء واحد من الثلاثة عن الآخر " فكل من الاعتقاد والعمل الصالح والنطق بالشهادتين، ركن من أركان الإيمان لا يصح الإيمان إلا به. والأدلة النقلية على تأييد هذا الإجماع المأخوذ منها أكثر من أن تحصر .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:32 PM
التصوف النشأة والتعريف







نشأة التصوف :
نشأ التصوف أول ما نشأ بالبصرة، وأول من بنى ديرة التصوف بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد من أصحاب الحسن البصري رحمه الله .
وقد تميز عباد البصرة آنذاك بالمبالغة في التعبد، وظهرت فيهم مظاهر جديدة لم تكن مألوفة من قبل، فكان منهم من يسقط مغشيا عليه عند سماع القرآن، ومنهم من يخر ميتا، فافترق الناس إزاء هذه الظاهرة بين منكر ومادح، وكان من المنكرين عليهم جمع من الصحابة كأسماء بنت أبي بكر وعبدالله بن الزبير رضي الله عنهم، إذ لم تكن تلك المظاهر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وهم الأعظم خوفا والأشد وجلا من الله سبحانه .
ورأى الإمام ابن تيمية أن حال النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من ضبط نفوسهم عند سماع القرآن أكمل من حال من جاء بعدهم، ولكنه - رحمه الله - لا يذهب إلى الإنكار على من ظهر منه شيء من ذلك إذا كان لا يستطيع دفعه، فقال رحمه الله تعالى : " والذي عليه جمهور العلماء أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوبا عليه لم ينكر عليه وإن كان حال الثابت أكمل منه " .
معنى التصوف وأصل نسبته
تنازع العلماء في أصل هذه النسبة وإلى أي شيء تضاف فقيل : هي نسبة إلى أهل الصُفَّة ، وقيل : نسبة إلى الصفوة، وقيل : نسبة إلى الصف المقـدّم، وقيل : بل نسبة إلى صوفة بن بشر رجل عرف بالزهد في الجاهلية، قال الإمام ابن تيمية : " وكل هذا غلط ، وقيل - وهو المعروف - أنه نسبة إلى لبس الصوف ". ونفى القشيري صحة هذه النسبة أيضاً، وقال : إن القوم لم يعرفوا بلبس الصوف، وأيا كان أصل النسبة فإن اللفظ صار علما على طائفة بعينها، فاستغني بشهرته عن أصل نسبته.
هذا عن أصل النسبة، أما معنى التصوف فللقوم عبارات مختلفة في ذلك تصور مقام كل واحد في التصوف وتصوره له، فقال بعضهم في تعريف التصوف : أنه الدخول في كل خلق سني، والخروج عن كل خلق دني، وقيل : أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في ذلك الوقت ، بمعنى أنه إن كان في وقت صلاة كان مصليا، وإن كان في وقت ذكر كان ذاكر، وإن كان في وقت جهاد كان مجاهدا، لذلك قيل : الصوفي ابن وقته، وقيل في تعريف التصوف الأخذ بالحقائق، واليأس بما في أيدي الخلائق، وقيل التصوف مراقبة الأحوال ولزوم الأدب، وقيل غير ذلك.
منهج الصوفية المتقدمين :
امتاز منهج المتقدمين في الجملة بالتعويل على الكتاب والسنة، واعتبارهما مصدري التلقي والاستدلال الوحيدين، ويروى عنهم نصوص كثيرة في ذلك، فمن ذلك ما قاله أبو القاسم الجنيد :" مذهبنا هذا مقيد بالأصول الكتاب والسنة " وقال أيضا : " علمنا منوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به " وقال أبو سليمان الداراني :" ربما تقع في نفسي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة "، وقال سهل بن عبدالله التستري :" مذهبنا مبني على ثلاثة أصول :" الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال ".
العقائد والأفكار
ربما بدأت الصوفية كمجموعة اتخذت الزهد شعارها، وتصفية القلوب دثارها، مع صحة الاعتقاد وسلامة العمل في الجملة، إلا أنه قد دخل في مسمى الصوفية فرق وطوائف متعددة، لم يكن الجامع بينها إلا التحلي بالزهد والاهتمام بأحوال القلوب سواء أكان على وجه الصدق أم كان على وجه الادعاء والتظاهر أمام الخلق، أما العقائد فقد تفرقت بهم السبل فيها، ولا سيما بين جيل الصوفية الأوائل من أمثال إبراهيم بن أدهم، والجنيد، وبشر الحافي، وبين المتأخرين من أمثال الحلاج وابن عربي والفارابي وابن سبعين وغيرهم، وعليه فمن الخطأ بمكان إطلاق الأحكام التعميمية على الصوفية بعامة، لاتحادهم في الاسم مع اختلافهم الجوهري في كثير من العقائد والأفكار، فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
وسنعرض من خلال هذا البحث الموجز شيئاً من عقائد بعض الصوفية المتأخرين، ونذيل في نهاية البحث بتعليق نبين ما لها وما عليها، فمن عقائدهم:
1. القول بالحلول: وهي بدعة كفرية أخذها من أخذها عن كفار الهند، ومعناها عندهم أن الله حالٌّ في مخلوقاته فلا انفصال بين الخالق والمخلوق، وليس في الوجود إلا الله، وهذا ما يسمى بوحدة الوجود.
2. الغلو في الصالحين وفي مقدمتهم سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، حيث يعتقد الغالون من الصوفية أن النبي صلى الله عليه وسلم هو قبة الكون، وأن الخلق ما خلق إلا لأجله ومن نوره، ويقل منسوب الغلو عند بعضهم فيرى أن النبي صلى الله عليه وسلم بشراً رسولا، إلا أنهم يستغيثون به طالبين المدد والعون ولا يستغاث إلا بالله جل جلاله كاشف الضر ورافعه.
ومن أوجه الغلو عند الصوفية كذلك الغلو في صالحيهم، حتى وجد في بعضهم من يعبد شيخه فيسجد له ويدعوه، وربما قال بعضهم كل رزق لا يرزقنيه شيخي فلا أريده ونحو هذه الأقوال، وربما غلا بعضهم في نفسه واغتر بها، حتى روي عن بعضهم قوله: " خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله "، ويلقبون قادتهم ومعلميهم بالأقطاب والأوتاد، ويجعلون لهم تصريف الكون أرضه وسماءه، في منطق يجمع بين الجهل والسخف وقلة العقل والدين.

3. تقسيم الدين إلى شريعة تلزم العامة، وحقيقة تلزم الخاصة، فالشريعة هي ما يسمونه العلم الظاهر، والحقيقة هي ما يدعونه العلم الباطن، فالعلم الظاهر والذي يمثل الشريعة معلوم المصدر وهو الكتاب والسنة، أما علم الحقيقة، علم الباطن فهذا يدعي الصوفية أنهم يأخذونه عن الحي الذي لا يموت، فيقول أحدهم : حدثني قلبي عن ربي، وذهب بعضهم إلى القول بأنه يأخذ عن ملك الإلهام، كما تلقى الرسول صلى الله عليه وسلم علومه عن ملك الوحي، وزعم بعضهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو من يخبرهم بما يتوجب عليهم من عبادة وذكر، وأنهم يلتقون بالأنبياء ويسألونهم عن قصصهم، وقال آخر إذا طالبوني بعلم الورق، برزت عليهم بعلم الخرق.

وقال أبو حامد الغزالي في بيان هذا المسلك: " اعلم أن ميل أهل التصوف إلى الإلهيه دون التعليمية، ولذلك لم يتعلموا ولم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون، بل قالوا الطريق تقديم المجاهدات بمحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة، وذلك بأن يقطع الإنسان همه عن الأهل والمال والولد والعلم، ويخلو بنفسه في زاوية ويقتصر على الفرائض والرواتب، ولا يقرن همه بقراءة قرآن ولا بالتأمل في نفسه، ولا يكتب حديثا ولا غيره، ولا يزال يقول : "الله الله الله" إلى أن ينتهي إلى حال يترك تحريك اللسان ثم يمحي عن القلب صورة اللفظ "

4. بناؤهم العبادة على المحبة فقط، فلا يعبدون الله خوفا من ناره ولا طمعا في جنته، وقد قال بعض السلف:" من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري - أي من الخوارج - ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد "
هذه بعض أفكار وعقائد بعض الصوفية ولا سيما المتأخرين منهم، وسوف نعقِّب على ما ذكرنا من عقائدهم بالنقد والتقويم في نهاية البحث، والله الموفق .

الطرق الصوفية :
1. التيجانية : وتنسب لأحمد بن محمد بن مختار التيجاني، ولد سنة 1150هـ بقرية بني تيجين من قرى البربر ، ومن مزاعمه أنه خاتم الأولياء فلا ولي بعده، وأنه الغوث الأكبر، وأن أرواح الأولياء منذ آدم إلى وقت ظهوره لا يأتيها الفتح والعلم الرباني إلا بواسطته، وأنه وأتباعه أول من يدخلون الجنة، وأن الله أعطاه ذكرا يسمى " صلاة الفاتح " وأن هذا الذكر يفضل كل ذكر على وجه الأرض ستين ألف مرة، وأن أتباعه يدخلون الجنة بلا عذاب ولا حساب مهما عملوا من المعاصي .

2. الشاذلية: وتنسب إلى أبي الحسن الهذلي الشاذلي نسبة إلى شاذلة ببلاد المغرب، قال الإمام الذهبي في ترجمته في العبر : " الشاذلي : أبو الحسن علي بن عبدالله بن عبدالجبار المغربي، الزاهد، شيخ الطائفة الشاذلية، سكن الإسكندرية وله عبارات في التصوف توهم، ويتكلف له في الاعتذار عنها، وعنه أخذ أبو العباس المرسي، توفي الشاذلي بصحراء عيذاب في أوائل ذي القعدة 656هـ " وتنتشر "الشاذلية" في كل من مصر وبلاد الشام، ويشتهرون بالذكر المفرد "الله، الله، الله" أو المضمر " هو هو " ولهم ورد يسمى الحزب الشاذلي.

3. السنوسية: حركة سلفية صوفية إصلاحية، تأثرت بدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، فاهتمت بجانب تصحيح العقائد، والاهتمام بتزكية النفس وإصلاح القلوب، أسسها الشيخ محمد بن علي السنوسي 1202هـ وانتشر خيرها وعم نورها أرجاء عديدة من العالم الإسلامي، منها ليبيا ومصر والسودان والصومال والجزائر حتى وصلت إلى أرخبيل الملايو . وهذه الحركة أو الجماعة مثال للتصوف الإسلامي الصحيح الخالي من شوائب البدع والخرافات، من أشهر رجالاتها الشهيد البطل المجاهد أسد القيروان عمر المختار .
4. الختمية : طريقة صوفية أسسها محمد عثمان المرغني المحجوب ويلقب بالختم، أي خاتم الأولياء ولد سنة 1208هـ /1838م، وأول ما ظهرت الختمية بمكة والطائف، وانتشرت منهما إلى مصر والسودان وارتيريا، وتلتقي عقائدها مع كثير من عقائد فرق المتصوفة الآخرين كالغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، والغلو في شيوخهم.
أعلام التصوف :
اشتهر طائفة من رجال التصوف بالزهد، ومراعاة أحوال القلوب، حتى أصبحوا مضرب المثل في ذلك، في حين لم يعرف البعض الآخر من التصوف سوى لبس الخرق والتظاهر بالمسكنة، فضلا عن خروج الكثير منهم عن السنة بكثرة ما أحدث من البدع في العقائد والعبادات، فليست الصوفية سواء وليس رجالها سواء، والبصير العاقل من لم يضع الجميع في سلة واحدة لاتحاد الاسم مع أن المعنى مختلف، وسوف نعرض لتراجم بعض أعلام التصوف وأغلبهم من أهل الاستقامة في الدين لئلا تنفر النفوس من التصوف بمعناه الحسن، فما أحوج القلوب اليوم في زمن الجفاف المادي إلى نسمات الروح وهبات الإيمان لتغتذي بها، وفي ذكر الصالحين نعم العون على ذلك، فمن أعلام التصوف:

1- أبو محمد رويم بن أحمدت 303هـ من أقواله : " إذا رزقك الله المقال والفعال، فأخذ منك المقال وأبقى عليك الفعال فإنها نعمة، وإذا أخذ منك الفعال وأبقى عليك المقال فإنها مصيبة، وإذا أخذ منك كليهما فهي نقمة "
2- أبو العباس أحمد بن محمد الآدمي ت 309هـ كان من كبار مشائخ الصوفية وعلمائهم، وكان من أقران الجنيد - رحمه الله - من أقواله: "من ألزم نفسه متابعة آداب الشريعة، نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه ".
3- أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم ت 161هـ كان من أبناء الملوك، فخرج عن حاله تلك وتصوف، حتى صار مقدما في الصوفية، من أقواله : " إني لأسمع النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ".
4- أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني ( توفي قبل 300هـ ، كان من أولاد الملوك، وكان يقول: " من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعوّد نفسه أكل الحلال، لم تخطيء له فراسة "
5- أبو القاسم الجنيد بن محمد ت 297هـ: من أقواله : "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام ". وقال : " من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ".
6- ذو النون المصري أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم المصري ت : 245هـ. من أقواله : "مدار الكلام على أربع : حب الجليل، وبغض القليل، واتباع التنزيل ، وخوف التحويل " . وقال : " من علامات المحب لله عز وجل متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه ".
7- أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد ت 260هـ كان أحد أئمة الصوفية من أقواله : " المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى بريد الموت " . وقال: " من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال "
فهؤلاء - السالف ذكرهم - بعض أهل التصوف ممن كانت لهم أحوال صالحة، وأثنى عليهم علماء الإسلام، وسنثني بذكر بعض أعلام التصوف ممن عرفوا أو ذكروا ببعض العقائد الفاسدة :
8- أبي يزيد البسطامي، ت: 261هـ من أقواله الصالحة: " لو نظرتم إلى رجل أعطي الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة " وقيل : "لم يخرج أبو يزيد من الدنيا حتى استظر القرآن كله ".
قال الإمام الذهبي في السير : " وجاء عنه أشياء مشكلة لا مساغ لها، الشأن في ثبوتها عنه، أو أنه قالها في حال الدهشة والسكر والغيبة والمحو فيطوى ولا يحتج بها، إذ ظاهرها إلحاد مثل : سبحاني، وما في الجبة إلا الله، ما النار ؟! لأستندن إليها غدا وأقول اجعلني فداء لأهلها وإلا بلعتها، ما الجنة ؟!! لعبة صبيان، ومراد أهل الدنيا . ما المحدِّثون ؟! إن خاطبهم رجل عن رجل، فقد خاطبنا القلب عن الرب، وقال في اليهود : ما هؤلاء ؟! هبهم لي أي شيء هؤلاء حتى تعذبهم "
9- الحسين بن منصور الحلاج : قال الإمام الذهبي في السير : " كان يصحح حاله - أي الحلاج - أبو العباس بن عطاء ومحمد بن خفيف وإبراهيم أبو القاسم النصر آباذي، وتبرأ منه سائر الصوفية والمشايخ والعلماء، .. ومنهم من نسبه إلى الحلول ومنهم من نسبه إلى الزندقة وإلى الشعبذة .. وقد تستر به طائفة من ذوي الضلال والانحلال وانتحلوه وروجوا به على الجهال نسأل الله العصمة في الدين " وأورد الإمام الذهبي وغيره في ترجمته حكايات عنه فيها شعبذة ومخاريق، واشتهر بالقول بوحدة الوجود وهي من أشنع البدع وأقبحها على الإطلاق، ومن شعره الذي أنكره العلماء، قوله :
سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرا في صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينة خلقه كلحظة الحاجب بالحاجب
الخاتمة
كانت تلك لمحة موجزة عن هذه الفرقة التي بدأت نبتة حسنة طيبة في مجملها، إلا أنها ما لبثت أن لبس عباءتها من ليس منها، وأدخل عليها من البدع العقدية والعملية ما لا تدين به، ومن هنا بإمكاننا القول من خلال النظر في خط سير الصوفية بأنها انحرفت كثيرا عن نهج أعلامها الأول، حتى وصل بها الأمر عند متأخري الصوفية إلى القول بنماذج من البدع بل ربما الإلحاد والشرك لا يقرها عقل ولا دين، وقد عرضنا لبعض تلك البدع من خلال فقرة " عقائد وأفكار الصوفية " وسنقف مع تلك العقائد في هذه الخاتمة وقفات نعرج عليها بالنقد والتقويم، حتى يتبين زيفها ويتضح بطلانها:
الوقفة الأولى في إبطال القول بوحدة الوجود: التي يدعي القائلون بها أن الكون ما هو إلا الله سبحانه، إلا أنه لطف فسمي حقا، وكثف فسمي خلقا، وعليه فكل ما نراه في هذا الكون - وفق هذا السخف - من حجر وشجر وبشر ما هو إلا الخالق سبحانه، حتى قال بعض هؤلاء الأراذل:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة

وهي بدعة إلحادية مرذولة في العقل والدين، أما في العقل فلا شيء يسند قولا كهذا، إذ لا دليل عليه بل هو محض توهمات وتخيلات فاسدة، أما الدين فمن المعلوم ضرورة، ومن اليقينيات لدى كل مسلم أن الله هو الخالق وما سواه مخلوق، وأن على العباد أن يعبدوا خالقهم ولا يشركوا به شيئا، وأن أعظم الذنوب على الإطلاق أن يُدَّعى الألوهية في شيء غير الله من حجر أو شجر أو قمر ، فكيف بمن ادعى أن الكون كله هو الإله، إن هذا لمن أبطل الباطل وأمحل المحال، لذلك قال العلماء إن كفر أصحاب القول بوحدة الوجود أعظم من كفر اليهود والنصارى بل ومن سائر المشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر .

الوقفة الثانية : الوقفة مع الغلو الصوفي سواء في النبي صلى الله عليه وسلم، أو فيمن دونه كمشايخهم وساداتهم، فقد نهى الله سبحانه عن الغلو وبين أنه سبب من أسباب الضلال والانحراف عن الصراط المستقيم، فقال سبحانه :{ يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } والغلو هو التشديد في الأمر حتى يجاوز الحد فيه، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو أيضا، فقال عليه الصلاة والسلام: ( إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من قبلكم الغلو في الدين ) وقال أيضاً: ( لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا عبدالله ورسوله ) رواه البخاري.

فالواجب هو أن ينزل كل ذي منزلة منزلته لا إفراط ولا تفريط، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو سيد الخلق وهو عبد الله ورسوله، فلا يجوز أن ينتقص من قدره، ولا يجوز أيضا أن يرفع فوق منزلته فيدعى في حقه أنه يعلم الغيب، أو أنه يكشف الضر ويدفعه، فليس هذا من أفعاله صلى الله عليه وسلم ولا من خصائصه ولم يضعه الله في هذه المنزلة، وكذلك من دونه هم بشر لا يعلمون غيبا، ولا يتصرفون في ذرة من ذرات هذا الكون، فمن السخف أن يعتقد فيهم أنهم أقطاب الكون ومصرفوه، وأنهم يعلمون غيب السموات والأرض .
الوقفة الثالثة : في إبطال تقسيم الدين إلى شريعة للعامة وحقيقة للخاصة، فهذا لم يأت به سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ولا علمه لصحابته، فمن أين لهم هذا التقسيم ؟!! وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس محافظة على شريعة الله عز وجل، وأشد الناس وقوفا عند حدوده سبحانه، فمن أين لهؤلاء أنهم يسوغ لهم الروغان عن شريعة رب العالمين بناء على أوهام فاسدة، يدعي أصحابها أنهم يتلقونها عن الله مباشرة فيطرحون الشرع ويضيعون الفرائض، وهل ما يسمونه إلهاما يبطل شرعه سبحانه ودينه، إن إلهاما كهذا ما هو إلا وسوسة يجب طرحها، والاستعاذة بالله منها، هذا منطق العقل والدين أما أن تبطل الشريعة بدعوى العلم الباطن فهذا سخف وجهل وسوء طوية نسأل الله السلامة والعافية.

وفي الختام لا نغفل القول بأن ثمة جوانب انتقدها العلماء على الصوفية المتقدمين، كقلة الاهتمام بالعلم تعلما وتعليما، وتحريمهم الطيبات على أنفسهم من المطعم والملبس بل وحتى النساء، وقد كان النبي صلى الله وسلم يأكل اللحم ويحب الحلوى، وحُبب إليه من الدنيا الطيب والنساء، ومما يؤخذ عليهم أيضا قعود كثير منهم عن الكسب مع قلة ذات اليد مما يجعل منهم عالة على غيرهم، في جوانب أخرى انتقدها العلماء عليهم وأطال في ذكرها العلامة ابن الجوزي في تلبيس إبليس فطالعها هناك، وإنما أحببنا فقط أن نذكر بها حتى لا يقال إن كل ما كان عليه المتصوفة المتقدمون حقا وصوابا.

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:33 PM
المرجئة عقيدتهم وموقف السلف منهم











الإرجاء في اللغة : التأخير، وفي الاصطلاح تأخير العمل وإخراجه عن حقيقة الإيمان، قال ابن كثير في بيان سبب تسمية المرجئة بهذا الاسم: " .. قيل مرجئة لأنهم قدموا القول وأرجؤا العمل - أي أخروه " وهم أقسام وفرق متعددة مختلفة في تحديد معنى الإيمان عدّها الأشعري في المقالات اثنى عشر فرقة، وأشهرهم فرقتان:
الأولى مرجئة الفقهاء : وهم الذين يرون أن الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب، لا يزيد ولا ينقص، والأعمال الصالحة ثمرات الإيمان وشرائعه، قال الإمام الطحاوي - رحمه الله - في بيان هذا المذهب: " والإيمان هو الإقـرار باللسان والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد، وأهـله في أصله سواء، والتـفاضل بينهم بالخشية والـتـقى ومخالفة الهوى، ملازمة الأولى " (العقيدة الطحاوية).

الثانية مرجئة المتكلمين : وهم الجهمية ومن تابعهم من الماتريدية والأشاعرة، وإليك نقولات عن السلف تبين مذهبهم في الإيمان، يقول الفضيل بن عياض : " أهـل الإرجاء - إرجاء الفقهاء - يقولون : الإيمان قول بلا عمل، وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل " ( تهذيب الآثار الطبري 2/182).، ويقول وكيع بن الجراح : " ليس بين كلام الجهمية والمرجئة كبير فرق؛ قالت الجهمية: الإيمان المعرفة بالقـلـب ، و قال المرجئة : الإقـرار باللسان " أي مع اعتقاد القلب (نفس المصدر السابق)

وقال الإمام أحمد :" الجهمية تقول إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه، وهذا كفر؛ إبليس قد عرف ربه ، فقال : رب بما أغويتـنى " (الخلال اللوحة 96)
مؤسسوا مذهب مرجئة الفقهاء :
اختلف الباحثون في تحديد أول من أظهر مذهب مرجئة الفقهاء على أقوال، فقيل هو:
1. ذر بن عبدالله الهمداني : وهو تابعي متعبد توفي في نهاية القرن الأول، قال إسحاق ابن إبراهيم : " قلت لأبى عبد الله - يعنى الإمام أحمد -: أول من تكلم فى الإيمان من هـو؟ قال: يقولون: أول من تكلم فيه ذر " (مسائل الإمام أحمد لإسحاق ابن إبراهيم ( 2 / 162 )؛ قال سلمة بن كهيل : " وصف ذر الإرجاء و هو أول من تكلم فيه، ثم قال أنى أخاف أن يتخذ هذا دينا ، فلما أتـتـه الكتب فى الآفاق ، قال: فسمعته يقول : وهـل أمر غير هذا " (السنة لعبد الله بن أحمد ، ص81).

2. وقيل أول من قال بالإرجاء حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة وتلميذ إبراهيم النخعي ، قال معمر كنا نأتي أبا إسحاق ، فيقول: من أين جئتم ؟ فنقول: من عند حماد ، فيقول: ما قال لكم أخو المرجئة ؟!! وعن أبي هاشم قال أتيت حماد بن أبي سليمان ، فقلت: ما هذا الرأي الذي أحدثت ولم يكن على عهد إبراهيم النخعي ؟ فقال: لو كان حيا لتابعني عليه يعني الإرجاء "

3. وقيل أول من أنشأ القول بالإرجاء قيس الماصر : فقد نقل الحافظ ذلك عن الأوزاعي ؛ قال: أول من تكلم فى الإرجاء رجل من أهل الكوفة يقال له: قيس الماصر . تهذيب التهذيب 7/490.

4. وقيل سالم الأفطس : فعن معقل بن عبيدالله الجـزرى العبسي قال: " قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء، فعرضه فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا، و كان أشدهم ميمون بن مهران و عبدالكريم بن مالك ، فأما عبدالكريم فإنه عاهـد الله لا يأويه و إياه سقـف بيت إلا فى المسجـد.

مؤسس مذهب مرجئة المتكلمين :
هو الجهم بن صفوان: كان رجلا من أهل الأهواء لم يجالس عالما قط، ولم يعرف بطلب العلم، وإنما جالس أهل الأهواء وفي مقدمتهم الجعد بن درهم الذي ذبحه خالد بن عبدالله القسري لزندقته ونفيه صفات الله سبحانه، وكان الجهم مع جهله خصما مجادلا، التقى جماعة من زنادقة الهند يقال لهم: " السمنية " فسألوه عن مصدر المعرفة وكانوا لا يؤمنون إلا بالمحسوس، فقالوا له: صف لنا ربـك هذا الذى تعبده يا جهم ، و بأي حاسة أدركـتـه من الحواس، أرأيته أم لمسته - أم … الخ ؟! فمكث فترة لا يجيبهم، ثم اخترع قولا في الله أجابهم به، فقال : " هـو هـذا الهـواء مع كـل شئ وفي كـل شئ و لا يخلو من شئ " ( الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص65 ). ولم يكن لأقوال جهم في حياته ولا بعد وفاته قبول، بل عاش مطاردا مطلوبا من ولاة الأمر حتى قتله سلم بن أحوز عامل نصر بن سيار على مرو، وقال له: " يا جهم ! إنى لست أقتلك لأنـك قاتـلتـني، أنت عندي أحـقـر من ذلـك، ولكني سمعتـك تتـكلم بكلام باطل أعطيت لله عهدا أن لا أملك إلا قتلتك فقتله " ا.هـ من فتح الباري (13/346) .
وتلقف أقوال جهم من بعده - سواء في الصفات أو في الإيمان - بشر المريسي شيخ المعتزلة، جاء في ترجمة بشر في البداية والنهاية : " حكي عنه أقوال شنيعة وكان مرجئيا، وإليه تنسب المريسية من المرجئة، وكان يقول : إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر، وإنما هو علامة للكفر "
وممن تلقف مذهب جهم في الإيمان ابن كلاب أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب القطان رأس المتكلمين بالبصرة، والإمام أبو الحسن الأشعري ، وهذان هما اللذان نشرا مذهب جهم في الإيمان، قال الإيجي في المواقف بعد أن ذكر معنى الإيمان في اللغة : " وأما في الشرع .. فهو عندنا وعليه أكثر الأئمة كالقاضي والأستاذ : التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، وتفصيلا فيما علم تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا " فالإيمان عند الأشعرية لا يتعدى تصديق القلب من غير إقرار لسان ولا عمل جوارح .

وقفة مع الإرجاء
ليس هناك من وقفة أعظم أثرا في بيان تهافت مذهب المرجئة من بيان موقف علماء السلف منه، فالإرجاء إنما نشأ في عصرهم، ونبت بينهم، فعلموا حقيقته، واستبان لهم نتائجه وآثاره المدمرة، فوقفوا من المرجئة موقفا صارما حيث بينوا لهم ضلال ما ذهبوا إليه، ومن عاند منهم وأصر هجروا مجلسه، وأغلظوا له القول، ووعظوه وخوفوه بالله، كل ذلك تنبيها لخطر قولهم وتحذيرا للأمة منهم، وفيما يلي بعض مواقف العلماء من المرجئة، مع تنبيهنا أن معظم الآثار الواردة عن السلف في إنكار الإرجاء إنما هي في إرجاء الفقهاء فكيف بإرجاء المتكلمين!!:
عن إبراهيم النخعي ت 96هـ رحمه الله قوله : " الإرجاء بدعة " وقال " إياكم و أهـل هذا الرأى المحدث " - يعنى الإرجاء - ، وكان رجل يجالس إبراهيم يقال له محمد ، فبلغ إبراهيم أنه يتكلم فى الإرجاء، فقال له إبراهيم : "لا تجالسنا "، و قال: " تركوا هذا الدين أرق من الثوب السابرى"، وقال:" لفتـنتهم عندي أخوف على هـذه الأمة من فتـنة الأزارقة " يعني الخوارج .
وقال سعيد بن جبير : " المرجئة مثل الصابئين " وكان شديدا عليهم, حتى أن ذرا أتاه يوما فى حاجة فقال : " لا، حتى تخبرنى على أي دين أنت اليوم - أو رأي أنت اليوم - ، فإنـك لا تـزال تـلتمس دينا قد أضللتـه، ألا تستحي من رأي أنـت أكبر منه ؟ "وقال الإمام الزهري : " قال : " ما ابتدعـت فى الإسلام بدعة هى أضر على أهله من هذه - يعنى الإرجاء - " .

وقال الأوزاعي : كان يـحـيى وقـتـادة يـقـولان: ليـس من أهـل الأهواء شئ أخوف عندهـم على الأمة من الإرجاء "، وعن الحسن بن عبيدالله قال: " سمعت إبراهيم - النخعى - يقول لذر - أحد المرجئة - : ويحك يا ذر، ما هذا الدين الذى جئت به ؟ قال ذر : ما هو إلا رأي رأيته ! قال : ثم سمعت ذرا يقول: إنه لدين الله الذى بعث به نوح "!!

وعن معقل بن عبيدالله الجـزرى العبسي قال : " قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء، فعرضه فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا، وكان أشدهم ميمون بن مهران وعبدالكريم بن مالك ، فأما عبدالكريم فإنه عاهـد الله لا يأويه و إياه سقـف بيت إلا فى المسجـد .
قال معقل : فحججت، فدخلت على عطاء بن أبى رباح فى نفر من أصحابي .. فقلت: إن لنا إليك حاجة فاخل لنا، ففعل، فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا وتكلموا، وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، قال: فقال: أو ليس يـقـول الله : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة }، فالصلاة و الزكاة من الدين .
قال: فقلت له: إنهم يقولون : ليس فى الإيمان زيادة . قال: أو ليس قد قال الله فيما أنزله : { فزادهم إيمانا }، فما هذا الإيمان الذى زادهم ؟!
قال: ثم قدمت المدينة، .. فذكرت له بدو - ظهور - قـولهم - أي المرجئة -، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أضربهم - أي الناس - بالسيف حتى يقولوا : لا إله إلا الله , فإذا قالوا : لا إله إلا الله عصموا منى دماءهم و أموالهم إلا بحقه ، و حسابهم على الله ). قال : قـلـتُ : إنهم يقولون : نحن نقر بأن الصلاة فريضة ولا نصلي، وأن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نـفعـل، قال: فـنـتـر يده من يدي، وقال : " من فعـل هـذا فهـو كافـر" .
قال معـقـل : ثم لقيـت الزهري ، فأخبرته بقولهـم، فقال سبحان الله !! أو قـد أخذ الناس في هذه الخصومات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ) رواه البخاري .

قال: ثم لقـيت الحكم بن عتيبة ، قال: فقلت : إن ميمونا وعبدالكريم بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة، فعرضوا عليك قـولهم ، فقبـلـت قوله.
قال: فقيل ذلك على ميمون وعبد الكريم ؟ قـلـتُ : لا .
قال: ثم جلست إلى ميمون بن مهـران ، فقيل له: يا أبا أيوب : لو قرأت لنا سورة نـفسرها، قال: فـقرأ أو قرأت: { إذا الشمس كورت }، حتى إذا بلغ: { مطاع ثم أمين }، قال : ذاك جبريل و الخيبة لمن يـقول : أن إيمانه كإيمان جبريل .
هذه بعض مواقف علماء السلف من المرجئة، وما ذاك منهم لعداء شخصي يكنونه لهم، ولكن لعظم خطرهم وجليل شرهم على الأمة، فدعواهم مدعاة لترك العمل والتكاسل عن الطاعات، فما ضر أحدهم - وفق مذهب المرجئة - لو ترك الفرائض ما دام إيمانه محفوظا ودينه موفورا، وهو مع ذلك بمنزلة جبريل وميكائيل، إن هذا المنطق يورث في النفس اتكالا وخمولا ويولد التفريط والتقصير في الطاعات، اتكالا على سلامة الإيمان وصحتته، وقد كان الصحابة والهداة من السلف على خلاف ذلك، فقد كانوا يربطون ربطا مباشرا بين عمل الجوارح وإيمان القلب فهذا التابعي الجليل ابن أبي مليكة رحمه الله يذكر أنه أدرك ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " كلهم كان يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبرائيل وميكائيل " رواه البخاري ، وهذا ابن مسعود ينقل رأي الصحابة في ارتباط العمل بالإيمان فيقول: " ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف" رواه مسلم ، فانظر كيف ربط رضي الله عنه النفاق بترك العشاء، وقال إبراهيم التيمي : " ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن يكون مكذبا " ذكره البخاري .

لمعرفة مذهب أهل السنة تفصيلا في الإيمان انظر المواضيع التالية:
1. حقيقة الإيمان عند أهل السنة.
2. زيادة الإيمان ونقصانه.
3. أسباب الكفر الأكبر.
4. شروط الكفر وموانعه .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:34 PM
الخوارج .. محطات تاريخية



الخوارج أول الفرق الإسلامية بروزا في الساحة ، إذ تعود أصولها إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في "الصحيحين" في قصة ذي الخويصرة التميمي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد اعدل فإنك لم تعدل ، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ووبخه قائلا : ( ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله، فلما ولَّى الرجل، قال خالد بن الوليد : يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ قال : لا، لعله أن يكون يصلي، فقال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لم أومر أن أنقِّب - أفتش - عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم . ثم نظر إليه وهو مقفِّ - أي ذاهب - فقال : إنه يخرج من ضئضئ هذا ( عقبه ) قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود ) ، ولعل من الواضح أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بقوله يخرج من ضئضئ ذي الخويصرة الأتباع ممن كان على شاكلته في الفكر والعمل .
خروجهم في عهد علي رضي الله عنه :
ظهر الخوارج كجماعة في أثناء معركة صفين التي جرت أحداثها بين الإمام علي ومعاوية رضي الله عنهما، وتحديدا عندما اتفق الطرفان على وقف القتال واللجوء إلى التحكيم، ما أثار حفيظة الخوارج، الذين اعتبروا التحكيم نوعا من الحكم بغير ما أنزل الله، فاعتزلوا عليا بل كفروه وتبرؤا منه، وتجمعوا - وكانوا ثمانية آلاف أو نحو ذلك - في مكان يقال له : حروراء ومن ثم قيل لهم : الحرورية، فأرسل إليهم عليٌ ابنَ عباس فناظرهم فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم علي رضي الله عنه فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة .
ثم أشاعوا أن علياً تاب من الحكومة "التحكيم" ولذلك رجعوا معه، فبلغ ذلك علياً فخطب، وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد : " لا حكم إلا لله "، فقال علي رضي الله عنه : " كلمة حق يراد بها باطل"، ثم قال لهم : " لكم علينا ثلاثة : أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادا " . إلا أن الخوارج لم يرضوا بهذا العرض فكانت :
وقعة النهروان وإبادة الخوارج :
بعد العرض الذي عرضه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه على الخوارج ورفضهم ذلك العرض ، خرجوا من الكوفة، حتى اجتمعوا بالمدائن، فكتب إليهم علي رضي الله عنه طالبا منهم الرجوع إلى جماعة المسلمين، فأصروا على الامتناع، حتى يشهد على نفسه بالكفر، لرضاه بالتحكيم، ويتوب . ثم بعث إليهم رسوله فأرادوا قتله، ثم اجمعوا على أن من لا يعتقد معتقدهم يكفر، ويباح دمه وماله وأهله، وصدَّقوا القول بالعمل، فامتحنوا الناس في قبول أفكارهم فمن قبلها وتابعهم سَلِمَ ، ومن ردَّها قُتِل، ومرَّ بهم عبد الله بن خباب بن الأرت وكان والياً لعلي على بعض تلك البلاد ومعه أمَتُه - وهي حامل - فقتلوه وبقروا بطن أمَتِه، فبلغ صنيعهم علياً ، فخرج إليهم في جيش كان قد هيَّأه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم بالنهروان، ولم ينج منهم إلا القليل .

الخوارج بعد وقعة النهروان :
ورغم تلك الموقعة المباركة التي هلك فيها أكثر الخوارج، إلا أن الشجرة الخبيثة لم تجتث بكاملها، حيث بقي منهم بقية، ذكر الرواة أنهم عشرة توزعوا في البلاد الإسلامية، وصاروا ينشرون مذهبهم ويدعون إليه .

تفرق الخوارج وتمزقهم إلى فرق
مذهب الخوارج يحمل في نفسه بذور تمزقه وتشرذمه، وذلك لما عُرف به الخوارج من سطحية في الفهم، وحدة في التعامل، لم يسلم من آثارها حتى الخوارج أنفسهم، فكان توالد الفرق وتباينها مرهونا بالاختلاف في الأفكار والمعتقدات، فكلما أنشأ أحدهم فكرا أو تفرد عن الجماعة بقول عودي وكُفِّر من الجماعة الأم، فلا يلبث أن يتبعه نفر ليشكلوا بذلك جماعة منفصلة وهكذا دواليك .

وبهذا النهج أصبحت الخوارج فرقا متعددة وليست فرقة واحدة، وجماعات متفرقة لا جماعة واحدة ، إلا أن علماء الفرق يُرجعون فرق الخوارج إلى ست فرق ويعدون ما عداها فروعا لها .
هذا شيء من تاريخ الخوارج ، سقناه - لك أخي القاريء - مخضبا بدماء المسلمين، تاريخ يشهد على عظم خطر الانحراف الفكري ، الذي قاد إلى استحلال الحرمات، والوقوف مع الباطل من حيث يظن صاحبه أنه على الحق.

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:36 PM
دراسة الأوصاف النبوية للخوارج شر البرية

ربما لم يرد في السنة النبوية من الأحاديث المحذرة والمبينة لفرقة من الفرق مثلما ورد في الخوارج، إذ تواترت الأحاديث الواردة فيهم مبينة صفاتهم ومحذرة من أفكارهم ومواقفهم . وذلك لما تمثله هذه الفرقة من خطر فكري وخطر مادي على أمة الإسلام . فخطرها الفكري يتمثل في سقم منهجها في التعامل مع النصوص، وما يستتبع ذلك من فهوم خاطئة تقوم عليها سلوكيات غاية في البشاعة، وليس هذا فحسب بل إن اتصاف هؤلاء الخوارج بصفات التعبد والتأله، من كثرة الصيام والصلاة وقراءة القرآن ربما يغري بعض الناس فيحسنوا الظن بهم إحسانا يدفعهم إلى اعتقاد صحة أفكارهم وأعمالهم، لذلك كان اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم ببيان شأنهم وحالهم تنبيها للأمة ورحمة بها لئلا تنزلق في حومة أفكارهم وسوء فعالهم .

تعريف الخوارج
الخوارج هم الطائفة الخارجة سموا بذلك لخروجهم على علي رضي الله عنه ثم خروجهم على كل من لم يوافقهم من الأئمة، عدولا كانوا أم جائرين، وصفة الخروج على الأئمة من غير موافقيهم هي أخص أوصافهم، حتى نص بعض العلماء على أنه لا يصح إطلاق وصف الخوارج إلا على من كفَّر المسلمين، وسلَّ سيفه عليهم، وأراد تغيير السلطة الحاكمة من غير وجه شرعي .

صفات الخوارج في الحديث النبوي
· الخوارج حَفَظَةٌ من غير فهم
وهذا مأخوذ من وصف النبي صلى الله عليه وسلم لهم، بأنهم : ( يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ) متفق عليه . وهذا من أعظم الأوصاف سوءا وهو أنهم لا يفهمون القرآن، وهذا سبب انحرافهم الأكبر أنهم قرؤوا القرآن ولم يفقهوا معانيه ومقاصده، فضلوا وأضلوا .

وهذا الوصف النبوي يعرفنا بالخلل في طريقة فهم هؤلاء للقرآن، فهم سطحيون في فهمهم لا يفرقون بين ما نزل في الكفار وبين ما نزل في المسلمين، ولا يحملون نصاً مطلقا على مقيد، ولا عاما على خاص ، ويتمسكون بظاهر الآية ولا ينظرون إلى ما عارضها مما يبين معناها، فهم يتعاملون مع القرآن بسذاجة ممزوجة بغرور يدفعهم إلى رد أي توجيه أو إرشاد لهم، الأمر الذي جعلهم في معزل عن الانتفاع بأي نقد يوجه إليهم، يصلحون به طريقهم . فقد ناظرهم علي وابن عباس رضي الله عنهم واستمرت المحاورة الفكرية معهم على مرِّ العصور إلا أن طبيعة تفكيرهم تأبى أن تقبل نقدا أو نقضاً لأقوالها .

الخوارج حرب على المسلمين وسِلْمٌ على الكافرين
وهذه الصفة مأخوذة من قول النبي صلى الله عليه وسلم في وصفهم : ( يقتلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان ) متفق عليه . وهذه علامة من علامات نبوته، وأمارة من أمارات صدقه صلى الله عليه وسلم ، فلم يعرف عن الخوارج أنهم رفعوا السيف في وجه أهل الأوثان، بل عُرفوا بالشفقة على أهل الذمة من الكفار دون المسلمين، ولقد دعاهم علي رضي الله عنه إلى قتال من قال : " كذب الله ورسوله " فأبوا إلا قتل المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم !!.

الخوارج اجتهاد في العبادة ومروق من العقيدة
ومما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج قوله: ( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم ) متفق عليه . هذا الوصف الإيجابي يدل على شدة عبادة هؤلاء وتبتلهم لربهم، إلا أن هذا التبتل غير شافع لهم لما خالطه من تكفير للمسلمين وإلحاق الأذى بهم، وترك جهاد الكافرين، وفوق ذلك تحريفهم لكتاب الله عز وجل وتحميله من المعاني ما لا يحتمل، وما اتفق المسلمون على نفيه عنه وتنزيهه منه .

· الخوارج حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام
ومن الأوصاف النبوية للخوارج أنهم : ( حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام ) متفق عليه، فهم صغار في السن وضعفاء في العقل، فقد جمعوا بين أمرين : صغر السن المتصف صاحبه - غالبا - بعدم تقدير الأمور ووزنها بميزانها الصحيح، وبين ضعف العقل مما يدل على السفه، وهذا يراه الدارس لمذاهبهم ومواقفهم ، فالخوارج خرجوا على حين فرقة من المسلمين ( علي / معاوية ) والصحابةُ وإن اختلفوا في هذه الفُرقة بين مؤيد ومعتزل، إلا أنهم أجمعوا على نبذ ما دعت إليه الخوارج وإنكاره ، وهذا الموقف الإجماعي من الصحابة تجاه الخوارج كان ينبغي أن يدفعهم إلى النظر في شأنهم وتأمله ، ومراجعة أفكارهم ومواقفهم ، إلا أنهم أبوا إلا المضي في غيهم، وهذا قمة السفه، وبهذا صدق فيهم الوصف النبوي بأنه سفهاء الأحلام نسأل الله السلامة .

· الخوارج يحسنون القول ويسيئون العمل
وهذا وصف نبوي آخر يصف به النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج ، فهم يتشدقون برفع الظلم ومحاربة الطغاة إلا أنهم في حقيقة الأمر أشد فتكا بالمسلمين من غيرهم من الطغاة، فمن قَتَلَ وسَلَّ السيف على المسلمين واستباح منهم ما يستباح من الكافر الحربي هو أشد طغيانا وأشد ظلما ممن جار في حكمه ومسَّ ظلمه أفرادا من الرعية ، في حين أن ظلم الخوارج قد شمل غالبية مخالفيهم ، فانظر إلى هذا البون الشاسع بين حلاوة القول ومرارة العمل .

· الخوارج والتحليق
وهذا الوصف ثبت في صحيح "البخاري" مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سيماهم التحليق ) والمراد به : حلقها على صفة خاصة، أو حلقها بالكلية، حيث لم يكن ذلك من عادة المسلمين ولا من هديهم في غير النسك، ولعل الحكمة من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بهذه الصفة - مع أن الحلق مباح في الشرع - تنبيه الناس عليهم بأوصاف حسية، فيدفعهم ذلك إلى التحقق من شأنهم، والنظر في بقية صفاتهم، فيحصل التحذير والإنذار من هذه الفرقة الضالة .

· الخوارج وزمن خروجهم
زمن خروج الخوارج هو وقت فرقة تحدث بين المسلمين، وقد ورد الحديث بذلك في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق ) ، وقد كان ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث خرجت الخوارج في زمن الفرقة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما وما حدث بينهما من قتال في معركة صفين .

وخاتمة الأوصاف النبوية للخوارج أنهم ( شر الخلق والخلقية ) كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، وأن قتلاهم ( شر قتلى تحت أديم السماء ) كما عند الطبراني مرفوعا، وأنهم ( كلاب النار ) كما في مسند أحمد ، وأنهم : ( يمرقون من الدين ) كما ثبت ذلك في الصحيحين .

فهذه هي صفة الخوارج وهذه هي فعالهم، فانظر إلى عظم التحذير منهم وبالغ التنفير عنهم . هذا وهم قد جمعوا مع ظلمهم وطغيانهم وفساد معتقدهم العبادة والتبتل، فكيف بمن اجتمع عنده سوء المعتقد، والطغيان وافتقد العبادة بل ربما عبد غير الله، لا شك أن هؤلاء شر من الخوارج وأبغض عند الله، وما أكثرهم في هذا الزمان .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:36 PM
منهج التعامل مع الخوارج المارقين









وقفنا في مقالات سابقة على شيء من تاريخ الخوارج، وعرضنا لبعض أفكارهم وانحرافاتهم، وما كان لذلك من أثر على أمة الإسلام، إذ لعبت هذه الطائفة دورا خطيرا في شرخ الأمة وإثارة الفتن والقلاقل الداخلية، ما أضعف الأمة واستنزف طاقتها.
وقد كان الخوارج منذ بدء خروجهم دعاة بدعة خرجوا من أجل فرض مذهبهم وتحقيق آرائهم التي تعتبر في نظر أهل السنة بدعا لا يجوز موافقتهم عليها، وحينما يتذكر المرء كيف سلَّ الخوارج سيوفهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بعد أن كفروه وتبرؤوا منه ، وهو من هو علما وتقوى وصلاحا وعدلا . ونصَّبوا على أنفسهم أعرابيا بوالا على عقبيه لما كان على رأيهم، وكذلك كيف : سلَّوا سيوفهم على الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو من هو علما وتقوى وعدلا وصلاحا حتى قُرن بعمر بن الخطاب رضي الله عنه في عدله . هذه النماذج تُظهر لنا بما لا يدع مجالا للشك مدى التحدي الذي يواجه الأمة في معالجة هذه الظاهرة والتعاطي معها .
وقد رأينا في منهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه خير أنموذج يقتفى في تحديد المنهج الصحيح للتعامل مع هذه الفرقة الضالة، لا سيما أن ذلك المنهج قد حاز على موافقة الصحابة الذين لم ينكروا - فيما نعلم - على علي رضي الله عنه أياً من مواقفه مع الخوارج .
الحوار أولا :
كان الحوار أول ما بدأ به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه مع الخوارج إذ بعث إليهم عبد الله بن عباس لمحاورتهم والنظر فيما أخذوا عليه، حيث ذكروا ثلاث خصال ناظرهم فيها عبد الله بن عباس، فرجع منهم ألفان وبقي الآخرون فقتلوا في معركة النهروان .
والبدء بالحوار هو ما سار عليه أيضاً الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عندما بعث إلى الخوارج عبد الحميد نائبه على الكوفة، يأمره بأن يدعوهم إلى الحق ويتلطف بهم، وألا يبدأهم بقتال إلا أن يظهر فيهم ما يستوجب ذلك، فلما فعلوا ما يوجب قتالهم أرسل إليهم جيشا فقاتلهم .
دعوتهم إلى كف أذاهم عن المسلمين :
وهذه الخطوة جاءت تالية بعد أن أظهر الخوارج عنادا في الاستجابة للحجة، والخضوع للحق عندما ناظرهم ابن عباس رضي الله عنه، فقد عرض عليهم علي رضي الله عنه أمورا ثلاثة، فقال لهم : " .. إلا أن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا : لن نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا "رواه البيهقي وابن أبي شيبة . فجمع هذا العرض من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بين الحكمة والسماحة : الحكمة في محاولة دمج الخوارج في المجتمع المسلم مع ضمان كف أذاهم عن المسلمين، مما يؤدي إلى إذكاء روح الحوار بينهم وبين سائر المسلمين الأمر الذي ربما يثنيهم عن آرائهم، أو يخفف من شدتها التي ستضعف تدريجيا أمام قوارع الحق من الحجج والبراهين .
والسماحة أيضا في تركهم مع أفكارهم - على خطورتها على الأمة - وما ذلك إلا أن مفسدة مجابهتها ستؤدي إلى زيادة التمسك بها والتعصب لها وما يستتبع ذلك من إراقة للدماء وانتهاك للحرمات . فكان في تركهم مع أفكارهم على ضلالها قمة الحكمة والسماحة . ولعله رضي الله عنه استند في مذهبه هذا إلى ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل ذي الخويصرة التميمي - البذرة الأولى لبدعة الخوارج - إذ كان أذاه مقتصرا على الرأي فقط .
القتال وآخر العلاج الكي :
وهذا المنهج اتبعه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه مع الخوارج عندما سلوا سيوفهم على المسلمين وبقروا بطون الحوامل، وقتلوا وأفسدوا في الأرض، حيث قتلوا عبدالله بن خباب بن الأرت وشقوا بطن أمَتِه، فبلغ صنيعهم ذلك عليا رضي الله عنه فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام فأوقع بهم بالنهروان، ولم ينج منهم إلا عشرة أو دونهم، ولم يقتل ممن معه إلا نحو العشرة .
وقد فرح أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بقتال الخوارج فرحا شديدا لما سمع من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم ومدح من قاتلهم، بل وعزمه صلى الله عليه وسلم - إن هو أدركهم - على قتلهم قتلا عاما كقتل عاد، فعن علي رضي الله عنه، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول : ( يأتي في آخر الزمان : قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة ) متفق عليه .
وعلى ضوء هذا الملخص للمنهج الفكري والسياسي الذي اتبعه علي رضي الله عنه في تعامله مع الخوارج يتضح لنا بعد نظره ومدى حكمته في معالجته لهذه الظاهرة الخطيرة، فقد حاول رضي الله عنه ثني الخوارج أولا بالمناظرة والحجة والبرهان، وقد حققت هذه الخطوة تقدما كبيرا حيث رجع ثلث الخوارج وأفقدت البقية الباقية مصداقيتها الشرعية، كما أن الخطوة الثانية : كان الهدف منها كف أيدي الخوارج عن أذى المسلمين، والعود بهم إلى جماعتهم - وإن بقوا على ضلالاتهم الفكرية - التي لن تلبث أن تذهبها طوارق الحق والنور .
وأما الخطوة الثالثة : فكانت ضرورية حفظا لأنفس وأعراض وأموال المسلمين من هذه الآفة الضارة التي سلت سيوفها على رقابهم، في حين كان المشركون منهم في عافية، فكان قراره رضي الله عنه بقتالهم، بل وتقديم قتالهم على قتال أهل الشام رأيا موفقا، وموقفا صائبا يدل على حنكة سياسية وسياسة شرعية رصينة .
وبعد : فهذا ملخص أوضخنا من خلاله منهج أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في التعامل مع الخوارج، وهو منهج يكتسب أهميته لكونه صادراً من أحد الخلفاء الرشدين والأئمة المجتهدين، وقد طُبِّق في محضر جمع من الصحابة فحاز على موافقتهم وإجماعهم .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:37 PM
من بدع الخوارج وضلالاتهم

المتأمل في نشأة البدع وانتشارها وتوسعها، يلحظ جليا كيف تبدأ هذه البدع صغيرة كفقع الصابون، ثم تتكاثر وتتزايد حتى تملأ الآفاق، وما ذلك إلا لوجود العامل المهيء لانتشارها، وهو الهوى والجهل وربما العناد ومضادة الدين وأهله . وفرقة الخوارج لا تخرج عن هذه القاعدة، بل يمكن اعتبارها خير مثال لها وشاهد على صحتها، فالخوارج لم يبدأ بهم الضلال إلا حينما عارضوا النص بالآراء القاصرة، وأقاموا من أهوائهم حكما على تصرفات الشارع، فجاء اعتراض ذي الخويصرة التميمي على النبي صلى الله عليه وسلم في قسمته، وقوله له : " اعدل فإنك لم تعدل " جاء ليحمل معه بصمات الانحراف الأولى للخوارج، فالاعتداد بالرأي والاعتراض به على الشرع البين، هو أول بدعة فكرية اعتنقها الخوارج الأُوَل، وسار على نهجها من جاء بعد ذي الخويصرية من الحرورية والأزارقة والنجدات وغيرهم .
ثم أضيفت إلى هذه البدعة بدع أخرى، كالقول بكفر مرتكب الكبيرة، مع أن إجماع الصحابة قائم على عدم تكفيره إلا إذا استحلها .
ثم ترتب على هذه البدعة القول بالتبري من عثمان وعلي، لأنهما - حسب زعم الخوارج - ارتكبا الكبائر فصاروا كفارا .
وكان تعميم هذا المنطق على سائر المسلمين جعل منهم هدفا مشروعا لسيوف الخوارج، فأجمعوا على أن من لم يوافقهم على أقوالهم فهو كافر حلال الدم والمال والعرض فيستباح منه ما يستباح من الكافر الحربي . فقتلوا وسفكوا دماء المسلمين، بل وبقروا بطون الحوامل، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وبناء على هذا الانجراف والانحراف الفكري سلَّ الخوارج سيوفهم على كل من لم يوافقهم من أئمة المسلمين، فلم يسلم من قتالهم لا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولا الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، إذ كان مطلق الانحراف - وفق تصورهم - موجبا لقتال الحاكم وسفك الدماء دون أدنى مراعاة لوحدة الأمة أمام أعدائها، فكانوا بحق كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) متفق عليه .
وكان تكفيرهم لعدد كبير من الصحابة حاجبا لهم عن معرفة أحاديث النبي صلى الله على وسلم في مسائل عظيمة، خالفوا فيها النص والإجماع، من ذلك زعم الغلاة منهم نفي حد الرجم عن الزاني المحصن، ذكرا كان أم أنثى، وقد جاء النص النبوي بإثباته، وأجمع على ذلك الصحابة والتابعون ومن بعدهم. ومن ذلك نفيهم حد القذف على من قذف محصنا من الرجال، ومن ذلك أيضاً إنكارهم عذاب القبر، وقد جاءت نصوص الشريعة من قرآن وسنة بإثباته، وأجمع على ذلك الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
ومن بدعهم كذلك: القول بوجوب قضاء الصلاة على الحائض، فخالفوا النص والإجماع .
هذه بعض بدع الخوارج وهي كلها - كما ترى - على خلاف النص والإجماع ، وهي تدل على مدى جهل الخوارج من جهة، وعلى مدى اعتدادهم واغترارهم بأنفسهم، حينما يقفون بآرائهم المجردة أمام النص وإجماع الصحابة الكرام رضي الله عنهم .
وقد توسع الخوارج في بدعهم ولم يقفوا بها عند حد، حتى كفَّر بعضهم بعضا ، بل حكي عنهم - وهو من أشنع ما حكي - زعمهم : أن سورة يوسف ليست من القرآن ، بدعوى أنها تحتوي على حكاية عشق النساء !! وهذا جهل بالغ، وسفه فاضح، وتجرؤٌ على كتاب الله من غير علم ودراية .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:38 PM
جماعة التكفير والهجرة

التعريف :
جماعة المسلمين كما سمت نفسها، أو جماعة التكفير والهجرة كما أطلق عليها إعلامياً، هي جماعة إسلامية غالية نهجت نهج الخوارج في التكفير بالمعصية، نشأت داخل السجون المصرية في بادئ الأمر، وبعد إطلاق سراح أفرادها، تبلورت أفكارها، وكثر أتباعها في صعيد مصر ن وبين طلبة الجامعات خاصة.

التأسيس وأبرز الشخصيات :
تبلورت أفكار ومبادئ جماعة المسلمين التي عرفت بجماعة التكفير والهجرة في السجون المصرية - وخاصة بعد اعتقال سنة 1965م التي أعدم إثرها سيد قطب وإخوانه بأوامر من جمال عبد الناصر - حاكم مصر آنذاك.
لقد رأى المتدينون المسلمون داخل السجون من ألوان العذاب ما تقشعر من ذكره الأبدان، وسقط الكثير منهم أمامهم شهداء بسبب التعذيب، دون أن يعبأ بهم القساة الجبارون. في هذا الجو الرهيب ولد الغلو ونبتت فكرة التكفير ووجدت الاستجابة لها.
في سنة 1967م طلب رجال الأمن من جميع الدعاة المعتقلين تأييد رئيس الدولة جمال عبد الناصر فانقسم المعتقلون إلى فئات:

فئة سارعت إلى تأييد الرئيس ونظامه؛ بغية الإفراج عنهم والعودة إلى وظائفهم وزعموا أنهم يتكلمون باسم جميع الدعاة، وهؤلاء كان منهم العملاء، وثبت أنهم طابور خامس داخل الحركة الإسلامية، وثمة نوع آخر ليسوا عملاء بالمعنى وإنما هم رجال سياسة التحقوا بالدعوة بغية الحصول على مغانم كبيرة.
أما جمهور الدعاة المعتقلين فقد لجأوا إلى الصمت ولم يعارضوا أو يؤيدوا باعتبار أنهم في حالة إكراه.
بينما رفضت فئة قليلة من الشباب موقف السلطة وأعلنت كفر رئيس الدولة ونظامه، بل اعتبروا الذين أيدوا السلطة من إخوانهم مرتدين عن الإسلام ومن لم يكفرهم فهو كافر، والمجتمع بأفراده كفار لأنهم موالون للحكام وبالتالي لا ينفعهم صوم ولا صلاة. وكان إمام هذه الفئة ومهندس أفكارهم الشيخ علي إسماعيل.
ومن أبرز شخصيات هذا الجماعة:
الشيخ علي إسماعيل: كان إمام هذه الفئة من الشباب داخل المعتقل، وهو أحد جريجي الأزهر، وشقيق الشيخ عبد الفتاح إسماعيل أحد الستة الذين تم إعدامهم مع الأستاذ سيد قطب، وقد صاغ الشيخ علي مبادئ العزلة والتكفير لدى الجماعة ضمن أطر شرعية حتى تبدو وكأنها أمور شرعية لها أدلتها من الكتاب والسنة ومن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في الفترتين: المكية والمدنية، متأثراً في ذلك بأفكار الخوارج، إلا أنه رجع إلى رشده وأعلن براءته من تلك الأفكار التي كان ينادي بها.
شكري أحمد مصطفى ( أبو سعد ) من مواليد قرية الحوائكة بمحافظة أسيوط 1942م، أحد شباب جماعة الأخوان المسلمين الذين اعتقلوا عام 1965م لانتسابهم لجماعة الأخوان المسلمين، وكان عمره وقتئذ ثلاثة وعشرون عاماً.
تولى قيادة الجماعة داخل السجن بعد أن تبرأ من أفكارها الشيخ علي عبده إسماعيل.
في عام 1971م أفرج عنه - بعد أن حصل على بكالوريوس الزراعة - ومن ثم بدأ التحرك في مجال تكوين الهيكل التنظيمي لجماعته. ولذلك تمت مبايعته أميراً للمؤمنين وقائداً لجماعة المسلمين - على حد زعمهم - فعين أمراء للمحافظات والمناطق واستأجر العديد من الشقق كمقار سرية للجماعة بالقاهرة والاسكندرية والجيزة وبعض محافظات الوجه القبلي.
في سبتمبر 1973م: أمر بخروج أعضاء الجماعة إلى المناطق الجبلية واللجوء إلى المغارات الواقعة بدائرة أبي قرقاص بمحافظة المنيا بعد أن تصرفوا بالبيع في ممتلكاتهم وزودوا أنفسهم بالمؤن اللازمة والسلاح الأبيض، تطبيقاً لمفاهيمهم الفكرية حول الهجرة.
في 26 أكتوبر 1973م: اشتبه في أمرهم رجال الأمن المصري فتم إلقاء القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة في قضية رقم 618 لسنة 73 أمن دولة عليا.
في 21 أبريل 1974م عقب حرب أكتوبر 1973م صدر قرار جمهوري بالعفو عن مصطفى شكري وجماعته، إلا أنه عاود ممارسة نشاطه مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصورة مكثفة أكثر من ذي قبل، حيث عمل على توسيع قاعدة الجماعة، وإعادة تنظيم صفوفها، وقد تمكن من ضم أعضاء جدد للجماعة من شتى محافظات مصر، كما قام بتسفير مجموعات أخرى إلى خارج البلاد بغرض التمويل، مما مكن لانتشار أفكارهم في أكثر من دولة.
هيأ شكري مصطفى لأتباعه بيئة متكاملة من النشاط، وشغلهم بالدعوة والعمل والصلوات والدراسة، وبذلك عزلهم عن المجتمع؛ إذ أصبح العضو يعتمد على الجماعة في كل احتياجاته، ومن ينحرف من الأعضاء يتعرض لعقاب بدني، وإذا ترك العضو الجماعة اعتبر كافراً، حيث اعتبر المجتمع خارج الجماعة كله كافرا. ومن ثم يتم تعقبه وتصفيته جسدياً.
رغم أن شكري مصطفى كان مستبداً في قراراته، إلا أن أتباعه كانوا يطيعونه طاعة عمياء بمقتضى عقد البيعة الذي أخذ عليهم في بداية انتسابهم للجماعة.
وكما هو معلوم وثابت أن هذه الجماعة جوبهت بقوة من قبل السلطات المصرية، بخاصة بعد مقتل الشيخ حسين الذهبي وزير الأوقاف المصري السابق، وبعد مواجهات شديدة بين أعضاء الجماعة والسلطات المصرية تم القبض على المئات من أفراد الجماعة وتقديمهم للمحاكمة في القضية رقم 6 لسنة 1977م التي حكمت بإعدام خمسة من قيادات الجماعة على رأسهم شكري مصطفى، وماهر عبد العزيز بكري، وأحكام بالسجن متفاوتة على باقي أفراد الجماعة.
في 30 مارس ـ صبيحة زيارة السادات للقدس ـ تم تنفيذ حكم الإعدام في شكري مصطفى وإخوانه.
بعد الضربات القاسية التي تلقتها الجماعة اتخذت طابع السرية في العمل، الأمر الذي حافظت به الجماعة على وجودها حتى الآن، ولكنه وجود غير مؤثر ولا ملحوظ لشدة مواجهة تيار الصحوة الإسلامية من أصحاب العقيدة والمنهج السلفي لهم بالحوار والمناظرات، سواء كان داخل السجون والمعتقلات أم خارجها؛ مما دفع الكثير منهم إلى العودة إلى رشده والتبرؤ من الجماعة.
ماهر عبد العزيز زناتي ( أبو عبد الله ) ابن شقيقة شكري مصطفى ونائبه في قيادة الجماعة بمصر، وكان يشغل منصب المسؤول الإعلامي للجماعة، أعدم مع شكري في قضية محمد حسين الذهبي رقم 6 لسنة 1977م . وله كتاب الهجرة .
الأفكار والمعتقدات :
التكفير هو العـنصر الأساسي في أفكار ومعتقدات هذه الجماعة. فهم يكفرون كل من ارتكب كبيرة وأصر عليها ولم يتب منها، وكذلك يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ودون تفصيل، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ودون تفصيل، أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم. أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد حلال الدم، وعلى ذلك فالجماعات الإسلامية إذا بلغتها دعوتهم ولم تبايع إمامهم فهي كافرة مارقة من الدين.
وكل من أخذ بأقوال الأئمة أو بالإجماع ـ حتى ولو كان إجماع الصحابة ـ أو بالقياس أو بالمصلحة المرسلة أو بالاستحسان ونحوها فهو في نظرهم مشرك كافر.
والعصور الإسلامية بعد القرن الرابع الهجري كلها عصور كفر وجاهلية؛ لتقديسها لصنم التقليد المعبود من دون الله تعالى، فعلى المسلم أن يعرف الأحكام بأدلتها ولا يجوز لديهم التقليد في أي أمر من أمور الدين.
قول الصحابي وفعله ليس بحجة ولو كان من الخلفاء الراشدين.
والهجرة هي العنصر الثاني في فكر الجماعة، ويقصد بها العزلة عن المجتمع الجاهلي، وعندهم أن كل المجتمعات الحالية مجتمعات جاهلية. والعزلة المعنية عندهم عزلة مكانية وعزلة شعورية، بحيث تعيش الجماعة في بيئة تتحقق فيها الحياة الإسلامية الحقيقة - برأيهم - كما عاش الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في الفترة المكية.
يجب على المسلمين في هذه المرحلة الحالية من عهد الاستضعاف الإسلامي أن يمارسوا المفاصلة الشعورية لتقوية ولائهم للإسلام من خلال جماعة المسلمين - التكفير والهجرة - وفي الوقت ذاته عليهم أن يكفوا عن الجهاد حتى تكتسب القوة الكافية.
لا قيمة عندهم للتاريخ الإسلامي لأن التاريخ هو أحسن القصص الوارد في القرآن الكريم فقط .
لا قيمة أيضاَ لأقوال العلماء المحققين وأمهات كتب التفسير والعقائد؛ لأن كبار علماء الأمة في القديم والحديث - بزعمهم - مرتدون عن الإسلام.
قالوا بحجية الكتاب والسنة فقط، ولكن كغيرهم من أصحاب البدع الذي اعتقدوا رأياً ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه فما وافق أقوالهم من السنة قبلوه وما خالفها تحايلوا في رده أو رد دلالته.
دعوا إلى الأمية لتأويلهم الخاطئ لحديث ( نحن أمة أمية … ) فدعوا إلى ترك الكليات ومنع الانتساب للجامعات والمعاهد ـ إسلامية أو غير إسلامية ـ لأنها مؤسسات الطاغوت وتدخل ضمن مساجد الضرار.
أطلقوا أن الدعوة لمحو الأمية دعوة يهودية لشغل الناس بعلوم الكفر عن تعلم الإسلام، فما العلم إلا ما يتلقونه في حلقاتهم الخاصة.
قالوا بترك صلاة الجمعة والجماعة بالمساجد؛ لأن المساجد كلها ضرار وأئمتها كفار إلا أربعة مساجد: المسجد الحرام والمسجد النبوي وقباء والمسجد الأقصى، ولا يصلون فيها أيضاً إلا إذا كان الإمام منهم.
يزعمون أن أميرهم شكري مصطفى هو مهدي هذه الأمة المنتظر، وأن الله تعالى سيحقق على يد جماعته ما لم يحقق عل يد محمد صلى الله عليه وسلم من ظهور الإسلام على جميع الأديان؛ وعليه فإن دور الجماعة يبدأ بعد تدمير الأرض بمن عليها بحرب كونية بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي تنقرض بسببها الأسلحة الحديثة كالصواريخ والطائرات وغيرها ويعود القتال كما كان في السابق رجل لرجل بالسلاح القديم من سيوف ورماح وحراب.
ادعى زعماء الجماعة أنهم بلغوا درجة الإمامة، والاجتهاد المطلق، وأن لهم أن يخالفوا الأمة كلها وما أجمعت عليه سلفاً وخلفاً.
وأهم كتاب كشف عن أسرار دعوتهم وعقيدتهم هو - ذكريات مع جماعة المسلمين - التكفير والهجرة - لأحد أعضاء الجماعة عبد الرحمن أبو الخير الذي تركهم فيما بعد.
الجذور الفكرية والعقائدية :
إن قضية تكفير المسلم قضية قديمة، ولها جذورها في تاريخ الفكر الإسلامي منذ عهد الخوارج، وقد تركت آثاراً علمية لعدة أجيال. وقد استيقظت هذه الظاهرة لأسباب عدة ذكرها العلماء ويمكن إجمالها فيما يلي :
انتشار الفساد والفسق والإلحاد في المجمعات الإسلامية دونما محاسبة من أحد لا من قبل الحكام ولا من المجتمعات الإسلامية المسحوقة تحت أقدام الطغاة والظالمين.
محاربة الحركات الإسلامية الإصلاحية من قبل حكام المسلمين، وامتلاء السجون بدعاة الإسلام واستخدام أقسى أنواع التعذيب، مع التلفظ بألفاظ لكفر من قبل المعذبين والسجانين.
ظهور وانتشار بعض الكتب الإسلامية التي ألفت في هذه الظروف القاسية وكانت تحمل بذور هذا الفكر، واحتضان هذا الفكر من هذه الجماعة - التكفير والهجرة - وطبعه بطابع الغلو والعنف.
ويعد أساس جميع ما تقدم: ضعف البصيرة بحقيقية الدين والاتجاه الظاهري في فهم النصوص والإسراف في التحريم والتباس المفاهيم وتميع عقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة لدى بعض قادة الحركة الإسلامية، بالإضافة إلى اتباع المتشابهات وترك المحكمات وضعف المعرفة بالتاريخ والواقع وسنن الكون والحياة ومنهج أهل السنة والجماعة.
أماكن الانتشار :
انتشرت هذه الجماعة في معظم محافظات مصر وفي منطقة الصعيد على الخصوص، ولها وجود في بعض الدول العربية مثل اليمن والأردن والجزائر .. وغيرها.

يتضح مما سبق:
أن هذه الجماعة هي جماعة غالية أحيت فكر الخوارج بتكفير كل من ارتكب كبيرة وأصر عليها وتكفير الحكام بإطلاق ودون تفصيل لأنهم لا يحمون بشرع الله وتكفير المحكومين لرضاهم بهم بدون تفصيل وتكفر العلماء لعدم تكفيرهم أولئك الحكام كما أن الهجرة هي العنصر الثاني في تفكير هذه الجماعة، ويقصد بها اعتزال المجتمع الجاهلي عزلة مكانية وعزلة شعورية، وتتمثل في اعتزال معابد الجاهلية ( ويقصد بها المساجد ) ووجوب التوقف والتبين بالنسبة لآحاد المسلمين، بالإضافة إلى إشاعة مفهوم الحد الأدنى من الإسلام .
ولا يخفى مدى مخالفة أفكار ومنهج هذه الجماعة لمنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي والاستدلال وقضايا الكفر والإيمان وغير ذلك مما سبق بيانه .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:41 PM
البراجمـــاتية - نشأتها وأثرها على سلوك المسلمين01الشميمري

ابتُليت الأمة الإسلامية عبر تاريخها بتيارات هدامة تسعى إلى الفتك بجسمها ، وتشتيت فكرها ، وإهدار كرامتها ، وتمزيق هويتها ، والحيلولة بينها وبين الوصول إلى أهدافها وغايتها. وقد تدرجت تلك التيارات في خطورتها وضلالتها ، كما تدرجت وتباينت في خفائهـا وتلبيسها على أبناء هذه الأمة . ومن تلك التيارات التي بدأت تتشكل وتستشري بين أفراد هذه الأمة ومثقفيها ( التيار البراجماتي ) الذي يدعو إلى الذرائعية ، وتمييع المفاهيم ، وتقديس الواقعية ، وتسويغ الوسائل للوصول إلى الغايات العملية .
هذا الفكر الدخيل وجد أتباعاً ومريدين ، بل ودعاة ومروجين له ـ ولو لم يسمعوا به من قبل، أو يخطر لهم على بال . وهذا البحث المختصر يلقي الضوء على نشأة هذا التيار ، وأسباب انتشاره ، وأثره على سلوك المسلمين وتوجهاتهم الأدبية والإعلامية والاقتصادية .
ما هي البراجماتية ؟
إن البراجماتية اسم مشتق من اللفظ اليوناني براجما (pragme) وتعني " العمل " . وعرفها قاموس ويبستر العالمي (Webster) بأنها تيار فلسفي أنشأه شارلز بيرس (price) ( ووليام جيمس William James) يدعو إلى أن حقيقة كل المفاهيم لا تثبت إلا بالتجربة العلمية ".
أما ديوي فقد وصف البراجماتية بأنها " فلسفة معاكسة للفلسفة القديمة التي تبدأ بالتصورات ، وبقدر صدق هذه التصورات تكون النتائج ، أما البراجماتية فهي تدعُ الواقع يفرض على البشر معنى الحقيقة ، وليس هناك حق أو حقيقة ابتدائية تفرض نفسها على الواقع "(2).
وكما يؤكد جيمس الذي طور هذا الفكر ونظّر له في كتابه " البراجماتية " Pragmatism ، فإن البراجماتية لا تعتقد بوجود حقيقة مثل الأشياء مستقلة عنها . فالحقيقة هي مجرد منهج للتفكير ، كما أن الخير هو منهج للعمل والسلوك ؛ فحقيقة اليوم قد تصبح خطأ الغد ؛ فالمنطق والثوابت التي ظلت حقائق لقرون ماضية ليست حقائق مطلقه ، بل ربما أمكننا أن نقول : إنها خاطئة .
بين العلمانية والعقلانية :
يخلط من يعتبر البراجماتية مصطلحاً مرادفاً للعقلانية ؛ فالبراجماتية تقرر أن الحقيقة أو التجربة أو الواقع يتغير ، أما الواقع والحقيقة في نظر العقلانية فهي قائمة منذ الأزل ؛ فبمقدار ما ينظر العقلانيون إلى الماضي يعتد البراجماتيون بالمستقبل وحده . أما العلمانية أو " اللادينية " بتعريفها العلمي الدقيق فقد كانت وما تزال منهجـاً فكـرياً هـداماً تسللت من خلاله أفكـار الغرب وقيمه التي حملها ، وكان من أخلص دعاتها بَعْضٌ أبناء هذه الأمة وفلذات كبدها . إلا أن تيار الصحوة الإسلامية الذي اجتاح بفضل الله ورحمته بقاع الأرض تصدى لهذا الفكر الفاسد ، وعرَّى دعاته ، ورد كيد مروِّجيه ؛ فلم يعد للعلمانية في عدد من ديار المسلمين التي نضجت فيها الصحوة ونمت وأثمرت مشاعل خير وهدى ، لم يعد لها بريق أخاذ كما كانت في الماضي ؛ فقد أصبحت الأصوات المنادية بأفكارها نشازاً ، ودعاتها منبوذين ، واستبانت للجماهير " سبيلُ المجرمين " وطرقُهم . فلم يعد مقبولاً في أكثر بلاد المسلمين أن ينعق أحد بالقول : " ما للإسلام وسلوكنا الشخصي ؟ " ، " وما للإسلام وزي المرأة ؟ " ، " وما للإسلام والأدب ؟ " ، "وما للإسلام والاقتصاد ؟ " . لكن هذه الأصوات تجد آذانا صاغية ، بل وأتباعاً ومريدين ومؤيدين حينما تنهج الفكر البراجماتي فتقول: " إنه لا بأس بوجود القنوات الفضائية العربية الماجنة طالما أنها تصرف المشاهدين المسلمين عن القنوات الكفرية المنحلة " ، أو تنادي بأن التمكين في الأرض واستخلافها يسوِّغ بعض الربا إذا ما أدى إلى انتعاش موارد الأمة وقوة اقتصادها . كما أنه ليس في بعض الكفر والإلحاد بأس إذا ما أنتج الأدب إبداعاً ثقافياً مميزاً . فهذا المذهب الذرائعي البراجماتي ربما كان مطية يمتطيه أصحاب الفكر العلماني للوصول إلى مآربهم وأهدافهم في تمييع شـرائع الدين ونقض أصوله وثوابته .
والحق أن البراجماتية ـ على هذا النحو ـ تعد أكثر خطراً على سلوك المسلمين وعامتهم من العلمانية في وقتنا المعاصر . كما أن دعاتها الذين استمرؤوا هذا الفكر ودافعوا عنه ، وروجوا له وحسنوه في أعين الناس ، وارتضوه معتقداً ومنهجاً لسلوكهم ليسوا مجرد عُصاة ، بل مبتدعة ومحدثون يسري فيهم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : " ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" وقوله ـ عليـه الصـلاة والسلام ـ: " من أحدث فيها أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " . وهم أشد من مرتكبي المعاصي المقصرين والمعترفين بذنوبهم وآثامهم ، فكما قال سفيان الثوري: " البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ؛ فإن المعصية يتاب منها ، والبدعة لا يتاب منها " فخطرهم قد امتد إلى كثير من نواحي الحياة ، ولم يقتصر على السلوك الشخصي لأبناء الأمة ، بل تجاوزه إلى التغلغل إلى معاملاتهم الاقتصادية ، وتوجهاتهم الأدبية ، ومناهجهم السياسية ، ومنطلقاتهم الإعلامية .
البراجماتية في الأدب :
إن التزام المسلم فيما يكتب ويقول يعد مبدأ هامّاً من المبادئ المقررة في الشريعة وهو " الالتزام " الذي تدعو إليه أدبيات الدعوة ، وسيرة السلف الصالح .
فحياة المسلم وأفكاره ومنطلقاته لا تسير عبثاً ولا تتشكل ارتجالاً، بل قوامها ومرجعها الثوابت الأساسية ، والشرائع الربانية التي تعد الإطار العام الذي ينظم للمسلم ومنطلقاته وتوجهاته العلمية والأدبية والسياسية والاقتصادية وسائر حياته العامة .

والناظر إلى المذاهب الأدبية المتعارضة والمتناقضة يجد أنهـا كانت نتاج أزمات وردود أفعال زمنية مَرَضِيَّة مرتبطة بالحالات والأزمان التي عايشتها . لذا فقد ظهرت تلك الأفكار ونمت تلك الاتجاهات الأدبية المريضة وما يقابلها من اتجاهات معاكسة وانبثقت من المجتمعات التي تسودها الأنانية المطلقة والحرية الفردية التي تقدس الوحدوية وتسعى إلى نقل ذلك التقديس الفردي إلى ما يصدر عن ذلك الفرد من أقوال لا ترتبط بثوابت ولا بقيم .
وقد كان للاتصال بالغرب والتتلمذ على أيديهم الأثر الكبير في تبني تلك المذاهب الأدبية المنحرفة ، فبدافع الواقعية أو البراجماتية في الاستفادة من العلوم الغربية ومحاكاة الغرب والتنافس معه في طلب العلم والمعرفة أقبل الأدباء والمفكرون المسلمون على تبني تلك المناهج الأدبية المنحرفة ، وسايروا توجهاتهم الفكرية والأدبية ، ونقلوها على علاتها وأسقامها ، فظهر المتبنون للمناهج الأدبية التي منها تلك المناهج التي تجعل كاتب النص أو مستقبله يترفع عن المبادئ والقيم التي تحكم المجتمع ، فيقرأ المستقبل للنص ، وهو يشارك القائل الحرية في معناها الإنساني دون أن يكون للنص علاقة بصاحبه أو بمظاهر الحياة أو قيمها التي تسود في ذلك الزمن الذي صدر فيه النص . كما ظهر أولئك المسايرون للمذاهب الحداثية في دراسة النصوص ، فاعتنوا بالشكل دون المضمون ، وأصبحت دراسة النص لديهم تنْحو المنحى التحليلي المعتمد على الدلالات والرموز والطلاسم والإشارات المتحررة من جميع النـزعات الدينية أو السياسية أو المذهبية ، وتخلَّوْا عن مصطلحات النقد العربي إلى المصطلحات الغربية ليضفوا على توجهاتِهم الشرعيةَ والعلميةَ فتحوَّل المجاز في اللغة إلى " انحراف " ودلالات الألفاظ إلى " سيميوتيكا "، والإشارات الموحية إلى " سوسيولوجيا "، وقواعد اللغة إلى زوايا وخطوط وتقاطعات وتداخلات هندسية ، وحلت هذه المصطلحات محل مصطلحات النقد الأدبي الموروث ؛ ليختلط بذاك المعنى مع التركيب مع الدلالة ولتصبح إبداعاً وابتكاراً وتجديداً يختلط فيه الصحيح مع السقيم والحق مع الباطل ، والخير مع الشر دونما رابط أو محدد أو إطار ينظم ذلك الإبداع ويقوِّمه .
البراجماتية في الإعلام :
خلافاً للأدب الذي كانت بداياته وأصوله الإسلامية حسنة منذ زمن طويل ، فإن ولادة الإعلام في كثير من بلاد المسلمين كانت على يد المستعمر الأجنبي الذي أنشأ تلك الوسائل الإعلامية التي من أهدافها أن تديم وتبقي استعماره ، وترسخ سيطرته وسطوته ؛ ولذلك فقد كانت منطلقات الإعلام وأهدافه لا تمت بصلة لخدمة قضايا الأمة ، ولا ترتبط بتراثها الأصيل ؛ فالإذاعة على سبيل المثال بدأت في بلادنا العربية كمحطات أهلية صغيرة متفرقة في مصر هدفها خدمة الاستعمار، فلما تحولت إلى مؤسسات حكومية ظلت تقلد الغرب وتعتمد على الترجمة والاقتباس والنقل الأعمى لما تبثه إذاعات الغرب ووسائله ، وهكذا كان الحال في معظم البلاد العربية والإسلامية ، وما يسري على الإذاعة يسري كذلك على التلفاز والمسرح والسينما التي تنافست في تشتيت هوية الأمة ، وإهدار فكرها ، وتمزيق وحدتها ، وإفساد أخلاقها .
وعلى هذا فقد بُني أغلب إعلامنا لخدمة الغرب ومبادئه ، وغلب عليه الانفصام بين الدين والدنيا ، والبعد عن الأصالة ، والإيغال في التقليد الأعمى ، ولم تكن الحركات الإصلاحية الرسمية ذات أثر فعال سوى فيما يحقق أهدافها ومآربها من توجهات إعلامية ترضيها ، وتعمل على تقديسها وإضفاء الشرعية المطلقة لأحكامها وأوامرها .
ولما هيأ الله لهذه الأمة صحوة مباركة أيقظت أبناءها من السبات العميق ، والغفلة الغارقة ، أدرك المصلحون الحاجة إلى صياغة أخرى للإعلام الإسلامي وخدمة قضايا الأمة وأهدافها السامية ؛ حينها ظهرت المحاولات الجادة " لأسلمة " الإعلام ، وجعله أداة داعية إلى الخير العام للإنسانية ، ومعيناً على عمارة الأرض والاستخلاف فيها ، ومحققاً للعبودية الخالصة لله ـ عز وجل ـ كما قال - تعالى -:{ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } (الأنعام: 162)، وظهر في الساحة الإسلامية أولئك المتبنون والمتحمسون لتقديم إعلام إسلامي رزين ، يكون بديلاً لتلك المعاول الهدامة والوسائل المفسدة ، ولكنها لم تكن سوى بدايات متواضعة واجتهادات بسيطة أمام ذلك الفساد الجارف ، ونشأ بين هؤلاء وأولئك البراجماتيون الذين خلطوا السم بالدسم ؛ ليقدموا إعلاماً هجيناً مشوَّهاً يختلط فيه الحق بالباطل والخير بالشر ؛ فظهرت تلك الصحف والمجلات والقنوات الفضائية ، التي جعلت الترويج والترفيه هدفاً أساساً وغاية كبرى للإعلام الإسلامي البديل فخلطت المفاهيم ، ومُيِّعت القضايا باسم الإسلام ونصرته ونشر مبادئه السمحة ؛ فليس هناك غضاضة لدى القائمين عليها من أن تعرض تلك القنوات أفلاماً عربية ساقطة ومفسدة للأخلاق بحجة أنها البديل الأفضل والأهون ضرراً على المشاهد العربي المسلم من تلك الأفلام الأجنبية الغربية الخليعة . كما أنه لا بأس في عصر الحضارة والتقدم أن تنبري بعض الماجنات والمتغربات مظهراً ومخبراً لتقديم الفتاوى الإسلامية ، ومناقشة القضايا الدينية والاجتماعية في حياة أبناء وبنات هذه الأمة .
فكان هذا التوجه البراجماتي الخطير نذير شؤم على تصحيح مسار الإعلام الإسلامي النبيل ، فدعاته هم أولئك الذين يملكون السبل المادية ، والإمكانات البشرية التي يحلو لها الرقص على ما يثير نزواتها وشهواتها .
البراجماتية في الاقتصاد :
يقول الدكتور محمد عزيز سالم : " إن البراجماتية تعبير صادق عن الفلسفة الأمريكية "، فهي تدعو إلى " العملية " وتتخذ من " العمل " مقياساً للحقيقة ، لتوافق بذلك ما يدعو له النظام الرأسمالي الذي يربط بين الحقيقة من جهة ، والذاتية والنفعية من جهة أخرى .
وأصبحت البراجماتية منذ ذلك الحين المبدأ الإداري والاقتصادي الحكيم الذي يتعامل مع الواقع وما يحيط به من ظروف متغيرة بصورة عملية تحقق الأهداف القائمة على مبدأ المنافسة الحرة بكفاءة واقتدار . وأصبح المصطلح البراجماتي مفهوماً مرتبطاً بالإدارة والاقتصاد وتسلل هذا المفهوم إلى مبادئ الاقتصاديين والإداريين المسلمين وسلوكيات التجار وأصحاب الأموال والاستثمارات ، فتساهل الممارسون للأعمال التجارية في استخدام جميع الوسائل ـ بغض النظر عن شرعيتها ـ للوصول إلى ما يعتقدونه هدفاً سامياً ، وغاية حسنة تسوغ الوسائل كلها ، فظهر من ينادي بحِلِّ بعض أنواع الربا حتى تتمكن البنوك الإسلامية من مقارعة مثيلاتها الغربية الكافرة ومنافستها، واستحلال اليانصيب لجمع الأموال وإنفاقها في وجوه الخير ، كما ظهر من لا يرى غضاضة في استخدام الأساليب الإعلامية والإعلانية الشهوانية ، تقليداً للغرب ؛ وذلك بحجة جذب المستهلكين إلى الصناعات المسلمة ، وصرفها عن صناعات أعدائها ؛ فأصبح من المضحك المبكي أن ترى من لا يجد بأساً في ظهور الفتيات الفاتنات يعرضن إعلاناً لأحد المنتجات العربية ، ما دمن متحجبات الحجاب العصري الجديد . كما ظهرت في بلادنا العربية تلك الاستثمارات السياحية المشبوهة والاحتفالات المختلطة التي يسوِّغ دعمها صرف الشباب المسلم عن الوقوع فريسة السياحة الغربية الكافرة . والأمثلة كثيرة على تلك الاستثمارات التجارية المتنامية في بلاد المسلمين التي تقوم على أسس براجماتية وذرائعية .
أسباب انتشار البراجماتية :
إن أسباب انتشار الفكر البراجماتي كثيرة ومتعددة، كما أن العوامل التي ساهمت في نموه وقبول فئة من الناس له مختلفة ومتداخلة .
وإجمالاً للقول: فإن من تلك الأسباب الكثيرة التي يحسن إلقاء الضـوء عليها :
أولاً: قلة العلم الشرعي .
ثانياً: اتباع الهوى .
ثالثاً: اتساع الفجوة بين العلماء والمفكرين .
رابعاً: التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
أولاً: قلة العلم الشرعي :
لعل من أبرز عوامل بروز هذه الظاهرة هو: قلة العلم والعلماء المختصين بالعلم الشرعي ، وندرتهم لسد حاجة الأمة ؛ فقد أتى على المسلمين زمن ضعفت فيه همم الشباب عن طلب العلم الشرعي ، والتخصص فيه ومتابعة علومه ، واكتفى كثير منهم بالعلم السطحي المادي مسايرة للتقدم الحضاري الغربي ، فظهرت الفجوة الكبيرة والنقص الواضح في المرجعية والتخصص العلمي ، وظهرت طبقة جديدة من المثقفين وجيل جديد من المختصين الحاملين للشهادات العلمية البراقة والأسماء العلمية اللامعة التي لا تحمل في جعبتها من العلم الشامل إلا القليل؛ فانتشرت بذلك " الجهالة المقنعة"، وترأَّس أولئك المثقفون والمفكرون المعاهد والأقسام ، وتصدروا مجالس الفتوى ومنابر الفكر ، ونعتهم الإعلام بالمفكرين المثقفين ؛ فصاروا مرجعاً للعلم والإفتاء ، فخلطوا الحق بالباطل ، والخطأ بالصواب ، فصدق قول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيهم : " إ ن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبقِ عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً ، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا "، فلا غرو والحالة هذه أن نرى في وسائل الإعلام من يتخبط بالقول منكراً أن يكون للمسلمين علاقة دينية بالمقدسات الفلسطينية، أو أن نسمع فتاوى تروِّج لها وسائل الإعلام المكتوبة تبيح ربا البنوك اليوم بحجة أنه ليس من " الربا القرآني المحرم "، أو أن يخرج علينا فقيه عصري يحل أموال اليانصيب والمشاركة فيها تفويتاً لاستغلالها من قِبَلِ الكفار .
وكان من أولئك المفكرين من أعمل العقل في كل شيء ، وجعل النقل تابعاً لاستنباطات العقل ومداركه وما يراه عملياً في عصره وبيئته ، فقدموا عقولهم المحدودة على النقل ، وحكَّموها في قبول النصوص الصحيحة الصريحة وردها ، وظهرت المدرسة العقلية من جديد ولكنها عبر الذرائعية ، لتكثر المناقشات والمجادلات والمواقف العلمية الشاذة ، والشبهات العقلية المنحرفة ، والتأملات الفكرية المنكرة . ومن ذلك ما ذكر عن أحد المفكرين الذي ملأت سمعته الأصقاع أنه عندما خرج إلى رمي الجمار في منى فشاهد زحام الناس الشديد عليها وقف قريباً من خيمته وقال لمن معه : إن الله لم يكلف نفساً إلا وسعها ، وإن الغاية من الرمي تجسيد عداوة الإنسان للشيطان ، فتعالوا نرمي هنا ، فرمى حصى الجمرات بجوار خيمته ! . أو تسمع عن ذلك الإمام الإسلامي الكبير الذي أجاز لأتباعه في أمريكا الشمالية أن يؤدوا صلاة الجمعة يوم الأحد بدلاً من يوم الجمعة ، وذلك كي يتمكن المسلمون من الحضور واستماع الخطبة ؛ نظراً لارتباطهم بأعمالهم يوم الجمعة ‍!
ثانياً: اتباع الهوى :
يقول المولى - عـز وجـل -: (واتـل عليهـم نبـأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) .{الأعراف: 175، 176}
يقول سيد قطب - رحمه الله - في الظلال: " والحياة البشرية ما تني تطلع علينا بهذا المثل في كل مكان وزمان ، وفي كل بيئة .. حتى إنه لتمر فترات كثيرة ، وما تكاد العين تقع على عالم إلا وهذا مَثَلُه ؛ فيما عدا الندرة النادرة ممن عصم الله ، ممن لا ينسلخون مـن آيات الله ، ولا يخلـدون إلى الأرض ، ولا يتبعون الهوى ، ولا يستزلهم الشيطان .. ولقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا كله عاماً ، ثم يكتب في حله كذلك عاماً آخر . ورأينا من يبارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس، ويخلع على هذا الوحـل رداء الدين وشـاراته وعناوينه ".
وما ظهر الاتجاه الذرائعي في الفتوى والأحكام والمعاملات إلا من بعد أن ركن هؤلاء الدعاة إلى ما تميل إليه نفوسهم ، وترغبه وتهواه من أمور تسوِّغ لهم تصرفاتهم ، وتحقق لهم مصالحهم ، وتزكي لهم أعمالهم . وكانت مجالستهم واختلاطهم بالنفعيين المتزلفين وأصحاب الأهواء فتيلاً أجج نار الهوى لديهم؛ فاعتدُّوا بآرائهم واستحسنوها ووجدوا من أتباعهم من تروق له هذه الأفكار والأحكام والاتجاهات ومن باركوها وتتلمذوا عليها . وظهر من ينادي بأن " الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان " ويحتج بأن العلماء غيَّروا فتاواهم عندما تغيرت أماكنهم وأزمانهم ، كما كان من الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ عندما ذهب إلى مصر فصار يفتي بغير ما كان يفتي به في الشام حتى صار له مذهبان : أحدهما قديم ، والآخر جديد . وهكذا حتى وجدوا تخريجاً لكل ما تهوى أنفسهم من أفعال وأقوال .
ومن أكبر تبعات اتباع الهوى إضلال الآخرين وإبعادهم عن الطريق الحق ؛ فالهوى لا يقتصر خطره على صاحبه، بل كثيراً ما يتعداه إلى غيره من الناس ؛ فقد قال المولى - عز وجل -: (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ) {الأنعام: 119}؛ فعامة الجماهير لا تفرق بين الحق وقائله ، فتعرف الحق بالرجال ؛ فإن صدر ممن اشتهر بين العامة بالعلم أخذوا منه كل ما قال ، وإن اشتهر بعمل الخير سوَّغوا له كل ما عمل ، وقلدوه في كل أمر ، وهكذا حتى انتشر المذهب الذرائعي البراجماتي بين الناس بزلات أهل العلم والاختصاص واتباعهم لأهوائهم .
ثالثاً: اتساع الفجوة بين العلماء والمفكرين :
لقد استيقظت الأمة الإسلامية من غفلتها وسباتها وقد سبقها الغرب إلى ركب الحضارة والتقدم والمعرفة ، فلم يكن لأبنائها بد من السعي الحثيث لاقتفاء أثر المعرفة الدينية والدنيوية في معاقل الغرب ومعاهدهم ، فنشأ جيل من المفكرين والمثقفين الذين تتلمذوا وتعلموا على أيدي الغرب ومناهجهم ، وكان منهم من يستهجن آراء بعض العلماء وفتاويهم وتصريحاتهم ومحاضراتهم ويكثر من العبارات المنتقصة لوعيهم وإحاطتهم بالواقع المعاصر ، وظهرت المصطلحات الساخرة " كدعاة الجمود " و" التحجر الفكري " و " غلق باب الاجتهاد " .

وفي المقابل فقد كان لانغلاق العلماء الشرعيين في حدود بيئتهم الضيقة سبب في اتساع هذه الفجوة ؛ فقد ترفع بعض هؤلاء العلماء عن مخالطة المفكرين والرد عليهم والاطلاع على آرائهم وكتبهم ، واكتفى بعضهم بالحكم على بعض أقوال المفكرين أحكاماً عامة لا تَشْفِي غليل الأجيال الناشئة التي كانت الضحية الأولى لهذه الفجوة . ففي حين ظهر تيار شعبي رافض لجميع وسائل الحوار والرد والتصدي لمثل هذه الأفكار ومناقشتها بحجة الحكم مسبقاً على أصحابها بالضلالة، ظهر تيار آخر من تلك الأجيال الناشئة راقت له هذه الآراء وتبناها وعمل بها ودعا إليها ، دون تمحيص أو تقييم ؛ فزاد هذا التقسيمُ الفجوةَ اتساعاً يصعب الآن ترقيعه .

رابعاً: التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهمة التي بعث الله بها الرسل أجمعين . وبإقامته كما أمر الله - سبحانه وتعالى - استحقت هذه الأمة أن تكون خير أمة أخرجت للناس؛ حيث قال المولى - عز وجل -: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله {آل عمران: 110} ؛ وإن من أشق ما تواجه الأمة اليوم هو الغبش والغموض في مدلول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعناه الشامل الذي يقتضي " استبانة سبيل المجرمين" وإظهار الحق ومناصرته ، ودحض الباطل وتعريته .
وقد كان لاختلاط المسلمين بالمجتمعات الغربية أثر واضح في تمييع المفاهيم الإسلامية والتساهل في بعض الأحكام ، بل وردها أحياناً مجاراةً لتحقيق التعايش وتبادل المصالح وتقارب الأفكار . فلم يعد مستغرباً أن نستمع الآن إلى خطيب يستنكر على أصحاب العقول المتحجرة أنهم يصرحون بدخول النصارى النار ، محتجاً بأن القرآن امتدحهم وأن بعضهم قدّم للإنسانية أجمع أعمالاً جليلة في حين يرتكب بعض المسلمين جرماً وآثاماً تعجز عن حملها الجبال ولا يحكم عليه بدخول النار ! كما أنه لم يعد مستغرباً اعتراض بعض الكتاب على الحجاب الإسلامي ، واعتباره مسألة هامشية ينبغي ألا تعيق المرأة من مشاركتها في تنمية المجتمع والمساهمة في بنائه أسوة بمثيلاتها في الغرب . ومن ذلك أيضاً احتجاج بعضهم بالقاعدة الدعوية المعروفة " نتعاون فيما اتفقنا عليه ، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه " ، فوسعوا هذه القاعدة حتى شملت إعذار من لا يشك في كفره وضلاله ، واختلط الأمر على بعض المسلمين الذين عاشوا بين ظهراني الغرب ، واعتادوا على التعاون معهم ، فاختلط عليهم معنى التعاون والمودة والإعذار ؛ فالتعاون مع الكفار لرد الشر والباطل بشتى أنواعه وطرقه أمر مجاله فسيح وبابه واسع؛ لكن مودتهم ومحبتهم لا تحل لمسلم لقول المولى ـ عز وجل ـ: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } (المجادلة: 22)؛ فالإنكار عليهم واجب ، وإعذارهم لا ينبغي ؛ فمحل الإعذار بين أهل السنة من المسلمين وليس مكانه بينهم وبين غيرهم .
وأخيراً فإن البراجماتية ستبقى مستشرية في جسد هذه الأمة ، ناخرة في عقول أبنائها إن لم يتصدَّ العالمون بحقيقتها وسبيلها بواجبهم في الإنكار على مروِّجيها وسالكي سبلها ، وبيان خطرها على تراث الأمة ودينها ؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ؛ وذلك أضعف الإيمان ) وفي رواية أخرى لمسلم : ( وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )؛ وإذا كان هذا الخطاب للمسلمين عامة فإنه على العلماء العارفين أوجب . فالأحرى بمن ملك العلم منهم أن يخرج من العزلة المعنوية والمحلية الضيقة إلى العالمية الفسيحة والمعايشة الدائمة لمشكلات العالم الإسلامي المعاصرة ، وأن يتخذ من الأساليب الحديثة طرقاً للحوار والاتصال بالمفكرين ووسائل الإعلام .
كما أنه من الواجب على أصحاب الفكر والمثقفين الرجوع إلى فتاوى وآراء أهل العلم الشرعي ، والاستماع لهم ، ومناقشتهم ، وسد النقص الذي لديهم ، فإن حسن نواياهم وسلامة مآربهم وإخلاص أعمالهم لا تشفع لهم أخطاءهم واجتهاداتهم الفكرية الشاذة . والله أعلم .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:41 PM
الوجودية

الوجودية فلسفة من الفلسفات وليست دينـاً من الأديان ، يقول عنها الدكتور منصور عيـد في كتـابه ( كلمات من الحضارة ):
( الوجودية من أحدث المذاهب الفلسفية وأكثرها سيادة في الفكر المعاصر ، والوجودية بمعناها العـام هي إبراز قيمة الوجود الفردي للإنسان ، وقد ظهرت الوجودية نتيجة لحالة القلق التي سيطرت على أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى واتسعت مع الحرب العالمية الثانية ، وسبب هذا القلق هو الفناء الشامل الذي حصـل نتيجة الحرب ) ص 248 .
وفي معجم ألفاظ العقيدة (تصنيف عامر عبد الله) ، عرّف الوجودية بأنها : ( مذهب فلسفي يقوم على دعوة خادعة وهي أن يجد الإنسان نفسه ، ومعنى ذلك عندهم أن يتحلل من القيم وينطلق لتحقيق رغبـاته وشهواته بلا قيد ، ويقولون أن الوجود مقدم على الماهية ، وهذا اصطـلاح فلسفي معناه أن الوجود الحقيقي هو وجود الأفـراد ، أما النوع فهو اسم لا وجود له في الخارج ، فمثلاً زيد وخالد وابراهيم وهؤلاء موجودون حقيقيون لا شك في وجودهم ولكن الإنسان أو ا لنوع الإنساني كلمة لا حقيقية لها في الخـارج كما يزعمون ) ص 439.
وهي عند الدكتور عبد الرحمـن بدوي ، في دراسته عن " الفلسفة الوجودية " : ( إحدى المذاهب الفلسفية ، وفي الوقت نفسه هي من أقدمها ، أحدثهـا لأن لها مركز الصـدارة والسيادة في الفكر المعاصر .... والوجودية أيضـاً من أقدم المذاهب الفلسفية لأن العصب الرئيسي للوجودية هو أنها فلسفة تحـيا الوجود ، وليست مجرد تفكير في الوجود ، والأولى يحياها صاحبها في تجاربه الحية وما يعانيه في صراعه مع الوجود في العـالم ، أما الثانية فنظر مجرد إلى الحيـاة من خارجها وإلى الوجود في موضوعه ) ص19،20.
وإذن فهي - الوجودية - فلسفة ، ولكنها فلسفة من نوع جديد يختلف مفهومها عن مفاهيم الفلسفة التي استقرت من قبل وبلغت أوج بنيـانهـا عند هيجل ( توفي سنة 1831) فقد شيد بنـاءاً فلسفياً عقلياً كله ينبني على تصورات عقلية مجردة يربط بينها منطق الديالكتيك الذي يقتضي التعارض والتضاد ويتأسس على الجدل ، وفي هذا البناء الفلسفي الذي نقصته الوجودية نلاحظ أنه قد استقر عند الفلاسفـة أن كل ما هو موجود هو عقلي وكل ما هو عقلي هو موجود .
هذا البناء الفلسفي لم ترض عنه الوجودية فثارت ثائرتها في وجهه ، قال سيرن كيركجور - الأب الحقيقي للوجوديه ومؤسسها - توفي سنة 1855م : ( الفلسفة ليست أقوالاً خيالية لموجودات خياليـة ، بل الخطاب فيها موجه إلى كائنات موجودة )
ولتوضيح الفارق بين الفلسفتين يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي في دراسته التي أشرنا إليها :
( فمثلاً : الموت ليس مشكلة فلسفية ، بل المشكلة هي ( أني أموت ) وفارق هائل بين أن أبحث في الموت بوصفه معنى عاماً مجرداً وبين أن أبحث في ( أنى الموت ) فيجب إذن ردّ المسائل إلى الموجودات ، والنظر إليها بوصفها موضوعات يعانيهـا الموجود نفسه ، وإذن فالذات الموجودة أو الذات الوجودية لا العقل المجرد - عند الوجوديين - هي التي يجب أن تكون العامل في إيجاد الفلسفة ) ص21.
والوجودية في أحسن وجوهها - عند مؤيديها - تعني :
1. الدعوة إلى الإشادة بالفردية ، وتقويم الشخصية الإنسانية ، وإحترام القيم الإنسانية الخالصة .
2. العناية بتحليل المعاني الأساسية في الوجود الإنساني من قلق وخوف وخطيئة ، ويأس وفناء وفردية وحرية.
3. تمجيد الوجدان والانفعال إلى جانب العقل بل فوق العقل .
4. اتخاذ التجارب الحية موضوعات للتفسير والتفلسف ، وعدم الاقتصار على التصورات العقلية المجردة .
5. معاناة المشاكل من الداخل بدلاً من معالجتها من الظاهر . والناس عند الوجوديين ثلاثة ، رجل’ جمـال ، ورجل’ أخلاق ، ورجل دين :
أ. رجل الجمال : هو الذي يعيش للمتعة واللذة ويسرف فيها ، وشعاره ( تمتع بيومك ) ( أحب ما لن تراه مرتين ) ولا زواج عند هذا الرجل ولا صداقة ، والمرأة عنده أداة للغزو وليست غاية .
ب. رجل الأخلاق : وهو الذي يعيش تحت لواء المسؤولية والواجب نحو المجتمـع والدولة والإنسـانية ، ولذلك فهو يؤمن بالزواج ولكن لا علاقة له بدين أو غيره .
جـ. رجل الدين : وهو عندهم لا يحيا في الزمان ، فلا صبح ولا مساء، ( ليس عند ربكم صباح ومساء ) ولهذا فهو متجرد عن الدنيا ، وأحواله في الجملة هي تلك الأحوال المعروفة عند الصوفية .
وقد تقع هذه الأنواع والصنوف لرجل واحد فيتدرج من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الساخرة ، وهذه تؤدي إلى مرحلة الأخلاق التي تسلمه بدورها إلى العبث ومن العبث يبلغ المرحلة الدينية ، وهذا يدل على محاولات الوجودية الفلسفية للجمع الدياليكتيكي بين المتناقضات .
ومن هذا حديث الوجوديين عن الوجود والزمـان ومحاولة الجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل ، فالوجود الإنساني مهموم بتحقيق إمكانيـاته في الوجود ، والزمانية هي الوحدة الأصلية لتركيب الهـم ، والخلاصة - عندهم - أن الماضي يوجد في ذاته المستقبل ، والمستقبل هو خارج الماضي ، وفي نفس الوقت ينطوي في ذاته على الماضي ، ونفس الشيء يقال عن الحـاضر في علاقته مع الماضي ومع المستقبل معـاً ، فالعلاقة بين هذه اللحظات الثلاث إذن علاقة اندراج واستبعاد معاً .
هذا هو مفهوم الوجوديين للوجودية جامعة المتناقضات فتألمها سار ، وحبها كاره ، وقلقها مطمئن ، وخطرها آمن ، وطفرتها متصلة ، وتعاليها متهابط !! قد حمل لواءها من بعد كيركجور ، جان بول سارتر ، وحبرئيل مارسيل وهيدجر وغيرهم .
أما الوجودية من وجهة النظر الإسلامية التي بحثت في أصولها وأفكارها وأدبياتها ( كما جـاء في الموسوعة الميسرة للأديان والمذاهب المعاصرة ) فهي فلسفة تقوم على :
1. الكفر بالله وكتبه ورسله وبكل الغيبيات والأديان التي تعوق الإنسان عن تحقيق ذاته ومستقبله .
2. أن الإنسان ينبغي أن يطرح الماضي وينكر كل القيود الدينية والاجتماعية .
3. الإلحاد وهدم القيم والعقائد والأديان .
وعلى ذلك تكون الوجودية فلسفة إلحادية لا تهتم بالبناء ولا يعنيها أصلاً ولا علاقة لهـا بادين أو عقيدة من العقائد إلا تلك التي تدعو إلى الكفر وتروج للفساد .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:42 PM
عبدة الشيطان المعاصرون .. التعريف والأفكار











ربما ظن البعض للوهلة الأولى أن عبدة الشيطان ما هم إلا جماعة من المغرقين في الانحراف من غير أن يكون لانحرافهم أي سند فكري يستندون إليه ، والحقيقة أن هذا الانطباع بدائي جدا في تصور هذه الجماعة وهو في ذات الوقت تهميش وتسطيح لهذه المشكلة الخطيرة ، فجماعة عبدة الشيطان جماعة منتشرة في العالم وخاصة العالم الغربي في أمريكا وروسيا وأروبا ولهم كنائس عديدة، بل إنهم في أمريكا وغيرها جماعة معترف بها وتتلقى مساعدات رسمية كغيرها من الأديان.

وهي جماعة منظمة بشكل جيد، يفوق تنظيمها حسب تقدير البعض تنظيم عصابات المافيا ، ولها أفكار وأعياد وشعائر يحافظ عليها أتباعها وينشطون في الدعوة إليها . واعترافا منا بخطر هذه الجماعة على البشرية عامة وعلى أمة الإسلام خاصة، فقد حاولنا أن نعرِّف ببعض أفكارها، وننقل بعضا من شعائرها وأهدافها وطرق استقطابها للمنضوين الجدد تحت لوائها، حتى يحذر المسلم هذه الجماعة التي تعتبر شر ملل الكفر على الإطلاق عقيدة وسلوكا .

التأسيس
يزعم البعض أن ثمة صلة بين عبدة الشيطان المعاصرين وبين الغنوصيين الذين ظهروا في القرن الأول الميلادي وعظموا الشيطان وجعلوه مساوياً لله في القوة، وقد قامت الكنيسة بإبادة هؤلاء والتخلص منهم ، ولعل آخر فلولهم كانت " طائفة الكثاريين " الذين شن عليهم البابا " أنوسينت " حربا دامية دامت عشرين سنة ، وتتابع الباباوات بعده على حربهم حتى تمَّ القضاء عليهم في القرن الثالث عشر على يد "غريغوريوس" التاسع.

وقد ظهرت بعد ذلك حركات تمثل هذه الجماعة إلا أنه تم القضاء عليها أو اندثرت، إلى أن ظهر في القرن التاسع عشر الميلادي ساحر إنجليزي يدعى " أليستر كرولي " ( 1875م - 1947م ) وكان ينادي بعبادة الشيطان ، وألف كتاب القانون الذي دعا فيه إلى تحطيم الأسس والقواعد الأخلاقية التي تحكم المجتمعات، ودعا إلى الإباحية الجنسية ، واستخدم كرولي 150 ضحية بشرية في طقوسه السحرية .
وعلى الصعيد الرسمي فقد كان اليهودي "أنطوان لافيه" أول من أسس كنيسة رسمية للشيطان سنة 1966م في سان فرانسسكو بأمريكا.

عقيدة أو أفكار عبدة الشيطان
لعبدة الشيطان أفكار اعتنقوها وجعلوا منها عقيدة يدينون بها، وهذه الأفكار عبارة عن رؤية للكون والإنسان والشيطان ، فالكون عندهم أزلي أبدي ، والإنسان صورة مصغرة منه، وهم يدَّعون أن الحياة التي نعيشها " حياة الجسد والدم " ما هي إلا سلسلة لا تنتهي من حلقات الحياة ، الجسد.. النفس.. الذات..العقل..الروح....الخ ، وعلى الإنسان أن ينطلق رقيا في هذه الحلقات ، ويرون أن الترقي لا يكون من المنزلة الأحط إلى المنزلة الأعلى إلا عن طريق إشباع المنزلة الأحط برغباتها وشهواتها حتى الشاذ منها، فلا شيء اسمه خطيئة ولا شيء اسمه شر ومنكر ، فكل ما يحقق شهوات النفس ورغباتها هو مطلوب عند عبدة الشيطان حتى يحصل لهم الترقي في درجاتهم المزعومة .

وعليه فلا أثر للموت بأي طريقة كانت، ولو كانت حرقا أو انتحاراً، لأن الموت في نظرهم ما هو إلا وسيلة للانتقال من درجة إلى أخرى، لذا فهم لا يتورعون عن القتل وسفك الدماء، بل يعدون قتل البشر -لا سيما الأطفال منهم لأنهم الأطهر - هي القرابين الأفضل للتقرب إلى الشيطان.

وغايتهم من عبادة الشيطان الدخول إلى ما يسمونه " عالم النور " وذلك عن طريق الدخول في حالة من النشوة والكمال أو الصفاء الذهني ، وللوصول إلى هذه الحالة يستخدمون الموسيقى والخمور والمخدرات والعقاقير وبالطبع الممارسات الجنسية الطبيعي منها والشاذ أيضا، الفردي والجماعي.

ولعبدة الشيطان مراتب يترقون فيها، تبدأ من المرتبة الأولى التي لا يدخلها العضو الجديد إلا بعد اجتياز اختبار مقزز ومنفر ، وهكذا كل درجة لا ينالها العضو إلا باختبار، وكل اختبار أصعب من الذي قبله حتى يصل إلى المرتبة السابعة التي لم ينلها إلا عدد يسير منذ سنة 1745م .

وأما نظرة عبدة الشيطان إلى معبودهم "الشيطان"، فهم يرون أن الشيطان يمثل الحكمة، ويمثل الحياة الواقعية لا حياة الخيال والأوهام ، ويمثل كل الخطايا والسيئات التي تقود إلى الإشباع الجسدي والفكري ، والشيطان يمثل كذلك الانتقام لا التسامح ، لذلك فهم يتخلقون بأخلاقه ويقصدون سلوك طريقه، فمن وصاياهم مثلا :

· تدمير كل من يحاول مضايقتك بلا رحمة " الانتقام " .
· المبادرة الجنسية طالما سنحت الظروف وخاصة مع المحارم " الاشباع الجنسي "
· الاعتراف الكامل بالسحر والإيمان المطلق بالطقوس السحرية .
ومن أفكارهم المساواة بين المتضادات من الحب والبغض والخير والشر والماديات والروحانيات والألم والسرور والحزن والفرح ..... وعلى عابد الشيطان أن يستميت لكي يحقق هذا التوازن بين تلك المتضادات ، وهو أمر عسير على النفس لأنه محاولة لتغيير خلق الله عز وجل ، وما جعل الله لبشر سبيلا لتغيير خلقه .

هذه جملة من عقائد تلك الجماعة المنحرفة، وإننا نرى أن نقف وقفات مع هذا الانحراف الفكري وما يتبعه من إنحراف سلوكي كي لا يغتر به ضعيف العقل فيتخذ منه عقيدة وسلوكا، فنكون سببا في الإضلال من حيث أردنا أن نكون سببا في الهداية ، فنقول وبالله التوفيق :

الوقفة الأولى : نحمد الله تعالى أولا أن هدانا لدينه وجعلنا من أتباع رسوله صلى الله عليه وسلم .

الوقفة الثانية : لا ينبغي أن يقف أمام هذه الترهات التي يعتقدها هؤلاء المسخ من كان يؤمن بالله سبحانه وبكتبه ورسله، بل عليه أن يردها جملة وتفصيلا ، وما وقفتنا هذه إلا لقطع الطريق على عبدة الشيطان أن يغروا الجهلة والسذج من الناس .

الوقفة الثالثة : نظرتهم إلى الكون بأنه أزلي أبدي نظرة غير صحيحة، وهي غير قائمة على أي دليل أو برهان، فضلا على أنها دعوى اتفقت الأديان السماوية والحقائق العلمية على إبطالها، وإثبات أن الكون محدث وهو إلى فناء ، فمن أين لهم أن الكون أزلي أبدي ؟!! .

الوقفة الرابعة : موقفهم من الشيطان لا يستند إلى أي حجة عقلية، وإنما يعتمد على إيحاء الشيطان لهم ، فضلا عن مخالفته لما جاءت به الأديان السماوية من موقفها من الشيطان، وأنه مصدر الشر ومنبع الضلالة .

الوقفة الخامسة: اعتقاداتهم وأفكارهم لا تقوم على منهج علمي وإنما هو السفه والجنون والإغراب، والوحي الشيطاني هو الذي يوجه سلوكهم فأي خير للبشرية فيهم .

الوقفة السادسة: عقائدهم وسلوكياتهم مؤذنة بفساد العالم وخرابه ، وتأمل معي عندما يتحول البشر إلى قتلة ومغتصبين، يأكل بعضهم لحم بعض، ويغتصب بعضهم نساء بعض ، ويسرق بعضهم أموال بعض، لا توجد عندهم طهارة ولا يوجد في قاموسهم شر يجتنبوه ولا خطيئة يبتعدوا عنها ولا خير يفعلوه ، إن الغابة التي يسكنها سباع الطير والحيوان لهي أهون من العيش في عالم يسكنه هؤلاء، فالحيوان على الأقل لا يأتي أمه ولا يعتدي عليها، وهؤلاء ليس عندهم حرمة ولا يتورعون عن باطل.

مصادر المقال :
· كتاب عباد الشيطان ليوسف البنعلي .
· مقالات متفرقة من المجلات والصحف .
· مواقع الإنترنت.

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:44 PM
عباد الشيطان ... الجذور التاريخية



هل كان أحد يتصور أن يصل الانحطاط بالبشرية إلى الحد الذي وصلت إليه، بأن يتخذ بعض أفرادها الشيطان معبودا يتقربون إليه بأنواع الرذائل والقبائح، من ذبح الأطفال والحيوان، والتعمد بالنجاسات، واقتراف الفواحش من زنا ولواط وسحاق ، فمبدأهم قائم على الإغراق في المعصية ومخالفة العوائد الحسنة، والأخلاق الرفيعة كل ذلك تقربا للشيطان الرجيم، فأي انحطاط بلغته البشرية وأي سخف وسفه عشش في قلوب هؤلاء وعقولهم فأفرز تلك القاذورات العفنة، إنها المادية بخوائها التي أفرغت الإنسان من كل معنى روحي، وحولته إلى آلة صماء يعمل ليل نهار لينال متعة زائلة ولذة زائفة، وما عبادة الشيطان إلا صورة من صور ردة الفعل المعاكس الذي ولده الاتجاه الإلحادي في المجتمعات الغربية .
إن عمق الصدمة التي خلفها النظر إلى هؤلاء وأوضاعهم دفعتنا إلى البحث في صفحات الكتب عن تاريخ هذه النِّحْلَة وعن أسلافهم الذين اتخذوا من الشيطان إلها معبودا، لكن وقبل أن ننظر في أي كتاب من كتب الملل والنحل أو أي كتاب من كتب التاريخ ، نظرنا في كتاب الله عز وجل ذلكم الكتاب العظيم الذي بين مسيرة الشيطان الأولى وبيَّن عداوته لبني آدم وسعيه في إفسادهم وإضلالهم، وبيَّن طرقه لتحقيق ذلك، فتأملناه - حسب جهدنا - فلم نر صورة عبادة الشيطان التي نحن بصدد الكلام عنها بكيفيتها وأفكارها، ورأينا الصورة المعتادة لعبادة الشيطان التي يذكرها القرآن فيما يسمى عبودية الطاعة بمعنى طاعة الشيطان في معصية الله سبحانه،كما قال تعالى : { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين } ( يّـس:60) ، يقول الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية : " ألم أوصكم وآمركم في الدنيا أن لا تعبدوا الشيطان فتطيعوه في معصية الله " فكانت عبادة المشركين للشيطان قائمة على طاعته في معصية الله، لا سيما الشرك به،كما قال إبراهيم عليه السلام لأبيه : { يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا } ( مريم :44) ومن المعلوم أن والد إبراهيم عليه السلام إنما كان يعبد الأصنام ولم يكن عابدا للشيطان فدل ذلك على أن عبادة الشيطان هنا هي طاعته في الشرك بالله تعالى .
وبعد هذه اللفتة القرآنية التي تظهر إلى حد ما غرابة الصورة المعاصرة لعبادة الشيطان، تعالوا بنا نتتبع بايجاز التاريخ الإنساني المحفوظ لنتعرف على أصول هذه الفرقة الضالة الكافرة المنحرفة ، لكن نحب أن ننبه إلى أن مصطلح " الشيطان " باعتباره مخلوقا من الجن والذي جرى ذكر قصته مفصلاً في القرآن الكريم، وكذلك في التوراة، ربما لم يكن بهذه الصورة عند متقدمي الأمم من غير أتباع الأديان السماوية ممن سنذكرهم، وبالتالي فسروا ظاهرة الشر تفسيرا خاطئا واعتقدوا أن مصدر الشر قوة إلهية كما أن مصدر الخير قوة إلهية موازية لها، وضمن هذه الإطار تدور اعتقادات الأمم الماضية ممن سنذكرها.
" الشيطان " إله الشر عند المصريين
اتخذ المصريون القدماء إلهاً للخير سموه " أوزوريس " كما اتخذوا إلهاً للشر سموه " ست أو ستان " وبناء على ما استقر في نفوسهم من ترجيح فعل الخير على فعل الشر فقد رجحوا " أوزوريس " وجعلوه هو الأعلى بينما جعلوا ست أو ستان هو الأدنى وهو إله الخراب والدمار والموت .
"الشيطان"إله الشر عند الهنود
وهكذا الحال عند الهنود، فالشيطان يشكل جزءا من إلههم المزعوم " برهم " الذي يتكون من ثلاثة آلهة هم : "براهما" خالق الخلق ، و"فشنو" إله الخير والفضيلة ، و"شو" إله الشر والفناء والدمار .
وإن كان لنا من وقفة هنا فهي في بيان بطلان هذه العقائد حتى لا يغتر بها جاهل، فكل تلك العقائد الشركية مردودة بحجة عقلية غفل عنها معتقدوها ألا وهي أن تعدد الآلهة مؤدٍّ إلى الصراع والنزاع، وهذا ما اعترفت به تلك العقائد فحكت أنواعاً من الصراع بين تلك الآلهة المزعومة، والسؤال : كيف للكون وللحياة أن يستقيما وينتظم أمرهما وهذا الصراع المزمن على أشده بين هذه الآلهة المتشاكسة ؟! إن تصارع الآلهة مؤداه بلا شك أو ريب خلل في نظام الكون والحياة، لكننا نرى الكون منتظما سائرا وفق نظام دقيق لا يتغير، فدلَّ على أن الإله واحد سبحانه لا شريك له، وهذه الحجة العقلية هي ما صرح به القرآن في قوله سبحانه : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون } (الأنبياء:22) .
"الشيطان" عند اليزيديين
يقطن اليزيديون في مناطق من بلاد العراق وسوريا كالموصل وبغداد ودمشق وحلب ، وهم طائفة يعظمون الشيطان ويسمونه طاووس ملك، ويعتقدون أنه إمام الموحدين لأنه لم يسجد إلا لله، لذلك جعله الله رئيس الملائكة - حسب زعمهم- ، وفي كل سنة يقيم اليزيديون احتفالا في ليلة خاصة تسمى الليلة السوداء، يطفئون فيها الأنوار ويختلط الرجال فيها بالنساء، فيشربون الخمر ويرتكبون أشنع الفواحش والمنكرات .

"الشيطان" عند الغنوصيين أو الغنطوسيين
وهؤلاء ظهروا في القرن الأول الميلادي، وكانوا ينظرون إلى الشيطان على أنه مساو لله في القوة ، وتفرعت عنهم فرقة الغنوسية الذين أنزلوا الشيطان منزلة عالية ، وبالغوا في تعظيمه أكثر من سلفهم . وقد حاربت الكنيسة أتباع هذه النحلة ونكلت بهم حتى تم القضاء عليهم .
ويعزي بعض الباحثين حركة عبدة الشيطان المعاصرة إلى هذه الفرقة البائدة ، ويعدونها امتداداً لها. فهذه لمحة موجزة عن تاريخ هذه النحلة الفاسدة " عباد الشيطان "، وسنحاول في مقال لاحق أن نبين بعضاً من أفكارها وشعائرها حتى يكون المسلم على بينة من أمره فيحذرها ويُحذِّر منها ، فإنها جريمة ما بعدها جريمة، فإذا كان الشرك بالله أعظم الذنوب على الإطلاق، فإن هذا النوع منه هو أعظم وأقبح أنواع الشرك على الإطلاق .

مصادر المقال :
· كتاب عباد الشيطان ليوسف البنعلي .
· مقالات متفرقة من المجلات والصحف .
· مواقع الإنترنت .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:46 PM
مظاهر العلمانية في العالم الإسلامي

بدأت العلمانية في العالم الإسلامي كأفكار مارقة، ثم تحولت مع مرور الأيام إلى واقع يملأ حياة المجتعات الإسلامية، ويشمل مناحي عديدة منها، وأصبح الإسلام في نظر غير قليل من المسلمين في مرتبة الديانة المسيحية في الغرب، من حيث أنه علاقة روحية محصورة في المسجد فحسب، مثلما أصبحت المسيحية محصورة في الكنيسة .
وبعد أن فَقَدَ الإسلام سيطرته على حياة المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أخذت دائرة نفوذه تضيق شيئا فشيئاً حتى انحصرت في طقوس محدودة، وقد تم هذا التطور تدريجيا دون وعي وانتباه من المسلم العادي، فإلى عهد قريب لم يكن للمسلم اتجاه سياسي يخالف الإسلام، ولا أدب إلا الأدب الإسلامي، ولا أعياد إلا الأعياد الإسلامية، ولم يكن ينظر إلى العالم الخارجي إلا بمنظار الإسلام، وكان الإسلام هو كل شيء بالقياس إليه، أما الآن فقد حصل تحول شبه كلي فيما يتعلق بموقع الإسلام من الحياة، وانتشرت العلمانية كالناقة العشواء تخبط كل قيم المجتمع وثوابته، ففي الحكم نُحيت الشريعة الإسلامية وحصرت في جانب من الأحوال الشخصية، أما ما سوى ذلك من أحكام، فاصطبغت بالصبغة العلمانية البحتة، واستوردت لها القوانين الشرقية والغربية .
وكذلك الحال في الجانب الاقتصادي فقد أقيم الاقتصاد في العالم الاسلامي وفقا للنظام الاقتصادي الغربي، فاستحل الربا والمعاملات المحرمة، بل أصبح النظام المصرفي قائماً على تلك المعاملات ومرتهناً بها .
وأما في الجانب التعليمي والثقافي فقد انتشرت النظريات المضادة للإسلام، ودرست في جامعات المسلمين ومدارسهم، وفي مقابل ذلك همش التعليم الإسلامي وحورب، وأصبح يشغل - إن وجد - هامشا ضيقا وثانويا في المجال التعليمي العام .وانتشرت الكتب والروايات التي تطعن في الدين وتسيء إليه .
وكذلك الحال في الفن حيث تحول إلى أداة علمنة تمارس على المجتمع صباح مساء، واستخدم الفن لإعادة صياغة مفاهيم المجتمع وفق النظرة العلمانية للحياة، فرسخ عادات كانت قبيحة بنظر المجتمع، كخروج الفتاة بصحبة شاب مثلا، وألقى بظلال من الشبه بل والاستهزاء على أحكام شرعية ثابتة ، وغدا الفن في العالم الإسلامي في الجملة معول هدم لكثير من القيم الإسلامية .
وليس الحال في الجانب الاجتماعي بأهون مما سبق، حيث صاح الناعقون بقضية المرأة ، ورفعوا لواء تحريرها، وألفوا الكتب في سبيل ذلك، وقصد كثير منهم من وراء ذلك إخراج المرأة عن هدي ربها، وقذفها في محاضن الشهوات والفتن، والواقع خير شاهد ودليل على ما نقول، فما آل إليه حال المرأة المسلمة يندى له الجبين من تبرج وسفور، إذ أصبحت المرأة كالسلعة تمتهن باسم الفن والموضة والأناقة، وفقدت المرأة دورها الأساسي في الحياة في تربية النشء والقيام على رعايته .
لقد بدت صورة المجتمع المسلم في إطار العلمانية صورة مختلفة تماما عما أراد الله عز وجل لهذه الأمة من خير وهدى، وأصبح المسلم يمارس أكثر حياته بعيدا عن الدين بفرائضه وآدابه، فاصطبغت الحياة بصبغة علمانية مظلمة .
تلك بعض مظاهر العلمانية في عالمنا الإسلامي، وهي مظاهر لا يحتاج الناظر إلى كبير عناء لرصدها، فهي واضحة للعيان، بادية لكل ذي بصر وبصيرة .
ومن الأهمية بمكان في هذا المقام أن نبين بعض الفروق الجوهرية بين العلمانيتين، علمانية الشرق المسلم وعلمانية الغرب الملحد أو النصراني، ولاستجلاء هذه الفروق، لا بد من معرفة الخلفية الثقافية لهما، فالغرب النصراني في أكثره ارتدَّ على عقبه وكفر بالكنيسة ودين الكنيسة، أما البقية الباقية ممن بقي على دين الكنيسة فسرعان ما توافقت نفسيا وسياسيا بل ودينياً مع العلمانية وسارت في ركابها، ووجدت لها من الأناجيل ما يدَّعم هذا التوافق ويؤيده، حيث جاؤوا بالشواهد الإنجيلية، فاستدلوا بها ليؤسسوا للعلمانية، ويجعلوا لها منطلقاً دينيا كما كان للإقطاع سابقا منطلقه الديني !! .
أما في الشرق المسلم فالوضع مختلف تماماً، فما كان دين الإسلام في يوم من الأيام كدين الكنيسة، وما كان المسلمون كالنصارى، فهم وإن ظهرت فيهم الأفكار الضالة والنحل الكافرة من شيوعية وبعثية ونحوها، إلا أن ذلك لم يحصل إلا على نطاق ضيق، في حين ظلَّ جمهور المسلمين على معتقده الصحيح في الإسلام، فلم تحصل حركة ارتداد واسعة كفرت بالإسلام وعادَتْه كالتي حصلت في الغرب، بل ظل المسلمون متمسكين بدينهم مقتنعين به، وفي المقابل لم يجدوا في الإسلام إلا كل تجريم للعلمانية، فالقرآن ينص بوضوح على أن الحكم يجب أن يكون لله لا للبشر، وأن السلطة التشريعية هي سلطة إلهية ممثلة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن المسلم مطالب بأن يستسلم لها، ويؤمن بها ويرضى بأحكامها، وإلا عُدَّ خارجا من الإسلام مرتدا عنه، في حين أن العلمانية تجعل السلطة التشريعية في يد الدولة، فدخلت في مناقضة صريحة مع الدين الإسلامي، ومن هنا تحولت العلمانية في الشرق المسلم من طرف محايد في نظرته إلى الدين إلى طرف محارب له, فافترقت العلمانية في الغرب النصراني عن العلمانية في الشرق الإسلامي افتراقا بينا .
وأصل المشكلة - فيما نرى - تكمن في جناية من استورد العلمانية إلى بلاد المسلمين التي لها خلفية دينية وتاريخية مختلفة تماما، فكان حاله أشبه بمن جاء بشجرة تنبت في القطب المتجمد الشمالي وزرعها في الصحراء العربية، فلا شك أن تجربته ستؤول إلى الفشل ، وهي نفس النتيجة التي حققتها العلمانية في الشرق الإسلامي فبدا التململ واضحا، وظهرت الحركة الشعبية المطالبة بتحكيم الشريعة وطرح العلمانية ، ولولا ما تُقابَل به هذه الحركات من تضييق وكتم للأنفاس، لكانت العلمانية منذ زمن في مزبلة التاريخ .
وإننا لعلى يقين من مجيء ذلك اليوم، الذي تنبذ فيه العلمانية من قبل جماهير المسلمين، وإن غدا لناظره قريب

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:47 PM
الغموض في شعر الحداثيين







ما كان لأحد أن يتصور أن فكرا كفكر الحداثيين يمكن أن يتسلل إلى عقول المسلمين، ويتخذ منها منابر للدعوة إليه، والتغني بمبادئه وأوهامه، لولا ما يعيشه المسلمون من حالة الجهل والتخلف في فهم دينهم، وغياب السلطة الإسلامية التي تحول دون ظهور هذه الفقاعات النتنة، بنشر العلم والمعرفة الصحيحة من جهة، والقيام في وجه دعاة الضلالة والزيغ من جهة أخرى .
فغياب المعرفة الصحيحة وغياب السلطة الإسلامية التي تحفظ الدين وتدفع عنه، أدى إلى ظهور المذاهب الهدامة والأفكار الضالة، فقد أطلّت علينا البدع الكفرية برأسها وتبجحت بدعوتها وأفكارها، وصار للكفر أدب وللردة مبادئ وأفكار، وما دمنا في هذا الزمن فليس بمقدورنا تجاه هذه الأفكار إلا أن نناقشها مناقشة العقل والفكر ، وأن نحذر المسلمين من مغبة الولوغ فيها والارتكاس في حمأتها ، فهي الحالقة ، لا نقول تحلق الشعر ولكنها تحلق الدين، وتجلب الخزي والعار والدمار في الدنيا قبل الآخرة .
فأدب الحداثة -كما يسمونه - ليس إلا وسيلة لنشر أفكار الحداثيين ومبادئهم، وهم يحاولون تغليف هذا الأدب برداء من الغموض يخفي معانيه، بحيث لا يستطيع المرء أن يفرق بين ما يقوله الحداثيون من شعر وبين ما يهذي به المجانين والمختلون عقليا .
فأنت تستطيع أن تعرف مفردات كلامهم، ولكنك أبدا لا ولن تستطيع أن تفهم تلك التراكيب الركيكة واللغة السمجة السقيمة التي يتحدثون بها، ولا تعجل علينا وتتهمنا بالتجني ، فما سنذكره من نماذج لشعرهم ربما حملك - أخي القارئ - على وصفها بأبلغ مما وصفنا وأقذع .
وإليك بعض هذه النماذج وهي منقولة من كتاب الدكتور عوض القرني " الحداثة في ميزان الإسلام " :
يقول رمزهم المبدع ـ كما يسمونه ـ عبد الله الصيخان في قصيدة حداثية نشرت في مجلة اليمامة عدد 896 :
( قفوا نترجل
أو قفوا نتهيأ للموت شاهدة القبر ما بيننا يا غبار ويا فرس
يا سيوف ويا ساح يا دم يا خيانات
خاصرة الحرب يشملها ثوبها
كان متسخا مثل حديث الذي يتدثر بالخوص
كي لا يرى الناس سوأته
كنت أحدثكم
للحديث تفاصيله فاسمعوني
فقد جئت أسألكم عن رمال وبـحر وغيم وسلسلة زبرجد )
أخي القاريء هل فهمت شيئاً ؟ فنحن لم نفهم !!!
ويقول الجحدلي :
( أرتق وجه السماء المغطاة بالعشب
أدوَّن ما يشدو البحر به
هو الليل يأتي لنا حاملاً شمسـه
هو الموت يبدأ من أحرف الجر حتى السواد
وينسل طيف الأرانب بين المفاصل والأمكنة
يضيء الغدير المعبأ بالخيل والليل والكائنات الكئيبة
وللنهر بيض يفقس بعد المساء الأخير
وللخوف وجه الذي يشتهيه الشجر )
انظروا إلى هذا العجب، وجه السماء مغطى بالعشب ! ثم ماذا الليل يحمل شمسه ، أليس الليل يحمل ظلاما لا شمسا ونوراً، ثم ماذا أيضاً الموت يبدأ بحروف الجر حتى السواد !!
ويقول مبدع آخر !! : " وهبطت زنجية شقراء في ثوب من الرعب بديع " . يعلق الدكتور القرني قائلا : هل رأيت - أيها القارئ - زنجية شقراء قبل اليوم، وثوبا من الرعب وبديعاً في نفس الوقت ؟!
وفي جـريدة عكاظ العدد 7566 كتب الـسـريـحي تحت عنوان (3 خطوات في حضرة البياتي) فكان مما قال : "يأخذك حديثه، يرسم لك مدنا من ثلج أسود، وزمن تركض شمسه مذعورة في الشوارع" . هل يوجد ثلج أسود ، أما " زمن تركض شمسه " فقد تكون مقبولة للدلالة على سرعة الزمن ، لكن أن تكون مذعورة وفي الشوارع ، فهذا يدعو للعجب !!
هذا الذي يسمونه الحداثة، ويعنون بها الثورة والتمرد على كل قديم، هل المراد منه أن نتحوَّل من الشرع والعقل إلى السفه والجنون ؟، هل يريدون منا أن نقرأ هذه التفاهات دون أن نفهم شيئا منها، لا لخلل في أفهامنا بل لإيرادهم كلامهم على وجه التعمية والإلغاز .
ومن العجب أن يفتخر الحداثيون بما يسمونه غموضا ونسميه نحن هذياناً، ويعدون ذلك من ضروب الإبداع ، فيقول سعيد السريحي فيما نشرته مجلة الشرق الأوسط في عددها 369 يقول أثناء تعليقه على أمسية : "إن هذه الأبواب الإبداعية ذات طبيعة تجعل من الغموض ضربة لازب" .
وأمر عجيب آخر وهو أنهم يعترفون أن قصائدهم من الصعب تفهمها، وليس هذا فقط بل إنهم يقولون إنها تخلت أن يكون لها غرض ما، وأصبحت اللغة فيها غير ذات دلالة، غير أنهم يظنون أن لها إيحاءات ولا ندري أي إيحاءات في أن للنهر بيضاً يفقس في المساء الأخير !! ، وأن للموت أحرف جر حتى إلى السواد !! .
يقول السريحي في صفحة 31 من الكتاب : "ومن هنا أصبح من الصعب علينا أن نتـفهم القصيدة الجديدة، بعد أن تخلت عن أن يكون لها غرض ما، وأصبحت اللغة فيها لا تشير أو تحيل إلى معنى محدد، وإنـما هي توحي بالمعنى إيـحاءً بحيث لا تـنتهي القصيدة عند انتهاء الشاعر من كتابـتها، وإنما تظل تـنمو في نفس كل قارئ من قرائها، حتى يوشك أن يصبح لها من المعاني بعدد ما لـها من القراء " ، لا أظن أن ثمة معاني سيخرج بها القارئ من قصيدة حداثي، غاية ما يمكن أن يخرج به القارئ أن يحمد ربه على نعمه، ويسأل الله العافية والسلامة .
إن عظمة الإسلام تتجلى في النظر إلى حال هؤلاء الذي أرادوا الثورة على القديم بمبادئه وأخلاقه وقيمه فلم يجدوا إلا هذا الهراء الذي يسمونه إبداعا، وأصبح الغموض المقصود في قصائدهم نتيجة تقليد للنهج الحداثي الغربي، هو السبيل لبث أفكارهم حتى لا يصطدموا بالمسلمين الذين يرون في أفكار الحداثة خروجا عن الدين بل وعن الأدب . يقول أحمد عائل فقيه في عكاظ العدد 7371 الصفحة 10 : "إننا في مجمل الأحوال نسير في اتجاه معاكس لما هو سائد ومكرس في بنية المجتمع، وذلك هو المأزق الثقافي الشائك الذي لا تدري كيف يمكن بالكاد تجاوزه وتخطيه، أنت في كل هذا تصطدم مرة أخرى بجملة حقائق ومسلمات اجتماعية ثابتة راسخة رسوخ الجبال الرواسي في أذهان الناس . ألا بديل لما هو سائد ومكرس أيضاً ؟ إذا كيف يمكنك تمرير ما تحلم به، وما تود أن تقوله علناً " ، فالخوف إذاً هو ما يدفعهم إلى الغموض ، والخوف إذاً هو ما يدفعهم إلى التستر على أفكارهم، وهذا فيه مؤشر خطير على خطورة ما يدعوا إليه هؤلاء مما فيه معارضة ومناقضة لأصول الإسلام الثابتة، ولعل ما ذكرناه في مقالنا " الحداثيون ونماذج من أدبهم " أكبر دليل على عظم ما يعتلج في صدورهم، نسأل المولى عز وجل أن يهدي ضال المسلمين ، وأن يثبت قلوبنا على الحق والعمل به ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:48 PM
ظاهرة عبدة الشيطان العرب .. أسبابها وطرق معالجتها





لقد شعر الجميع بالصدمة عندما تناقلت وسائل الإعلام من صحف ومجلات خبر تلك الكارثة التي ظهرت على السطح بإعلان الشرطة في بعض البلاد العربية القبض على مجموعة تنتمي إلى جماعة عبدة الشيطان حيث قبضوا عليهم متلبسين بهذا الجرم المشين.
فكانت صدمة عنيفة أحدثت في المجتمع المسلم رجة ، خلخلت دعائمه وأسسه ، وغدا المصلحون من هول الصدمة يتحسسون مكامن الداء وأسبابه ودوافعه ، ما الذي أخرج من بين ظهراني المجتمع المسلم هذه الشرذمة القذرة التي تتخذ من الشيطان إلها - أيا كانت فلسفتها في تفسير هذه العبودية - ، ما الذي دفع هذه الطائفة من الشباب إلى الإعراض والتولي عن دين المجتمع وقيمه وأخلاقه ، دون أن يبالوا بذلك أو يستشعروا الخوف والرهبة من الإقدام على هذا العمل الشائن.
كل هذه الأسئلة دفعت المصلحين والباحثين إلى تلمس هذه الأسباب بغية معالجتها، وقد ذكر كلٌّ وجهة نظره في ذلك، وهي وإن بدت مختلفة إلا أنها كلها يمكن أن تعدَّ أسبابا مباشرة أو غير مباشرة في بعث هذه الظاهرة .
ونحاول في هذا المقال أن نضع أيدينا على بعض تلك الأسباب التي ذكرها المصلحون والباحثون بغية معالجتها، ووضع الحلول لها، مع الإشارة إلى أن ما بدا من مظاهر هذه الظاهرة ربما لا يشكل إلا جزءا يسيرا من حقيقتها، ولعل الأيام تكشف لنا ما كان خافيا . فمن أهم أسباب بروز هذه الظاهرة في مجتمعاتنا:
1- إهمال التعليم الإسلامي : وهذا الأمر يتعلق أصالة بالتربية الأسرية ، فكثير من الأسر لا تهتم بل لا تبالي أصلا بتعليم أبناءها الإسلام، ولا تحثهم على التمسك به ، ولا تقدم لهم القدوة الصالحة في هذا الإطار، بل تدفع بهم تجاه التغريب ، فينشأ الطفل أبعد ما يكون عن الجو الإسلامي الذي يزرع في نفسه الخوف من الله وحب القرب إليه.
2- تحقير أهل الدين وإظهارهم بمظهر الشواذ عن المجتمع : وهذه نقولها صريحة، وهي جريمة ترتكبها كثير من وسائل الإعلام ، حيث يظهر - بتعميم مقصود - الشيخ كدرويش ساذج، ليس له إلا عمامته ومسبحته وهو أبعد ما يكون عن قضايا الناس وهموهم ، هذا إذا لم تسخر بعض وسائل الإعلام بالمظهر الإسلامي وتنفر الناس عنه، بل إن بعضها ليبلغ به الكفر والزندقة إلى الاستهزاء بأحكام الدين وفرائضه وآدابه .
3- غياب القدوة الصالحة وإحلال القدوة الفاسدة مكانها : وهذا نتيجة حتمية لما ذكرناه آنفاً من الاستخفا بأهل الدين والاستهزاء بهم ، فمن البعيد أن يقتدي الشاب - الذي ينظر إلى الحياة بمنظار الإعلام الفاسد - بشيخ مسلم، بعد أن شوه الإعلام صورته، وفي المقابل يجد الشاب كثيراً من وسائل الإعلام تجاهد وتناضل لإبراز قدوات فاسدة للشباب ذكورا وإناثاً ، وإظهارهم بمظهر التحضر والأناقة ، وأنهم هم وجهاء المجتمع وحماته ، في حين أنهم خواء من ذلك كله .
4- ظهور المباديء الكفرية باسم الحرية الفكرية : وهو نتيجة كذلك لتغييب الدين بمادئه السامية، فتجد الكل حراً في نشر ما عنده من سموم الأفكار والخيالات والأوهام، حرية لا يجد خمسها - وربما أقل - صاحب المبدأ الصحيح " الإسلام "، فتفتح لأصحاب الضلالات الفكرية المشككة في الإسلام المجلات والفضائيات لينشروا سمومهم تحت مسمى الإبداع والحرية . فانتشرت بين الناس المبادئ الهدامة ، وأصبحت المبادئ كالثياب تلبس في يوم وترمى في آخر، وكما أن لكل زمن موضة في اللباس كذلك لكل زمن موضة في الأفكار، وكل ذلك يجري تحت مسمى الحرية الفكرية أو قل الحرية الكفرية .
5- مواقع عبدة الشيطان على الإنترنت : وهي وسيلة لنشر دعوتهم من جهة ولتحقيق التواصل بينهم من جهة أخرى ، وهي وسيلة شيطانية كذلك للتخفيف النفسي على أولئك الذين يعيشون في بيئات ومجتمعات إسلامية ، حيث يوفرون لهم الغطاء النفسي لإنحرافهم .
6- الاختلاط بالكفار عموما : وهذا من أعجب العجب، وهو أن يتأثر المسلم بأفكار الكفار الفاسدة، ولا يؤثر على الكفار بأفكاره النيرة الصحيحة، ذلك أن ما يحمله المسلم من نور وهدى كان الأجدر به أن يدفعه إلى التأثير الإيجابي على الكفار الذين يخالطهم ، لا أن يتأثر سلبا بأفكارهم وضلالتهم ، وقد أظهرت التحقيقات مع عبدة الشيطان في مصر أن بعضهم أخذ تلك الأفكار عن طريق اليهود نتيجة اختلاطهم بهم .
وليس علاج هذا أن يمتنع المسلم عن مخالطة الكفار طالما أن له مصلحة مباحة في ذلك ، ولكن العلاج يكمن في معرفة المسلم بدينه، وتسلحه بتلك المعرفة في مواجهة الأفكار الضالة والآراء المنحرفة ، حتى إذا التقى بكافر أو ضال كان ما عنده من العلم بدينه حافظاً له من الانسياق وراء الأفكار الضالة، بل إنه سيصبح داعية إلى الحق والهدى ، مبطلا لما عند الكفار من العقائد الفاسدة والأفكار المنحرفة . أما إن أبى إلا الجهل بدينه فلن تزيده مخالطة الكفار إلا ضلالا وربما ألقاه جهله في مهاو سحيقة من الكفر والضلال .
7- الفراغ والغنى وغياب الهدف الإسلامي من الحياة : فكل هذه الأسباب تدفع بالإنسان إلى التخبط في ضلالات الأفكار والعقائد ، فتراه يعيش حياة بلا معنى ولا هدف، فلا يدري أين يتجه ولا على أي طريق يسير .
فهذه بعض الأسباب المباشرة وغير المباشرة في ظهور عبدة الشيطان بين ظهراني المجتمعات الإسلامية ، ولعل علاج تلك الظاهرة يلوح في أفق من قرأ تلك الأسباب ووقف على حقيقتها، وهو علاج مجمله في العودة إلى ما شرعه لنا ربنا سبحانه وتعالى، ويأتي في مقدمة ذلك تربية الطفل تربية إسلامية صحيحة بملء قلبه بحب الله عز وجل وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب دينه ، ثم مراعاة تعليمه تعليما إسلاميا صحيحا، لا تعليما دنيويا فارغا من كل القيم الإسلامية، ثم لا بد من الاهتمام بالإعلام وتوجيهه توجيها إسلاميا يدعو إلى الفضيلة ويحارب الرذيلة، وأن يعتني بتقديم القدوات الصالحة للشباب ، ثم قيام الدولة بدورها في حماية المجتمع من شذوذات الأفكار وشذوذات الأخلاق، وألا تدع الحبل على غاربه بدعوى تمسكها بحرية زائفة لا تراعي خصوصيات المجتمع ودينه، ومما ينبغي أن يهتم به الإعلام إضافة إلى ما تقدم شحذ همم الشباب لغايات نبيلة دينية ودنيوية لتكون دافعا لهم للقيام بواجباتهم ومسئولياتهم المنوطة بهم .
كل هذه الخطوات لو طبقت تطبيقا صحيحاً، وعُمل بها في مجتمعاتنا فإننا على يقين بأن ظواهر كظاهرة عبدة الشيطان لن يكون لها حظ في الاستيلاء على فكر وقلب واحد منا .
وعندها فقط لن نصطدم بمثل هذه القاذورات لأنها لن تظهر في مجتمعاتنا ، أما وحال مجتمعاتنا الإسلامية كما لا يخفى، فإن الوضع لا يبشر بخير، وما زلنا نسمع هنا وهناك بروز بعض من هذه الفقاعات النجسة ، ذلك أن المجتمع مليء بأسباب ظهورها .
وأخيرا نقول إن حجم الخطر كبير، ومعالجته ينبغي أن تكون في مستوى ذلك الخطر، فهل نستجيب لديننا ونرجع إليه فهو الحصن الحصين لنا من الانهيار والارتداد إلى حمأة الجاهلية المنحطة.

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:49 PM
عبدة الشيطان المعاصرون ... طقوسهم التعبدية (1)




ربما عدَّ البعض من المبالغة القول بأن لعبدة الشيطان طقوسا تعبدية، وأن لهم أعيادا دينية ترتبط ارتباطاًً مباشراً بعبادة الشيطان والتقرب إليه، غير أن ذلك هو الحقيقة المرة التي قذفت بها إلينا المادية الغربية ، ومن يطلع على بنائية وتركيبة هذه الجماعة لن يكون عنده شك أن عبادة الشيطان أصبحت عند هؤلاء ديناً يلتزمون به، له شعائره وأعياده ، وله أفكاره ومعتقداته ، بل ولأتباعه لباسهم وشعاراتهم التي يلتزمون بها ويحافظون عليها . وقد حاولنا أن نظهر في هذا المقال بعض شعائرهم التي ذكرها الباحثون، حتى يطلع المسلم على هذه النِّحْلَةِ وأنها في تركيبتها من حيث الأفكار والممارسات لا تختلف عن سائر الأديان الوثنية الباطلة إلا في كونها الأخطر والأقبح .
طقوس الراغب في الانضمام إلى عبدة الشيطان
يحرص عبدة الشيطان على استقطاب أكبر عدد ممكن من الشباب للانضواء تحت هذه النحلة الفاجرة ، وهم حريصون على نشر أفكارهم المنحلة والدعوة إليها ، فينشئون المواقع الإلكترونية، وينشرون الكتب، ولهم مجلات ونوادٍ وفرق موسيقية تغني بقاذرواتهم الفكرية .
ويبدؤون في استقطاب أعضاء جدد إلى الجماعة عن طريق دعوتهم إلى حفلات رقص وجنس من غير أن تظهر في تلك الحفلات مظاهر عبادة الشيطان، ثم يحاولون أن ينتقوا من المدعووين من يرون إمكانية إنضمامه إليهم، ثم يحاولون تعريفه بالجماعة ويكشفون له شيئا من أسرارها ، فإن أحب الانضمام إليهم عرضوه لاختبارات قاسية حتى يختبروا ولاءه وأنه لم يرد الدخول لنزوة أو شهوة ، كأن يأمروه بقتل والديه ، أو ممارسة أفعال قذرة ، فإن نجح ضم إلى الجماعة باحتفال مهيب، حيث يقف الكاهن أمام المذبح الذي حفت به الشموع السوداء ، وقد ارتدى معطفا أسود، ويأتي العضو الجديد في معطف أبيض اللون ثم يقوم بخلع ملابسه ، ويجثو على ركبتيه أمام المذبح عاريا، بعد ذلك يُجْرَح في يده ويجمع الدم في إناء من الفضة، ويدار على الأعضاء ليشربوا، وبذلك يتم التوحد بين الأعضاء حسب زعمهم .
وبعد إجراء الاحتفال يصبح العضو رسيماً في هذه الجماعة، ويبدأ بلبس شعاراتهم وثيابهم وما إلى ذلك .
ومن الجدير بالذكر أن العضو إذا انضم إلى هذه الجماعة كان من الصعب عليه الانسلاخ منها ، لأنهم يمارسون عليه كل أصناف الإرهاب خشية أن يكشف ممارساتهم التي يحظرها القانون من القتل والاغتصاب، وليس بعيدا أن يحاولوا قتله والتخلص منه .
أعياد عبدة الشيطان
تكثر الأعياد عند هذه النحلة الفاجرة ، ولعل السبب وراء ذلك يعزى إلى رغبتهم في الاجتماع للمحافظة على تواصل جماعتهم من جهة، وممارسة رذائلهم وعبادتهم للشيطان الرجيم من جهة أخرى ، وقد أحصى الكاتب يوسف البنعلي أعيادهم حسب تقويمهم فبلغت 22 عيدا ، تتميز جميعها بالجنس وممارسة القبائح وسفك الدماء البشرية وغير البشرية ، فمن أعيادهم عيد القديس وينبلد " طقوس الدماء "، وعيد عربدة الشيطان " طقوس جنسية "، وعيد الفسق الأعظم " طقوس الدماء "، وعيد الانقلاب الشمسي " طقوس جنسية " وغيرها ، وأعظم أعيادهم هو عيد الهلوين وهو أفضل أيام السنة عندهم، لأنه يوم تطلق فيه أرواح الموتى حسب زعمهم ، وهو اعتقاد مأخوذ من المعتقدات الوثنية .
القداس الأسود
من الملاحظ حرص هذه الجماعة على تسمية كثير من طقوسهم وما يتعلق بها بأسماء نصرانية ، فهناك كنيسة الشيطان ، والإنجيل الأسود ، والمذبح ، والصليب ، والقداس هذا في إطار الأسماء، أما في إطار الطقوس فثمة تشابه ما بين الشعائر النصرانية والطقوس عند عبدة الشيطان، مثال ذلك التعميد ( صب الماء على الرأس والجسد ) حيث يتم التعميد عند النصارى بالماء في حين يتم التعميد عند عبدة الشيطان بالقاذورات من بول ودم وغائط ، وكذلك مشابهة الصلاة عند عبدة الشيطان الصلاة عند النصارى حيث تتم الصلاة عند عبدة الشيطان بتلاوة فقرات من كتاب الشيطان مصحوبة بالموسيقى، وهو نظير الصلاة عند النصارى حيث تتم بتلاوة فقرات من الإنجيل مصحوبة بالموسيقى ، ويعزي البعض هذا التشابه كنوع من الانتقام من النصرانية التي عاقبت السحرة وعبدة الأوثان وأذاقتهم ما يستحقونه من عقاب وتنكيل .
ويبدأ القداس الأسود الاعتيادي بالذهاب إلى غرفة مظلمة جللت بالسواد وأنارت بعض جوانبها شموع سوداء، وبها مدفأة تعلوها نجمة خماسية وبالقرب منها يوجد المذبح وهو مغطى بقماش أسود ، تستلقي عليه فتاة عذراء عارية تماما يعلوها صليب مقلوب ،وهي تعد رمزا للرغبات الجنسية .
ويتقدم الكاهن الشيطاني أمام المذبح مرتديا معطفا أسود ، مع قلنسوة يغطي بها رأسه ، وبها قرنان صغيران ، فيبدأ بتلاوة الصلوات بلغة لاتينية أو انجليزية مقلوبة، يصاحبها عزف على آلة الأرغن " آلة تشبه البيانو " . وأما القرابين البشرية فلا تُقدَّم في كل مرة يقام فيها القداس .
القرابين البشرية
يقول ريتشارد كفيندش : " يؤمن عباد الشيطان بأن الكائن الحي مستودع للطاقة، ولا تتحرر هذه الطاقة إلا حين يذبح، ولا بد أن يكون الذبح داخل دائرة حتى تتركز القوة الخارجة منه في مكان واحد، وللحصول على أكبر طاقة ممكنة يشترط في الضحية - سواء أكانت ذكرا أم أنثى - أن تكون صغيرة السن ، صحيحة البدن وبكراً ، وعلى الساحر أن يكون واثقا من أنه يستطيع التحكم في هذه الطاقة الكبيرة التي تكون مندفعة من الضحية بقوة جبارة وقت الذبح فلا يجعلها تفلت منه وإلا دفع حياته ثمناً لذلك، ويشترط عبدة الشيطان تعذيب الضحية قبل ذبحها ، والغرض من التعذيب إيصال الضحية إلى قمة الألم ، لاعتقادهم أن الهياج والانفعال الشديد الناتج عن الآلام المبرحة يجعل الطاقة الخارجة لحظة وقوع الموت سهلة الاصطياد وبالتالي يسهل التحكم بها " عن كتاب عباد الشيطان لبنعلي .
وهذه الممارسة الوحشية مأخوذة من الأمم الوثنية التي يحكمها السحرة ويتصرفون في شؤونها .
وقد أثارت تلك الأمور الرأي العام على عبدة الشيطان، على الرغم من أنهم حركة مصرح لها بممارسة شعائرهم في أمريكا مثلا، بل إن كنائسهم تلقى دعما حكوميا أسوة بالأديان الأخرى .
فانظر إلى هذه الحرية الخرقاء التي سمحت بهذا المستوى المنحط من التفكير والممارسات، ولم تحم المجتمع من ضلالات الأفكار وشذوذاتها ، بزعم الحرية .
هذه بعض طقوس هذه الجماعة الغارقة في الضلال، سقنا لك بعضها على أمل أن نكمل بقية طقوسها في مقال لاحق ، حتى يستزيد المسلم من معرفة ضلال هؤلاء ، فيبتعد عنهم، ويحذر منهم ، ويتمسك بدينه، ويعلم منَّة الله عليه أن هداه لهذا الدين ، نسأل المولى عز وجل أن يمن على عباده بهدايته، وأن يجنبهم طرق الغواية والضلال إنه على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:50 PM
الحداثيون ونماذج من أدبهم



يصرح الحداثيون في بلاد الإسلام دون خوف أو مواربة بأن دعوتهم تقوم على أساس الثورة والتمرد على التراث والماضي بكل صوره وأشكاله، وهم في ذلك صورة للحداثيين الغربيين الذين كانوا نتاج ثورة فكرية ملحدة على تعاليم الكنيسة.
فليست الحداثة - كما يحب أن يصورها البعض - خروجاً عن الشعر التلقيدي إلى الشعر الحر ، والاستعاضة بالعامية عن الفصحى فحسب، بل هي أشمل من ذلك وأوسع، فهي ثورة على القديم كل القديم بما في ذلك الدين واللغة والشعر، بل وحتى الأعراف والتقاليد، فنظرة الحداثيين إلى الدين مثلا نظرة ملحدة، لا تعترف له بالقداسة والعصمة، لا في أخباره ولا في أحكامه . فعلى سبيل المثال دعا أحد كبار الحداثيين إلى عدم اعتبار القصص القرآني ثابتاً تاريخيا حتى يثبته البحث العلمي كما زعم ، ولا يخفى مروق هذا النهج وخروج صاحبه عن الإسلام، فهو مبني على الشك في خبر الله عز وجل، المنزه عن الكذب سبحانه وتعالى .
ولتوضيح شمولية هذا الفكر الحداثي، وأنه لا يقتصر على الشعر واللغة فحسب، بل يتعدى ذلك إلى الدين والقرآن والحديث النبوي، نتأمل قول الكاتبة الحداثية خالدة سعيد في مجلة "فصول" المجلد الرابع العدد الثالث صفحة 27 في مقال لها بعنوان: (الملامح الفكرية للحداثة) : "إن التوجهات الأساسية لمفكري العشرينات، تقدم خطوطا عريضة تسمح بالقول : إن البداية الحقيقية للحداثة من حيث هي حركة فكرية شاملة، قد انطلقت يومذاك، فقد مثَّل فكر الرواد الأوائل قطيعة مع المرجعية الدينية والتراثية كمعيار ومصدر وحيد للحقيقة، وأقام مرجعين بديلين، العقل والواقع التاريخي، وكلاهما إنساني، ومن ثمّ تطوري " .
وتـقول أيضاً في نفس المرجع صفحة 26 "عندما كان طه حسين وعلي عبد الرزاق يخوضان معركة زعزعة النموذج (الإسلام)، بإسقاط صفة الأصلية فيه، ورده إلى حدود الموروث التاريخي، فيؤكدان أن الإنسان يـملك موروثه ولا يملكه الموروث، ويملك أن يحيله إلى موضوع للبحث العلمي والنظر، كما يملك حق إعادة النظر في ما اكتسب صفة القداسة، وحق نزع الأسطورة عن المقدس، وحق طرح الأسئلة والبحث عن الأجـوبة". فهذه هي دعوتهم وهذا ما يهدفون إليه "نزع القداسة عن القرآن والسنة"، ووضعهما على طاولة البحث العلمي، وليس الخطر في البحث العلمي، فالبحث العلمي المجرد لا يزيد الحق إلا ثباتا ورسوخاً، ولكن الخطر في نزع اعتقاد المسلم بعصمة الوحي الثابت قرآنا وسنة، وفي ذلك خروج عن الدين ومروق عنه، لأن فيه تكذيبا لخبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، فهي دعوى صريحة للردة، ولكن باسم البحث العلمي !!
فليتنبه لذلك المسلم، وليحذر من هذه الدعوات أشد الحذر . وإليك نماذج من شعر الحداثيين تتضمن الطعن في الله ودينه، ولو من طرف خفي لا يخفى على العاقل .

نماذج من شعرهم
يقول بعض شعرائهم ( وهذه النماذج مؤخوذة من كتاب " الحداثة في ميزان الإسلام" للدكتور عوض القرني )
( أرضنا البيد غارقة
طوف الليل أرجاءها
وكساها بعسجده الـهاشمي
فدانت لعاداته معبدا )
فواضح من هذا النص من يلمز هذا الحداثي ومن يذم ، ومن يعني بالهاشمي الذي دانت له البيد " الصحراء " فصارت لعاداته معبدا ، أيقال هذا في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي بمعثه بعثت أمة العرب وأصبحت البيد " الجزيرة العربية " مركز هدى وعلم ونور، تهتدي به البشرية في أرجاء الأرض كلها، لكن "البيد" أصبحت في نظر هذه الحداثي أرضا غارقة يلفها السواد ، وتتحكم فيها العادات الهاشمية، انظروا إلى هذا السم الذي ينفثه هؤلاء ،وتأملوا ماذا سيقولون عندما يكون مجال حريتهم أوسع ، كما هو الحال في قول الشاعر الآخر، الذي قال دون حياء أو مواربة :
" كان الله رماداً "
هل هذا يندرج ضمن الخطة الحداثية في تحويل الماضي كل الماضي رمادا وتجاوزه بل وسحقه، حتى الله ورسوله وتاريخ المسلمين ؟!!
واسمعوا إلى حداثي آخر وهو يلمز النبوة من طرف خفي فيقول :
( قلت لا ليل في الليل ولا صبح في الصبح
منهمر من سفوح الجحيم
وقعت صريع جحيم الذرى
سألك جسد الوقت معتمر بالنبوءة والمفردات المياه
أيـها الغضب المستتب اشتعل
شاغل خطاك البال منحرف للسؤال
أقول كما قال جدي الذي ما انتهى
رأيت المدينة قانية
أحمر كان وقت النبوءة
منسكبا أحمر كان أشعلتها )
واسمعوا إلى آخر وهو يستهزيء بالنبي بأسلوب خفي ، ثم يكمل استهزاءه بالإسلام ليتهمه باستعباد المرأة، وأنها منذ نزول تبت - سورة تبت - والقناع - الأمر بالحجاب- وهي تشترى وتباع .
يقول لا بارك الله فيه :
( بعض طفل نبي على شفتي ويدي
بعض طفل من حدود القبيلة
حتى حدود الدخيلة
حتى حدود القتيلة
حتى الفضاء المشاع من رجال الجوازات
حتى رجال الجمارك
حتى النخاع يـهجم الخوف أنى ارتحلنا
وأنى حللنا
وأنى رسمنا منازلنا في الهواء البديل
وفي فجوات النـزاع باسمنا
باسم رمح الخلافة
باسم الدروع المتاع
اخرجوا فالشوارع غارقة والملوحة في لقمة العيش
في الماء
في شفة الطفل في نظرة المرأة السلعة
الأفق متسع والنساء سواسية منذ تبّـت وحتى ظهور القناع
تشتري لتباع وتباع وثانية تشترى لتباع )
ولم يسلم من تهكمهم حتى طريقة المحدثين في إيراد الأخبار النبوية، إذ اعتبروها مثارا للسخرية وحديثا للتندر ، ولنا أن نسأل عن وجه السخرية في طريقة المحدثين في إيراد الأخبار النبوية، لقد أدهش السند الإسلامي الغرب، وعُدَّ مفخرة من مفاخر أمة الإسلام بين الأمم، إن من يسخر من السند الإسلامي يجعل من نفسه مثار سخرية، إذ يحوِّل نفسه إلى سفيه سوقي لا يفرق بين ما يستدعي العجب والتعظيم وما يستدعي الضحك والسخرية .
ولنسمع إلى أحد هؤلاء الحداثيين وهو يسخر من السند الإسلامي، بل إن كلامه لا يخلو من لمز في الحديث النبوي، فيقول كما في (مجلة الشرق عدد 362 الصفحة 38 )
( حدثنا الشيخ إمام
عن صالح بن عبد الحي
عن سيد ابن درويش
عن أبيه، عن جده قال :
"يأتي على هذه البلاد زمان
إذا رأيتم فيه أن الفن أصبح جثة هامدة فلا تلوموه
ولا تعذلوا أهله
بل لوموا أنفسكم
قالـها وهو ينتحب
فتغمده الله برحمته
وغفر له ذنوبه )
هذه نبذ من أشعارهم ، ونحن نعتقد أنه لولا تخوفهم من محيطهم وواقعهم لصرحوا بأغلظ من هذا وأفظع ، فدعوتهم - ومن خلال ما ذكرنا- لم تقتصر على الثورة على الشعر العمودي الموزون والانتصار للشعر الحر ، أو الثورة على اللغة الفصحى والانتصار للعامية فحسب، وإنما هي حركة فكرية شاملة تهدف إلى هدم كل قديم بما في ذلك الدين، وإحلال قيم المجتمع الغربي مكانها من حرية هوجاء، وإباحية مطلقة ، وتنحية شرع الله وحكمه .
نسأل المولى عز وجل أن يحفظ أمة الإسلام من مضلات الأهواء والفتن وأن يحفظنا أمام هذا الهياج الكفري المتستر بقوالب الأدب والفكر، ونسأل الله أن يجعل ما نكتبه جرس إنذار لكل من يقرأ مقالنا هذا فيتحصن بدينه ويتترس به، من سهام ورماح الحداثيين، التي لا تعدو أن تكون أسهما ورماحا من ورق طالما وقف من يتصدى لها بنور الوحي والهدى .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:51 PM
العلمانية في الشرق الإسلامي ، النشأة وأسباب الظهور

ارتبطت العلمانية الغربية في نشأتها، بظروف تاريخية ودينية واجتماعية، أدت لبروزها كحل للمشاكل التي أثقلت كاهل الغرب النصراني .
غير أن الواقع في الشرق الإسلامي مختلف تماما عن الواقع في الغرب النصراني، كما بيَّنا ذلك في مقال سابق، والسؤال الذي يرد هنا ما هي الأسباب التي أدت إلى ظهور العلمانية في الشرق الإسلامي، طالما أن التناقض الفكري والواقع التاريخي لا يؤيد استيراد التجربة الغربية في تطبيق العلمانية إلى عالمنا الإسلامي، هذا ما سوف نحاول الإجابة عليه في هذا المقال .
بعد سقوط الخلافة العثمانية ، عاش المسلمون مرحلة من الضعف ، تسلط الاستعمار خلالها على ثروات الشعوب الإسلامية ، وغدا ينشر أفكاره وضلالاته بين المسلمين، ووجدت تلك الأفكار أتباعا وأنصارا يتبنونها وينشرونها ويدافعون عنها، وكانت البعثات العلمية التي أرسلت إلى أوربا - أو ما يفترض أن تكون علمية - صيدا سهلا للتأثير عليها وتحويلها إلى أبواق تصدح بأفكار المحتل وتسوق نظرياته .
وكان للنصارى العرب في الداخل الإسلامي دور كبير أيضا في تسويق هذه النظريات والترويج لها والدعوة إليها .
وبعد سقوط الخلافة دار جدل كبير حول شكل الدولة التي يجب أن تكون، فمن داع إلى إعادة الخلافة، ومن داع إلى إقامة دولة قومية ووطنية تجعل من العرق العربي أساس تشكلها، وكان في مقدمة هؤلاء النصارى العرب، الذين دعوا إلى قيام دولة قومية عربية لا دينية، ورأوا في الدولة الدينية تهديدا لتطلعاتهم السلطوية ، فراحوا يكيلون السباب والشتائم للدولة التي حمتهم قرونا من الزمان، وعاشوا في كنفها ورعايتها، ثم أنشؤوا الجمعيات السرية التي تناهض الخلافة الإسلامية، وتدعوا إلي قيام حكومات قومية غير دينية، ومن هذه الجمعيات جمعية بيروت ( فارس نمر ) ، وجمعية العربية الفتاة ، والحزب القومي السوري ( انطوان سعادة ) وحزب البعث العربي الإشتراكي ( مشيل عفلق ) .
ثم نشطوا في نشر أفكارهم، فحرروا الصحف والمجلات ، وطعمّوها بأفكارهم العلمانية العفنة ، تحت مسميات براقة انخدع بها الناس وصدقوها، فأصدروا صحفا كثيرة ك "الجنان"، و"المقتطف"، و"الهلال"، وكان محرروها كناصيف اليازجي، ويعقوب صروف، وجرجي زيدان، يمثلون طلائع العلمانية في الشرق الإسلامي .
ولنقرأ معا بعض أفكار طليعة الشر، يقول "شبلي شميل" : " ليس الحكم الديني والحكم الاستبدادي فاسدين فحسب بل هما غير طبيعيين وغير صحيحين "
ويقول : " أما في العصر الحديث فالوحدة تتم بخلق الولاء القومي والفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية " ( انظر العلمانية 558- 559 ) ، ورفع هؤلاء النصارى العرب شعارا ماكرا وهو " الدين لله ، والوطن للجميع " وهو شعار وإن بدا جميلا في لفظه، إلا أنه خبيث في معناه ، إذ إنه يوجز العلمانية في لفظ مختصر يفصل فيه بين ما لله " الدين " وما للناس " الوطن " وكأن ثمة تقابل وتضاد بينهما على وفق النظرة الغربية العلمانية في الفصل بين الدين والحياة .
ومن أسباب ظهور العلمانية في العالم الإسلامي إضافة إلى ما سبق ظهور حركة الاستشراق، وهي حركة تفرغت في أغلبها للتشكيك في التراث الإسلامي ، والطعن في ثوابته كالنبوة والقرآن والتاريخ الإسلامي ككل ومنه الدولة الدينية، فأنشؤوا المراكز البحثية، وألفوا الكتب التي تحاول الطعن والتشكيك في الإسلام عقيدة وشريعة، وألقوا الشبه على مسامع المسلمين في قرآنهم ونبيهم وإسلامهم، وقاموا بإحياء الفرق البائدة والطوائف الشاذة التي غمرها الحق ببيانه فهدمها، وطمس معالمها . كل ذلك من أجل تشكيك المسلم في دينه، وتهيئته لتقبل الأفكار الضالة ، والآراء الباطلة .
وقد لاقت هذه الحركة أتباعا في الداخل الإسلامي، روجوا فكرها وعظموا شأنها، ودفع الاستعمار في هذا الاتجاه، فجعل من العلمانية واقعا يعيشه المسلمون، فقام بإنشاء المحاكم المدنية وجعل القانون الوضعي هو الحاكم في شؤون الناس وأحوالهم، ولا أدلَّ على ذلك مما قام به الإنجليز في الهند من إلغاء العمل بالشريعة الإسلامية، وكذلك فعل نابليون في مصر إذ أحلَّ القانون الفرنسي محل الشريعة الإسلامية، حتى لم يبق من الشريعة إلا ما يسمى بالأحوال الشخصية، وقد ظل هذا الوضع قائما في شتى البلاد الإسلامية في مؤشر صريح على أن النظم الحاكمة ما هي إلا ربيبة الاستعمار وامتداده الفكري والسياسي .
وقد أدى ضمور الجانب العلمي لدى المسلمين، وانبهار بعض شيوخهم بالنموذج الغربي إلى إضعاف مقاومتهم لهذه الأفكار الشاذة والآراء المنحرفة، إلا أن انتشار الوعي الإسلامي لدى المسلم في الآوانة الأخيرة، أدى إلى انحسار جزئي للعلمانية، فظهرت في الجانب الاقتصادي البنوك الإسلامية، وظهر في الجانب التعليمي المدارس الإسلامية من أدنى المستويات إلى أعلاها، وظهر في جانب الأخلاق إلتزام شبه عام في كثير من البلاد بالزي الإسلامي، وهي تطورات وإن بدت جزئية إلا أنها خطوات هامة في سبيل عودة المجتمع ككل إلى الإسلام في شتى نواحي حياتهم .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:51 PM
الحداثة من منظور إسلامي

إذا كان البلاء الذي قد فُتح على الأمة أيام الدولة العباسية، كان نتيجة ترجمة غير واعية للتراث الفلسفي الإغريقي والهندي والفارسي، فإن واقع الحال في عصرنا " عصر الاستغراب الثقافي " لا يختلف كثيرا إن لم يكن أشد خطورة . ذلك أن علماء الكلام من معتزلة وفلاسفة ومن كان على شاكلتهم حاولوا الموافقة بين الإسلام كدين وبين الوافد الجديد من العلوم الفلسفية، وهي موافقة على ظلمها إلا أنها أهون مما فعله المستغربون حين استوردوا ضلالات الفكر الغربي وروجوها بين الأمة، ولم يكتفوا بذلك بل عارضوا ما خالف أفكارهم الوافدة، فهاجموا الإسلام وشككوا في أركانه وأسسه .
وليست الحداثة في عالمنا الإسلامي إلا نتيجة من نتائج هذا الاستغراب الفكري المحموم المصحوب بحالة من الاندهاش والإعجاب، الذي حجب الأبصار عن رؤية مساوئ الحداثة وعيوبها .
وقبل الحديث عن أفكار الحداثة في عالمنا الإسلامي، لابد أن ننبش عن جذورها الفكرية في منبتها الأصلي " الغرب "، لنعقد مقارنة الأفكار بالأفكار، ولنتعرف على الحداثة دون لف أو دوران، أو تحفظ ربما فرضه العرف ومراعاة الواقع والحال .
فالحداثة نبتة غربية خبيثة، وهي مذهب فكري لم يكن وليد لحظة أو مصادفة، وإنما مذهب أنتجته تحولات فكرية متعاقبة، فبعد سقوط الكنيسة من واقع الناس وقلوبهم، نشأت في الغرب مذاهب إلحادية تحاول أن تفسر الكون والإنسان والحياة تفسيرا مادياً بعيدا عن تفسير الدين وأطروحات الكنيسة، وكلما فشل مذهب انتقل الناس إلى غيره . فمن تلك المذاهب التي ظهرت مبكرا الكلاسيكية التي ألَّهت العقل والطبيعة، ولم يمرَّ على الكلاسيكية إلا وقت يسير حتى أدرك الناس أن العقل بمفرده عاجز عن تفسير الكون والإنسان، فجاء من يدعو إلى الاعتماد على الشعور والخيال في تفسير الحياة والإنسان، والإجابة على الأسئلة المصيرية حولهما، وهذا المذهب يسمى الرومانسية وهو مذهب يؤلِّه ( الطبيعة والشعور )، ثم انتقل الناس من الرومانسية - بعد ظهور فشلها- إلى "الواقعية" كردة فعل عكسية على المغالاة في اعتماد الشعور، ومن الواقعية انتقل الناس إلى اللامعقول وهو مذهب حوَّل الإنسان إلى حيوان لا همَّ له إلا إرواء غرائزه وشهواته، وأما الحياة في نظر أصحاب هذا المذهب فهي حقيرة تافهة لا غاية منها، وقد أسلمت تلك المذاهب والاتجاهات القياد أخيرا إلى الحداثة التي تعني الثورة على الماضي بكل ما فيه، والدعوة إلى التجديد والتغيير المستمر، وتأليه العقل، وألا حقيقة إلا ما كان منتجا عقليا، فالحداثة ليست إلا مرحلة من مراحل التفكير الغربي وليست نهايته، وهذا التحول ليس تحولا مبرمجا ومقصودا، وإنما هو دليل على مدى التخبط والحيرة التي يعيشها الغرب، فمع غياب المرجعية الدينية الحقة لا يدري هؤلاء أي المذاهب هو الحق وأيها هو الباطل، وإذا دلهّم فكرهم على صحة مذهب ما في عصر ما، لم يلبث الزمان إلا ويكشف لهم سوءات المذهب السابق فيبطلونه وينتقلون إلى غيره وهكذا دواليك .
ويمكن تلخيص ركائز تيار الحداثة الغربية - وفق رأي بعض الكتاب - في النقاط التالية:
1- الحداثة تعني سيادة العقل .
2- تتعارض الحداثة مع كل ما هو تقليدي، وهي تنفي كل الثقافات السابقة عليها.
3- الحداثة تعني التغيير المستمر، وهذا التغيير يؤدي إلى أزمات داخل المجتمعات التي تجد نفسها مضطرة إلى مراجعة القديم على أساس من العقلانيّة، والعقلانية هي التي تؤدي إلى الحداثة وليس العكس . وهذا ما حدث تاريخياً في أوروبا.
4- الحداثة تعني أنّ الحقائق تستمد قيمتها من كونها نتاجاً للعقل البشري، وهي تعني حرية الاختيار للقيم والأساليب، وبالتالي تُحلُّ العلم محل الإله .
وكان الأمريكي "إدغار ألن بو" من رموز المدرسة الرمزية التي تمخضت عنها الحداثة في الجانب الأدبي على الأقل، وقد تأثر به كثير من الرموز التاريخية للحداثة مثل: "مالارميه" و"فاليرى وموباسان"، وقد كانت حياة إدغار حياة عربدة وسكر لا علاقة لها بالأخلاق والحق؛ فقد كانت حياته موزعة بين القمار والخمور، والفشل الدراسي والعلاقات الفاسدة، ومحاولة الانتحار بالأفيون، حتى قيل عنه عند موته في إحدى الصحف الأمريكية "ومما يبعث الأسى لموته، هو ـ قبل كل شيء ـ الاعتراف بأن الفن الأدبي قد فقد نجماً من أسطع نجومه ولكن من أمعنهم في الضلال".
وعلى خطى إدغار سار تلميذه "بودلير" أستاذ الحداثيين، ممعنا في الضلال، وبعيداً عن الحق والأخلاق . وكان يعتبر عميد المدرسة الرمزية والتي تعد الخطوة الأولى للحداثة من الناحية الأدبية على الأقل، وإلا فهناك روافد أخرى ساهمت في تشكيل الحداثة . وقد نادى "بودلير" بالفوضى في الحس والفكر والأخلاق .
ومشى على آثار "بودلير" "رامبوا" وتبعه من بعده "مالارميه" و "بول فاليري"، ووصلت الحداثة في الغرب إلى شكلها النهائي على يدي الأمريكي اليهودي "عزرا باوند"، والإنجليزي "توماس إليوت"، وقد تأثرت بهم الموجات الأولى من الحداثيين العرب مثل : "السيَّاب" و"نازك" و"البياتي" و"حاوي" و"أدونيس" وغيرهم، كما ذكر ذلك "إحسان عباس" في ( فن الشعر صفحة 72 ) وتعتبر قصيدة "الأرض الخراب" لإليوت هي معلقة الحداثيين العرب بما حوته من غموض ورمزية، حولت الأدب إلى كيان مغلق، تتبدى في ثناياه الرموز والأساطير، واللغة الركيكة العامية، إلى آخر ما نراه اليوم من مظاهر أدب الحداثيين .
وقد حاول الحداثيون العرب أن يجدوا في التاريخ العربي أسلافا لهم، ليكونوا جواز مرور لهم إلى عقول الأمة، فلم يجدوا إلا الفساق والزنادقة، فمن أبي نواس إلى أبي العلاء المعري فابن الراوندي والحلاج ، وقد تحدث "أدونيس" عن "أبي نواس" و"عمر بن أبي ربيعة"، وعن سبب إعجاب الحداثيين بشعرهما، فقال : " إن الانتهاك هو ما يجذبنا في شعرهما، والعلة في هذا الجذب أننا لا شعوريّاً نحارب كل ما يحول دون تفتح الإنسان، فالإنسان من هذه الزاوية ثوري بالفطرة، الإنسان حيوان ثوري". انظر "الثابت والمتحول" ج1 صفحة 216 " ( نقلا عن الحداثة للقرني بتصرف ) . وواضح من كلام أدونيس أن سر إعجاب الحداثيين بأمثال أبي نواس وعمر بن أبي ربيعة هو تهتكهم وعدم مراعاتهم للأخلاق والأعراف .
ولعلك أخي القاريء قد وقفت معنا على معنى الحداثة، وتبين لك جذورها ومؤسسها، وإن كان لنا من وقفة مع هذا الفكر المنحل فهي وقفة تعجب واستغراب لمدى سخف عقول من نادى بالحداثة من العرب، وتقلد مذهب "بودلير" وتغنى بالأرض الخراب، ولم يكتف بذلك حتى تجرأ وطعن في الإسلام وشكك فيه، فهل لنا أن نسأل هذا الجاهل قائلين له ولمن وافقه : أي خير للأمة يوم أن تترك اتباع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وتتبع "إدغار" و"فودلير" رواد الفسق والعهر والفجور، كيف سيصبح حال البشرية إن هي آمنت بالحداثة واتخدتها منهج حياة ؟!
إن المنهج الهجومي الذي ينتهجه مروجو الحداثة في العالم العربي، ووقوف المسلم في موقف المدافع عن دينه وقيمه، ربما كان سببا في عدم معرفة كثير من المسلمين بحقيقة الحداثيين وما يحملونه من مباديء هدامة، لكن الأمر لا يحتاج سوى إلى قراءة سريعة لفكر هؤلاء من خلال كتاباتهم النثرية والشعرية حتى يعلم المسلم إلى أي طريق يسير هؤلاء، وإلى أي منهج يدعون، ولعل فيما قدمنا في هذا المقال من تعريف بهم، وما سنقدمه من توضيح لأشعارهم الطاعنة في أصول الدين وثوابته ما يكون معلما في التعريف بضلال هذه الطائفة وعظم خطرها .
ونختم مقالنا بالتنبيه على أن معرفة هذه المذاهب ودراسة أفكارها ورجالها تزيد الدين بريقا ، وتظهر علو كعبه ومنزلته، وأنه لا يقارن بأي من المذاهب البشرية والأفكار الأرضية إلا وعلا عليها، وأن دراسة تلك المذاهب تلفت الأنظار إلى مكامن الجمال في هذا الدين العظيم، الذي لا سعادة للبشرية إلا به، ومقارنة سريعة بين دين الله وهذه الأفكار الأرضية تظهر بما لا يدع مجالا للشك - عند المنصف - أحقية هذا الدين بالاتباع والاقتداء والإيمان به .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:52 PM
العلمانية .. تعريفها وظروف نشأتها





العلمانية هي نتاج صراع مرير، ومخلفات عقود من المعاناة عاشها الغرب المسيحي في ظل أوضاع غاية في التخلف والقسوة ، وليس العجب في تلك الأوضاع من حيث هي، ولكن العجب في ارتباط تلك الأوضاع المأساوية بالدين ، فقد غدت الكنيسة في الغرب المسيحي مصدرا للظلم ومُعِينَاً للظالمين، وهي في ذات الوقت مصدر للجهل، وانتشار الخرافة والدجل ، وأصبح رجال الدين ( الاكليروس ) عبئا ثقيلا، وكابوسا مريعا، يسومون الناس سوء العذاب فكريا وماليا وجسديا، فقد كانت الكنيسة سندا قويا لرجال الإقطاع، بل كانت هي أعظم الإقطاعيين، الذين يستعبدون العامة فيستخدمونهم وأولادهم في العمل في أراضيهم ويفرضون عليهم قيودا وشروطا وإتاوات، جعلت من حياتهم جحيما لا يطاق، ليس أدنى تلك القيود حرمانهم وأولادهم من العلم، وأخذ جزء كبير من محصول الأرض التي يحرثونها، واستباحة الإقطاعي زوجة العامي في ليلتها الأولى، فإذا ما انتقلنا إلى جانب الخرافة فنجد أن الكنيسة قد رسَّخت في الناس الخرافة باسم الدين، فهناك صكوك الغفران التي يشتريها العامة مرغمين في بعض الأحيان، والتي بمقتضاها تزعم الكنيسة أنه يُغفر للإنسان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهناك العشاء الرباني وهو عبارة عن وجبة خبز وخمر يأكلها العامي ، ليتَّحِد بالمسيح حسب زعم الكنيسة، فليس الخبز - حسب زعمهم- سوى لحم المسيح ، وليس الخمر سوى دمه، في خرافة يأبى العقلاء تصديقها.
وأما تعامل الكنيسة مع من يخالفها في معتقداتها فهو العذاب والتنكيل والاتهام بالهرطقة " الكفر "، فعندما برزت بعض النظريات المتعلقة بحركة الأرض، وكرويتها على يد العلماء، قامت الكنيسة بالتنكيل بهم، فحرقت ، وسجنت ، وقتلت، في محاولة منها للحفاظ على سلطانها القائم على الخرافة والدجل، كل هذا وغيره دفع الناس إلى التمرد على سلطان الكنيسة، بغية الخلاص من بطشها وجبروتها، وولّد في نفوسهم شعورا عارما باحتقار الدين والنفور عنه ، فكان من نتاج ذلك أن ظهر الإلحاد كإطار عقدي في البعد عن إله الكنيسة ، وظهرت العلمانية كإطار عملي في البعد عن سلطان الكنيسة، واندفع الناس في هذين الإطارين حتى نادى بعضهم قائلا : " اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس " ، لقد كانت ردة الفعل مندفعة ومتهورة ، لأن كبت الكنيسة كان قاسيا وطويلا .
تعريف العلمانية
العلمانية هي ترجمة لكلمة ( سكيولاريزم secularism ) وقد استخدم هذا المصطلح بداية في معنى محدود الدلالة يشير إلى علمنة ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية، إلا أن معنى الكلمة اتسع بعد ذلك على يد "جون هوليوك" فعرّف العلمانية بأنها: " الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقضية الإيمان بالقبول أو الرفض " عن كتاب العلمانية تحت المجهر ص 12.
غير أن هذا المفهوم للعلمانية تقلص كثيرا عند مفكرين آخرين ليصبح معناه فصل الدين عن الدولة ( separation of church and state ) وهو من أكثر التعاريف شيوعاً سواء في الغرب أو في الشرق، وهو يعني " فصل المؤسسات الدينية ( الكنيسة ) عن المؤسسات السياسية ( الدولة ) " وبذلك تحصر العلمانية في المجال السياسي وربما الاقتصادي فحسب .
ثم إن هذا المفهوم تطور فيما بعد، وأصبحت العلمانية تعني البعد عن الدين واعتباره علاقة روحية محصورة في المسجد أو الكنيسة، ولا علاقة له بشؤون الحياة العامة والخاصة.
ونستطيع أن نخرج من تعريف العلمانية، وبيان أسباب نشأتها في أوروبا بأمرين غاية في الأهمية :
الأول فيما يتعلق بالتعريف، فنقول : إن العلمانية تشكل تناقضا صريحا للدين، وتمثل منازعة حقيقية للسلطة الإلهية، فبينما تعطي الأديان السماوية السلطة خالصة لله سبحانه في تصريف الكون والإنسان، نجد في المقابل العلمانية تضع ذلك في يد الإنسان نفسه، فهو من يشرّع لنفسه ويضع لها النظم والقوانين، وهو من يحدد لنفسه قِيَمَ الخير والشر ، والمصالح والمضار ، في غنى تام عن الدين ، ونظرا لهذه التناقض الصريح والتنافر الكبير بين الأديان عامة - والدين الإسلامي خاصة - وبين العلمانية نص العلماء على أن العلماني بهذا المعنى خارج من الدين، مارق منه .
الأمر الثاني : ما يتعلق بأسباب ظهور العلمانية في المجتمع الغربي، وهي وإن كانت أسبابا قد تكون موضوعية إلا أن تلك الأسباب كان ينبغي أن تدفع المسيحي إلى البحث عن الدين الحق، لا أن تدفعه إلى الإلحاد ومعاداة الدين .
وأمر آخر ينبغي التذكير به، وهو أن تلك الأسباب التي أدت إلى بروز العلمانية في المجتمع الغربي، لم يكن لها وجود ألبتة في الشرق الإسلامي، فالدين الإسلامي ليس كالنصرانية المحرفة ، وعلماء الإسلام لم يكونوا إقطاعيين ظلمة كرجال الدين المسيحي، وموقف الإسلام من العلم ليس موقفا مصادما للعلم كموقف الكنيسة، بل موقف الإسلام من العلم موقف الحاث عليه، الداعي إلى الاستزادة منه، والبحث عنه، ما دام نافعا للناس في دينهم ودنياهم، وهو في ذات الوقت دين ينكر الخرافة ويحاربها، ويعلي قيمة العقل على خلاف تعاليم الكنيسة .
فالإسلام دين عقيدة وشريعة استوعبت مجالات الحياة وحكمتها، في حين أن النصرانية المحرفة خالية إلى حد كبير من المجال التشريعي، فهي جانب روحي أخلاقي، وعليه فمن الطبيعي أن يبحث الناس على تشريعات تنظم حياتهم وسلوكهم، وهو ما لم يجدوه في النصرانية المحرفة، كل هذه الأسباب التي أدت إلى ظهور العلمانية في الغرب المسيحي، لا يوجد منها سبب في الشرق الإسلامي، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ما دام أن الأسباب التي أدت إلى ظهور العلمانية في الغرب لم يتوافر ولو بعضها في الشرق الإسلامي فلماذا تُفرض علينا ، ونساق إليها ، وفي ديننا غنية وكفاية.

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:53 PM
عبدة الشيطان المعاصرون .. طقوسهم التعبدية ( 2 )


كنا قد بينا في مقال سابق بعضا من طقوس جماعة عبدة الشيطان المنحرفة والشاذة فكراً وسلوكاً، ونحاول في مقالنا هذا أن نكمل الحديث فيما بقي عند هذه الجماعة من طقوس شيطانية يتقربون بها إلى إبليس الرجيم . وفي مقدمة تلك الطقوس :
السحر
وهو من أشد ما يعتني به عبدة الشيطان، ولا سيما قادتهم ورؤسائهم، إذ أنهم يعتقدون أن السحر هو السبيل لجلب النفع ودفع الضر ، وهو في نفس الوقت يضفي عليهم نوعا من الهالة والعظمة أمام أتباعهم .

الموسيقى طقس من طقوس عبدة الشيطان
وهي السلاح الأكثر فعالية في استقطاب الشباب والتأثير على أفكارهم وسلوكياتهم، فالموسيقى كما يقول صاحب كتاب عبدة الشيطان " البنعلي " " هي الجسر الراقص الذي تعبر من خلاله تلك الأفكار إلينا "، فهم مع حرصهم على اختيار نوع من الموسيقى ذات الصخب العالي التي تصم الآذان ، يحرصون على خلطها بأغانٍ تنشر أفكارهم وتدعوا إليها ، واسمع إلى بعض ما يرددونه في أغانيهم لتعلم حجم الضلال الذي يمكن أن يصل إلى الناس من وراء هذا البلاء : " أيها الشيطان ..... خذ روحي .... ويا غضب الإله دنسها بالخطيئة وباركها بالنار ... لا بد أن أموت ..... الانتحار ..... الانتحار .... لابد أن أموت " هذه كلمات بعض الأغاني، التي تغنى بموسيقى ( الهفي ميتال ) أو ( الهارد روك ) في حفل عام، وأمام عشرات الألوف من الشباب أكثرهم من المراهقين .
والموسيقى عند عبدة الشيطان وسيلة لتعطيل الحواس البشرية، ونوع من أنواع التخدير العقلي، حتى تُقبل أفكارهم دون تمعن أو تفكر .

الجنس في طقوس عبدة الشيطان
مبدأ عبدة الشيطان قائم في الأساس على الإغراق في الشهوات، لأن الارتقاء في نظرهم لا يتأتى إلا من خلال الانغماس في الخطايا والمحرمات، لذلك تكثر في طقوسهم واحتفالاتهم الممارسات الجنسية الشاذة والغريبة من سحاق ولواط وما إلى ذلك .
ويحرص عبدة الشيطان على تحريض أتباعهم على ارتكاب الفواحش والموبقات، وكلما كانت الفاحشة أعظم كانت أحظ وأكثر تقربا إلى إبليس لعنه الله . فعلى سبيل المثال يذكر الكاهن الشيطاني "لافيه" : " أنه لا يحق لفرد أو مجتمع أو دين أن يضع حدا للرغبات الجنسية، لأن كل إنسان يختلف عن الآخر في كيفية ومدى إشباع هذه الرغبة "، بهذا المنطق المعكوس يدعو هذا الشيطان إلى الانحلال والتفسخ الخلقي، بدعوى الحرية واحترام خصوصية كل شخص في ممارسة رغبته الجنسية كيف شاء، وهو منطق يدل على قلة عقل هذا الشيطان، فالأديان السماوية جاءت لتنظيم حياة الناس والحيلولة دون تحولها إلى حياة بهيمية بعيدة عن منطق العقل والفطرة، فإطلاق العنان للشهوات والرغبات دون قيد من دين أو عرف مؤذن بفساد عظيم وإنحلال مقيت .

جريمة جنسية شيطانية
يذكر الكاتب "يوسف البنعلي" قصة حدثت في أمريكا وتناقلتها الصحف عن أربع فتيات ، اغتصبن من قبل عبدة الشيطان، تقول إحدى هؤلاء الفتيات : " اُسْتُدرجن إلى حفلة من حفلات عبدة الشيطان، في وسط غابة بجانب بيت مهجور، وعندما كانت السيارة تسير وسط الغابة، تملكنا شيء من الخوف، لكننا حاولنا إخفاءه، وعند وصولنا إلى المنزل شاهدنا حشداً من الرجال والنساء، يرقصون ويغنون حول نار مشتعلة، وهم شبه عراة، ثم أجبرنا على شرب الفودكا، واستنشاق نوع من المخدرات .
بعد ذلك طرحنا أرضا بالقرب من النار وجردنا من جميع ملابسنا ، ثم وقف أحدهم وسكب على أجسادنا بولا آدميا ودما ، وصاح قائلا : في سبيلك أيها الشيطان العظيم "!!.
بعد ذلك - والحديث ما زال للفتاة - قام عبدة الشيطان باغتصابنا، حتى إذا قضوا وطرهم عصبوا أعيننا وألقونا في إحدى شوارع المدينة "
إذا كانت هذه هي بعض جرائم أو طقوس تلك الجماعة المنحرفة الضالة، فكيف يجوز في قانون العقل فضلا عن قانون الشرع أن يسمح لهم بإنشاء كنائسهم، ونشر أغانيهم، وبث سمومهم .
أي انحطاط أصاب البشرية، وأي فكر سفيه ساذج يحكمها، عندما تسمح بهذه القاذورات الفكرية أن تتنفس الهواء، وأن تعيش في حرية مزعومة، تُفسد فيها العقول والأبدان، وتُعتدى فيها على الأعراض والأنفس والأموال .
إن من يتأمل هذه الجماعة بتركيبها وتنظيمها وسلوكها، يكاد يجزم أن ثمة أيد خفية ، تعبث بها وتسيرها ، أيد جعلت جل همها إفساد الشعوب والأمم ، حتى تستطيع السيطرة على ثرواتها ومقدراتها .
وكلمة أخيرة في نهاية هذا المقال نقولها لكل مسلم : إذا كان هؤلاء أقبح خلق الله، وأشدهم ضلالا يجالدون ويناضلون لنشر أفكارهم السوداوية، فكيف بالمسلم صاحب النور والهدى، كيف له أن يقعد عن نشر دينه وتبليغه، خاصة في تلك المجتمعات التي غاب عنها نور الوحي الإلهي، فعاشت في ظلمة الحياة المادية القاسية التي خنقت الروح، وحولت الإنسان إلى آلة صماء دون هدف يقصد، أو غاية تبتغى سوى إشباع حاجات الجسد، ومن كانت هذه حاله فهو أحوج ما يكون إلى نور الإسلام وهديه، وفقنا الله والمسلمين للدعوة إلى دينه والعمل به، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين .

زهرة الاصدقاء
06-17-2011, 06:54 PM
إبطال عقيدة وحدة الوجود






أن يجنح الخيال بالشخص فيظن الشمس سراباً، أو القمر غباراً تجمع في أفق السماء، فقد يعذر في جنوحه وتخيله، أما أن يصل الجنوح والخيال بالشخص فيلغي الفرق بين الخالق والمخلوق، فيرى الكل واحداً، ويعتقد أن هذا الكون من عرشه إلى فرشه ما هو صورة الخالق سبحانه . حتى ربما مر أحدهم على الجثة فيشير إليها على أنها الرب والإله .
ويذكر الإمام الرازي في تفسيره أنه شاهد: " بعض المزورين ممن كان بعيداً عن الدين، يأمر أتباعه وأصحابه بأن يسجدوا له، وكان يقول لهم: أنتم عبيدي، فكان يلقي إليهم من حديث الحلول والاتحاد أشياء، ولو خلا ببعض الحمقى من أتباعه، فربما ادعى الإلهية " ، فانظر إلى هذا الهذيان والعته كيف وصل بأصحابه إلى مثل هذه المذاهب الضالة المنحرفة، حتى ادعى بعضهم الألوهية وقال بلسان الجاحد: أنا الله، وقال الآخر: ما في الجبة إلا الله، وصف آخر ربه فقال:
ثم بدا مستتراً ظاهراً ... في صورة الآكل والشارب
وقال آخر: " لو أنصف الناس ما رأوا عبداً ولا معبوداً ". ولم يقف بهم الضلال عند هذا، بل صححوا دين النصارى والمشركين، ولم ينكروا عليهم سوى قصرهم الإلوهية على عيسى أو الأصنام، وقال قائلهم في ذلك:
عقد الخلائق في الإله عقائداً ... وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه .
وصححوا جميع الأديان، لا فرق بين سماويها وغير سماويها، إذ الكل – وفق معتقدهم - يعبدون الإله الواحد المتجلي في صورهم، وصور جميع المعبودات، ويكون غاية مقصود العابد منهم أن يصل إلى مرحلة يدرك هذه الوحدة المطلقة، ويشهد ألا موجود إلا واجب الوجود سبحانه، وهي درجة من الهذيان والهلوسة سببها مغالاته في العبادة، وتحريمه على نفسه ما أباحه الله له من المأكل والمشرب، حيث يقتصر على ما يقيمه صلبه، وهو ما يؤدي إلى تأثره عقليا ونفسياً، فيتخيل له هذه الخيالات، ويشطح تلك الشطحات . قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في "شرح المقاصد" : " ومنهم – أي القائلين بالحلول - بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن في السلوك، وخاض لجة الوصول، فربما يحل الله - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً - فيه كنار في الجمر، بحيث لا يتمايز، أو يتحد به، بحيث لا أثنينية ولا تغاير، وصح أن يقول هو أنا، وأنا هو ".
موقف العلماء من عقيدة وحدة الوجود
وقد وقف العلماء من هذه البدعة الكفرية الخطيرة موقفا حازماً فحذورا منها، وبينوا ضلالها، وكفّروا القائلين بها، ومن هؤلاء العلماء كبار الصوفية كالجنيد - رحمه الله - الذي سئل عن التوحيد فقال: "التوحيد إفراد المحدث عن القدم"، وهذا رد ظاهر على من مزج بينهما، وجعل الخالق ( القديم ) والمخلوق ( المحدث ) شيئاًَ واحداً.
ويقول الشعراني في "طبقات الصوفية": " ولعمري إن عباد الأوثان لم يجرؤوا على أن يجعلوا آلهتهم عين الله، بل قالوا: { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى }(الزمر:3)، فكيف يظن بأولياء الله أن يدعوا الاتحاد بالحق – سبحانه - هذا محال في حقهم رضوان الله عليهم ". وذكر القاضي عياض في "الشفاء" في إطار سرده بعض المقالات الكفرية حيث ذكر منها القول ب " حلوله – أي الله - في أحد الأشخاص كقول بعض المتصوفة، والباطنية النصارى والقرامطة "، وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب "المحصل في أصول الدين" : " مسألة الباري تعالى لا يتحد بغيره؛ لأنه حال الاتحاد إن بقيا موجودين فهما اثنان لا واحد، وأن صارا معدومين فلم يتحدا بل حدث ثالث، وإن عُدم أحدهما وبقي الآخر فلم يتحد لأن المعدوم لا يتحد بالموجود ". وقال صاحب معيار المريدين: " والدليل على بطلان اتحاد العبد مع الله تعالى أن الاتحاد بين مربوبين محال؛ فإن رجلين مثلاً لا يصير أحدهما عين الآخر لتباينهما في ذاتيهما، كما هو معلوم، فالتباين بين العبد والرب - سبحانه وتعالى – أعظم، فإذن أصل الاتحاد باطل، محال مردود شرعاً وعقلاً وعرفاً، بإجماع الأنبياء والأولياء ومشايخ الصوفية، وسائر العلماء والمسلمين . وليس هذا مذهب الصوفية، وإنما قاله طائفة غلاة، لقلة علمهم، وسوء حظهم من الله تعالى، فشابهوا بهذا القول النصارى الذين قالوا في عيسى - عليه السلام - اتحد ناسوته بلاهوته، وأما من حفظه الله تعالى بالعناية فإنهم لم يعتقدوا اتحاداً ولا حلولاً ".
التفريق بين عقيدة وحدة الوجود وعقيدة الاتحاد والحلول
ولا شك أن القول ببطلان عقيدة الحلول والاتحاد، هو إبطال لعقيدة وحدة الوجود؛ فإن إبطال الجزء إبطال للكل بلا شك، فإذا انتفى أن يكون بعض الخلق إلهاً فبطلان ألوهية الكل من باب أولى، وذلك أن العلماء يفرقون بين هاتين العقيدتين، عقيدة الحلول والاتحاد، والتي تميز بين الخالق والمخلوق، غير أنها تدعي أن الخالق يتحد بالمخلوق، ويحل فيه في مرحلة ما كقول النصارى في عيسى - عليه السلام -، وبين عقيدة وحدة الوجود التي لا تؤمن بهذه الثنائية، بل تضللها، وتدعي أن الكون كله ما هو إلا مظاهر وتجليات للخالق سبحانه، وأنه لا موجود في الوجود سوى واجب الوجود.

أسباب ظهور هذه البدعة
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هي المبررات التي تجوّز لعاقل أن يقول بهذا القول، أو أن يعتقد هذه العقيدة ؟ والجواب أن هذا القول تشكل من أسباب متداخلة يأتي في مقدمتها الجهل بأصول دين الإسلام، وما جاء به القرآن، وهو جهل دفع بأصحابه إلى التعلق بأهداب معتقدات شرقية ضالة كسعي البوذيين للاتحاد بالإله، كطريق وحيد وممكن للتخلص من آلام الحياة ودورة التناسخ، أو معتقدات غربية كقول النصارى بحلول الله في جسد المسيح - عليه السلام -، وكذلك قول بعض الفلاسفة بتأليه الطبيعة، وأخيراً وليس آخراً قول المعتزلة والجهمية بأن الله في كل مكان بذاته . هذه الأسباب وغيرها هي التي أدت إلى القول بوحدة الوجود أو حلول الله في خلقه واتحاده بهم .
حجج أصحاب القول بوحدة الوجود
ومع أن نشوء هذه البدعة كان بسبب خلل نفسي، وامتداد خارجي، لا يمت للإسلام بصلة، إلا أن القائلين بها أبوا إلا أن يلبسوها ثوبا إسلامياً، ويستدلوا لها من كلام الله وكلام رسوله، فقال بعضهم: إن المراد بقوله سبحانه: { هو الأول والآخر والظاهر والباطن }(الحديد:3) أن كل ما يتصور موجوداً فهو إما أول، أو آخر، أو ظاهر، أو باطن، فإذا كان الله تعالى هو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن لا غيره، كان الكون هو الله؛ لأنه لا يخرج عن هذا الوصف . وأيدوا هذا القول بما أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ( والذي نفسي بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله ) .
والجواب عن هذا من وجوه:
الوجه الأول: أن الذي يستدل بالقرآن يلزمه أن يؤمن به كله، ولا يستدل ببعضه دون بعض، وفي القرآن من الآيات التي تفرق بين الخالق والمخلوق، ما لا يمكن حصرها لكثرتها، من ذلك قوله تعالى: { والله خلقكم من تراب }(فاطر:11) فأثبت – سبحانه - خالقا ومخلوقاً، فكيف تركت تلك الآيات الصريحة، وتمُسك بما لا تصح دلالته على المطلوب، كما سيتضح .
الوجه الثاني: أن الآية المستدل بها تتكلم عن موصوف واحد هو الله سبحانه، فهي تصفه بأنه الأول الذي لا شيء قبله، والآخر الذي لا شيء بعده، والظاهر بآياته ودلائله، والباطن المحتجب الذي لا يرى في الدنيا. والمستدل يستدل بها على الكون كله، وهو ما يأباه سياق الآية، ومنطوقها، بدليل عود الضمير "هو" إلى مذكور سابق في الآية وهو قوله: { سبح لله .. }(الحديد:1)، فكيف يرجع الضمير في الآية المستشهد بها على ما لا وجود له سابق في سياق الآيات.
الوجه الثالث: أن المستدِّل لو أكمل قراءة الآية التالية لعلم بطلان استشهاده، فالله أعقب قوله تعالى { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } بقوله: { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام }(الحديد:4) وهي دليل صريح على أن الخالق غير المخلوق .
الوجه الرابع: أن الحديث المذكور حديث ضعيف، قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال: ( منكر )، وقال الهيتمي في "مجمع الزوائد": " رواه أحمد وفيه الحكم بن عبد الملك وهو ضعيف". ولو سلمنا بصحة الحديث فلا دلالة فيه على مذهب وحدة الوجود، فإن الحديث يقول: ( لو دليتم حبلاً لهبط على الله )، فالله إذاً غير الحبل، والله غير الأرض، والله غير السموات، والله غير الذين دلّوا الحبل، فالحديث يدل على بطلان عقيدة وحدة الوجود لا تأييدها. وأما معنى الحديث - لو صحّ - فقد قال الإمام الترمذي : " فسر أهل العلم الحديث فقالوا: أي لهبط على علم الله تعالى وقدرته وسلطانه " فالحديث إنما عنى به النبي – صلى الله عليه وسلم - شمول علم الله سبحانه، وعموم قدرته وسلطانه .
واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق }(فصلت:53)، قالوا: معنى الآية { حتى يتبين لهم أنه الحق } أي: الكون كله هو الله سبحانه .
والرد على هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن الآية تتكلم عن ثنائية متقابلة، الأولى: هي التي سَتُرِي وهو الله عز وجل، والأخرى هي التي سَتَرى وهم الخلق، فهناك من سيُري، وهناك من سيرى، وهذا ما يبطل عقيدة القول بوحدة الوجود القائمة على نفي هذه الثنائية.
الوجه الثاني: أن الله أعقب الآية المستدل بها، آية أخرى تتوعد الذي يشكون في لقاء الله، ما يؤكد أن الخالق غير المخلوق، قال تعالى:{ ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط }(فصلت:45).
هذا بعض ما استدل به أصحاب وحدة الوجود من آيات قرآنية وأحاديث نبوية ذكرنا بعضها ليتبين للقارئ مدى الانحراف في الفهم الذي يمارسه هؤلاء في استدلالهم بالقرآن على ضلالهم.
ولا ننسى في الختام، أن نضيف على ما سبق بعض الأدلة النقلية والعقلية في إبطال هذه العقيدة الكفرية، ويأتي في مقدمة الأدلة النقلية القرآن كله من أوله إلى آخره، فكل آية من آياته، من وعد ووعيد، وحساب وعقاب، وجنة ونار، وأمر ونهي، هي دليل على بطلان هذه العقيدة وفسادها، وبيان ذلك أن الأوامر والنواهي القرآنية تدل على أن ثمة آمراً ومأموراً، والوعد والوعيد يدلان على أن هناك واعداً وموعوداً، ومتوعِّداً ومتوعَداً، والجنة والنار، يدلان على أن هناك مثيباً ومُثاباً، ومعاقباً ومعاقباً، فالقرآن من أوله إلى آخره يدل على فساد هذه العقيدة وبطلانها، فكيف يتجرأ هؤلاء الضالون على الاستدلال به على منكرهم، وباطلهم، وكله دليل على فساد مذهبهم.
أما العقل فكما تقرر في بدهيات العقول أن الوجود لابد له من موجد، والموجد هو الله، فهل من العقل أن تعكس هذه القضية البدهية، ليقال: أن لا حقيقة للوجود، وأن هذا الخلق ما هو إلا صور وتجليات للخالق، لا شك أن ذلك خطلٌ في العقل، وبعدٌ في التفكير.
ثم إن العقلاء أجمعوا على بطلان مذهب السفسطائية وعدوه منكرا من القول وزورا، وحقيقته إنكار حقائق الأشياء، والتشكيك في وجودها بصورها، وهل عقيدة وحدة الوجود إلا نوع من السفسطة إذ أنكرت حقائق الوجود، وادعت أنه وجود مجازي لا حقيقة له، فما أجمع عليه العقلاء في إبطال مذهب السفسطائية، يلزم أصحاب وحدة الوجود .
وبهذا التقرير يظهر فساد هذا المذهب الكفري وبطلانه، وأنه لا يمت إلى الإسلام بصلة لا نشأة ولا استدلالاً، وأن القائلين به ليسوا سوى مرضى نفسيين، الأولى بهم أن يعالجوا في المستشفيات، لا أن يحاجوا بالعقليات.

Adsense Management by Losha